جدل العلاقة بين هدفي التحرر الوطني والتقدم الحضاري في مجتمعاتنا العربية ..

جدل العلاقة بين هدفي التحرر الوطني والتقدم الحضاري في مجتمعاتنا العربية ..

د.حــبـيـــب حــداد

يطرح عصر العولمة الذي نعيشه الْيَوْمَ تحديات كبيرة ومتشعبة على مختلف دول وشعوب عالمنا . وما من شك في أن حدة وطأة تلك التحديات وبالتالي تأثيراتها الإيجابية أو السلبية تتباين وتتفاوت تبعا لأوضاع تلك المجتمعات من حيث مناعة كياناتها وحيويتها التي تعتمد أساسا على مدى ما أحرزته من تقدم حضاري في كل الميادين . وبإيجاز فان الخريطه السياسية لعالمنا الراهن في مطلع هذا القرن الجديد من جهة ، وتضاريس البنيات والهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لقاراته الخمس من جهة أخرى ، إنما كانت حصيلة الصراعات العاصفة والتطورات النوعية التي عرفتها البشرية على امتداد القرن العشرين وفي مقدمتها : حربان عالميتان مدمرتان ، وانقسام الوضع الدولي الى ثلاثة معسكرات : الرأسمالي والشرقي وعدم الانحياز . وانتصار معظم حركات التحرر الوطني في معارك تحقيق الاستقلال من السيطرة الإستعمارية المباشرة ومن ثم ما شهده النصف الثاني من القرن الماضي من ثورة جذرية علمية تكنولوجية في ميدان المعرفة ووسائل الإتصال والتي غيرت وجه العالم وأحالته الى قرية صغيرة من حيث تقريب مسافاته وبلدانه ومن حيث ترابط مشاكله وأزماته . وَمِمَّا لا ريب فيه ان اخطر تلك الأحداث والتطورات النوعية ، من وجهة نظرنا ، على الأمن والسلام العالمي وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها ، كان انهيار المعسكر الشرقي أوالاشتراكي وانتهاء اَي وجود أو دور يذكر لمجموعة دول عدم الانحياز ، حيث اصبح الوضع الدولي بعدها وحيد القطب أي تحت هيمنة دولة واحدة هي الولايات المتحدة الآمريكية . و هذا الواقع الجديد الذي لم يكن كما اتضح منذ أوائل تسعينات القرن الماضي لمصلحة أي من دول العالم ، دشن لمرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر الجسيمة التي استهدفت معظم مناطق كوكبنا الأرضي ، الأمر الذي القى على الجميع مسؤلية الكفاح والسعي المتواصل من أجل الانتقال الى وضع دولي آخر متعدد الأقطاب أو بلا اقطاب ضمانا لمستقبل اكثر عدلا وأمنا واستقرارا .

لقد كانت مجتمعاتنا العربية وكياناتنا الدولتية الناشئة بعد الاستقلال ومنذ منتصف القرن الماضي على موعد مع التاريخ من حيث قدرتها على استكمال مقومات الاستقلال الحقيقي المتجسدة أساسا في بناء دول ديمقراطية حديثة تقوم على مبدأ المواطنة الحرة دون أي تمييز ، و وتعبئة كل الطاقات والقدرات الوطنية بطريقة علمية سليمة لانجاح خطط التنمية الانسانية الشاملة والمستدامة ، والسير في طريق التكامل والوحدة وتحرير الأرض العربية المحتلة والمغتصبة . كان هدف التحرر الوطني من الاستعمار المباشر إذن هدفا أول وقاعدة الانطلاق لبناء الدولة الديمقراطية العصرية التي تكرس في الواقع المعاش العلاقة الصحيحة بين الفرد-المواطن وبين المجموع – الشعب ، وبينهما من جهة وبين الدولة من جهة ثانية . وكانت صيرورة التطور الطبيعي والصحي لمجتمعاتنا ودولنا تفترض ان تكون الْيَوْمَ في مصاف العالم المتحضر مساهمة بخصوصيتها ورصيدها الحضاري المتميز في الاضطلاع بدورها في المصير الإنساني المشترك .

