أفاميا الجميلة حيث ينام التاريخ وتصحو الأسطورة ..

أفاميا الجميلة حيث ينام التاريخ وتصحو الأسطورة ..

بقلم : خالد عواد الأحمد

 

15128542_720353484789062_196277959_nإلى الشمال الغربي من سورية، وفوق هضبة قليلة الارتفاع مطلة على سهل الغاب تتناثر أطلال مدينة أفاميا العابقة برائحة التاريخ، وذكريات شعوب كثيرة وطئت تخوم هذه المنطقة الناضحة بالجمال والاخضرار والنماء والبهاء السندسي، الذي وهبها إياها نهر مشاكس معاند هو نهر العاصي.مر فيها الفراعنة والسلوقيون، ومن بعدهم الرومان والبيزنطيون وغيرهم من أبناء الشعوب القديمة التي قطنت شرقي المتوسط خلال فترات التاريخ المتعاقبة. وظلت أفاميا واحة ينام فيها التاريخ وتصحو الأسطورة تذكرنا بحكاية الرسام الشرقي القديم المتفرد في فنه الذي رسم لوحة بديعة ثم ترك في صدر اللوحة بابا أبقاه مفتوحاً وحين أنهى عمله، وتأمله راقَ له أن يعبر الباب، ومن ثم أغلقه وراءه وغاب وراء اللوحة الفريدة، لتبقى هي أمانة في عهدة المستقبل . تُرى هل كان ( سلوقس نيكاتور )، أحد قادة الاسكندر المقدوني يعلم أن مدينته السحرية الرائعة هذه ستظل قلادة على صدر الزمان بعد أكثر من ألفي عام، حينما منحها اسم أفاميا كرمى لعيني زوجته الأميرة الحسناء أفامي البختيارية ( التي تزوجها العام 324 قبل الميلاد ) .

 

15050014_720354044789006_1593288043_nتتوضع أطلال أفاميا التي تقع على الهضاب الشرقية، التي ترتفع قليلاً عن سهل الغاب وتمتد على مساحة 250 هكتار من الأرض المنبسطة مدعومة من الشمال بجبل (شمبشو) وهو امتداد لجبل الزاوية، وعند حافة الهضبة الشرقية يبرز منها نتوء صخري يشكل أساس الحصن أو القلعة التي كانت (أكربول) أفاميا، وتحولت من بعد إلى قرية صغيرة تختبئ ضمن أسوارها الإسلامية، وتعرف اليوم بقلعة المضيق، وتبعد عن الأطلال 1 كم.في العهد السلوقي (نهاية القرن الرابع قبل الميلاد) بنيت أفاميا وفق أفضل الشروط المطلوبة في ذلك العهد لبناء المدن، وتمتعت بموقع استراتيجي مهم للجيوش والقوافل معاً. وكانت تتصل بباقي المدن الكبرى بطرق واسعة مرصوفة لا تزال بقاياها ماثلة حتى الآن .

قصة هذا الموقع من التاريخ بدأت منذ العصر الحجري الأوسط (الباليوليتيكي) حيث عثر خلال الحفريات أعوام (1349هـ- 1930م) و(1357هـ- 1938م) على رقيم حثي موجود الآن في متحف حلب الوطني، أعطى صورة سريعة عن تاريخ المدينة القديمة في تلك الفترة .

15086905_720353451455732_477763437_nوكذلك برهنت الحفريات اللاحقة على وجود معمل كبير لقطع الحجارة على الطرف الغربي للسور، وفي العصر الحجري الحديث (النيوليتيكي) كان (أكربول) المدينة والسفح الشمالي مأهولين بجماعات زراعية بدليل ما عثر عليه من أدوات زراعية عدة، كالمكاشط والأزاميل والمناجل التي أظهرتها الأسبار المتتابعة إلى النور وفي العصر البرونزي ( الألف الثالث قبل الميلاد) ظهرت أشكال متوالية من البرونز القديم والمتوسط وقبور غنية، مما أكد أن هذا الموقع بقي مأهولاً ومعموراً على مدى هذه العصور، وقد جاءت الوثائق الفخارية الملونة الشبيهة بالسيراميك والمكتشفة عام (1390هـ- 1970م) لتؤكد اتحاد هذا الموقع بمكان نعيا (نيجا) الذي عرف خلال القرون التالية، ولاسيما من القرن السادس عشر إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكان لأفاميا دور في حملات الفراعنة المصريين على سورية الشمالية بخاصة في عهد تحوتمس الأول والثاني، وأمينوفيس الثاني، حتى ظهور مرحلة تهديدات الحثيين وهجماتهم المتوالية على المنطقة .