هذا هو منطق التاريخ الذي حكم مسار التطور الإنساني ، اذ ان كل أهداف مرحلة التحرر الوطني لمجتمعاتنا هي في حقيقتها أهداف انتقالية واهداف تأسيسية في إطار المشروع النهضوي العربي الشامل الذي كان ولا يزال مشروع معركة مفتوحة وعنوان مواجهة مستديمة بين عوامل التخلف والقدامة وبين عوامل التطور والتجديد في مجتمعاتنا . فالحكم الموضوعي السليم على ما تعرفه مجتمعاتنا الْيَوْمَ من احداث وتطورات خطيرة تهدد حاضرها ومستقبلها يتمثل في الإجابة على السؤال المحوري التالي : الى أين ستتقود هذه التطورات بلادنا اذا ما استمرت على نفس المنوال وفي نفس الاتجاه ؟؟؟ هل ستنقلنا الى بديل أفضل من واقعنا المتخلف والمأزوم ؟ أم انها اذا ما تواصلت ، وفي غياب الرؤية السليمة للخروج من هذا المأزق ، ستستكمل الإجهاز على ما تبقى من مقومات وجودنا آلوطني والانساني .

إن جوهر بل وغاية الصراع الدائر الْيَوْمَ على صعيد عالمنا كله وفي دولنا ومجتمعاتنا العربية هو الصراع بين قوى التقدم ، وقوى التأخر والفوات التاريخي ، انه الصراع بين قابلية وامكانات التطور والتجدد الحضاري من جهة وبين عوامل العطالة والركود والانشداد الى الماضي من جهة أخرى . ان الاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية ، وفق أي نمط انتاج او تخطيط نفذت، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسير نحو استعادة الأمن الاقليمي العربي والعمل العربي المشترك وتحقيق أية خطوات جدية في طريق التكامل والوحدة العربية ،ان هي جميعها الا خطوات ووسائل من اجل خدمة الغاية الأسمى وهي سعادة وحرية وتأمين حقوق واحتياجات الانسان المواطن المادية والروحية و التي لا يمكن ان تتوفر وتصان الا في مجتمع متحضر وفي مستوى العصر ، وإذا ما استعدنا هنا على سبيل التذكير ما حل بالقضية الفلسطينية التي يفترض فيها أنها القضية المركزية لكل الشعوب والانظمة العربية بعد ان تراجع وتحول الالتزام تجاهها ، كما انحرفت الرؤية الى طبيعتها ، لا من قبل تلك الانظمة المتاجرة بها فحسب وإنما الأخطر من ذلك من قبل تلك التشكيلات الانتهازية والمجموعات الإرهابية المسلحة التي ركبت موجة الانتفاضات الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي لتجهضها وتحرفها عن مسارها التحرري الوطني . أين أصبحت القضية الفلسطينية الآن وكيف تتعاطى معها ومع مشاريع الحلول الوهمية المطروحة الجهات الفلسطينية او العربيةالمعنية ؟ الم يكن الشعار الذي رفعناه منذ وقوع النكبة على الدوام في برامج أحزابنا وحركاتنا السياسية وأكدنا عليه في كل المناسبات وخاصة في مؤتمراتنا الشعبية ، وهو ان صراع امتنا العربية مع الكيان الصهيوني هو صراع وجود لا حدود ، وانه صراع حضاري في ماهيته وابعاده ومراميه ؟؟؟.

ان تجاوز هذا الواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية الْيَوْمَ والذي تواجه فيه اخطر التحديات وعلى رأسها خطرا الاستبداد والارهاب ، وبلوغ ذلك المستقبل الأفضل الذي نتطلع لبنائه إنما يتطلبان وعيا جديدا تتسلح به على الأخص نخبنا الفكرية وحركاتنا السياسية ، وعيا عقلانيا يضع اجيالنا امام رؤية سليمة لهدفي التحرر الوطني والتقدم الحضاري . الرؤية التي تنهي ضياعنا وتضع حدا لاستمرارنا في المراهنة على مشروعات ثبت فشلها وتأبيدها لحالة التخلف والارتداد والتدمير الذاتي ، تلك المشروعات القائمة على ايديولوجيات او مرجعيات دينية أوطائفية او قومية شوفينية او إثنية عنصرية او جهوية او قبائلية . وفي خضم الأزمة الشاملة التي يعيشها كل من مجتمعاتنا العربية الْيَوْمَ تبرز أمامنا حقيقتان :أولهما ان مصير ومستقبل كل مواطن الذي هو الغاية والوسيلة اصبح مرتبطا بتحرر شعوبنا وتقدمها ، وثانيهما ان تحرر شعوبنا وتقدمها إنما يتوقفان أساسا على طبيعة وعينا ، وعلى صحة مسار عملنا وكفاحنا، وعلى مدى التزامنا بانتصار القيم والأهداف الانسانية المشتركة .

  • Social Links:

Leave a Reply