سـوريـــة الــطـيــبــة ..

خضعت أفاميا للحكم الروماني العام 64 قبل الميلاد، عندما تمكن القائد الروماني بومبي الأكبر (بومباريوس) من أن ينهي حكم السلوقيين باستيلائه على سورية، وتسميتها إقليماً رومانياً، فدخل مدينة أفاميا وأمر بهدم قلعتها ولكنه جعل أفاميا قاعدة ولاية سورية الثانية، وأسماها (سورية الطيبة) ولذا حافظت أفاميا في العهد الروماني على أهميتها الإدارية والاستراتيجية وكانت موطناً لموجات مختلفة من الشعوب .

ومع بداية العهد البيزنطي نعمت أفاميا مع غيرها من المدن السورية بالسكينة والطمأنينة لمدة تزيد على مئة وأربعين عاماً، إلى أن تعرضت لكارثتين أولاهما غارات الفرس العنيفة حينما انطلق كسرى أنو شروان إلى سورية واستولى على إنطاكية في طريقه إلى أفاميا وسلب كنيستها ونهب دورها ومبانيها، وعاد بآلاف الأسرى إلى عاصمته (طيسفون)، ودخل قصره (طاق كسرى) مكللاً بالظفر والنشوة معاً .

15129998_720353378122406_775840717_nفي العهد الإسلامي ” فتح أفاميا الصحابي البطل أبو عبيدة بن الجراح عام (17 هجري- 638م) بعدما فتح شيزر، فتلقاه أهلها بالصلح، فصالحهم على الجزية والخراج ” ( المصدر: كتاب فتوح البلدان – للبلاذري) ولقد وجد المسلمون المدينة خراباً يباباً فاكتفوا بقلعتها .

وفي عهد يزيد بن معاوية الأموي جُعلت أفاميا مع قنسرين ومنبج وإنطاكية جنداً، وفصلت عن حمص ومع مطلع العصر العباسي أصبحت من العواصم ومع مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) طفقت تنتقل بين أيدي العباسيين و الإخشيديين والحمدانيين .

 

15128748_720353348122409_2141539819_nتـيــجـــان كــورنـثـيـــة ..

تضم مدينة أفاميا القديمة كل مرافق الحياة الضرورية للحياة المتطورة في ذلك العصر، كما ضمت المدينة كل المباني الحيوية التي اعتادت المدن الإغريقية احتواءها مثل المسرح والمعابد والأبنية الرسمية وغيرها.وتشكل شبكة الشوارع الرئيسية والفرعية شكلاً يشبه رقعة الشطرنج، والشوارع تنتهي بأبواب المدينة الشمالية، يقسم المدينة شارع رئيسي عريض يمتد من الباب الشمالي للمدينة إلى الجنوب على طول 2كم ويبلغ عرضه حوالي 23م، ويحيط بجانبي الشارع رواق محمول على أعمدة أغلبها ذات تيجان كورنثية وتختلف الأعمدة بعضها عن بعض .

15086774_720353321455745_1161529500_nمن حيث التكوين و الزخرفة فبعضها اسطواني أملس والبعض الآخر اسطواني مع بعض النقوش على شكل مسار حلزوني تغطي بدن العمود ، و يختلف اتجاه دورانها في كل عمود عن العمود المجاور . و من الثابت حتى الآن أن جمال النقوش على هذه الأعمدة لا يدانيه جمال في أي مكان آخر ، فالتيجان الكورنثية و القواعد متشابهة في الشكل أما الزخارف فمختلفة . و يبلغ عرض الرواق في الشارع الرئيسي سبعة أمتار ، و البعد بين كل عمودين  ثلاثة  أمتار ، و يوازي هذا الشارع شارع رئيسي آخر يمتد شمال جنوب ، و  تلتقي الشوارع الرئيسة بشوارع فرعية تتعامد معها بزوايا قائمة  .  إن طول الشارع الرئيس ، و عدد الأعمدة المستعملة التي بلغت  1200  يجعلان نقطة النظر لا متناهية و يبدو أن المعماريين في أفاميا تغلبوا على هذه المشكلة بوضع نقاط وسطية مؤلفة من مجموعة من الأعمدة المرتفعة على مصطبة تسمى   ( تيترابيل ) تحمل بعض تماثيل القادة و الأمراء .

  • Social Links:

Leave a Reply