خــســـر الأســـــــد حـــلــيـفـــاً قــويــــــــاً ..

خــســـر الأســـــــد حـــلــيـفـــاً قــويــــــــاً ..

عبد القادر عبد اللي

بدأ بعض السوريين بنشر صورتين قديمتين تعودان إلى ما قبل سنتين أو سنتين ونصف يظهر في واحدة اشتعال النيران في مكان بعيد من مدينة غير واضحة الملامح هي ليست في الولايات المتحدة بحسب محرك البحث غوغل، وفي الأخرى مواطنون يرفعون أعلام الولايات المتحدة من احتجاجات وول ستريت القديمة على أنهما صورتان من بداية الربيع الأمريكي .

المعارضون من السوريين استخدموا هاتين الصورتين للسخرية من واقع الولايات المتحدة، ووصول رئيس متطرف مثل دونالد ترامب بعد أن أكد كثير من المثقفين الأمريكان بأنهم لن يعيشوا في الولايات المتحدة بعد وصوله، واستخدموا مع الصورتين عبارات مأخوذة من نتاج المأساة السورية، مثل: “كلينتون أو لا أحد!”، “كلينتون أو نحرق واشنطن”…

الغريب، أن المؤيدين أخذوا الصورتين القديمتين على أنهما حقيقة، ونشروهما على نطاق واسع، وغالباً ما استخدموا معهما عبارة: “طباخ السم يأكل منه”، في إشارة إلى أن الربيع العربي سمّ طبخته الولايات المتحدة، وها هي الآن تأكل منه، ناكرين الجميل الذي قدمته لهم الإدارة الأمريكية في ظل حكم الديمقراطيين بمحاربة الربيع العربي، ودعم عبيد البسطار العسكري، وبالطبع لا ينكر أن هناك بين هؤلاء مغيبين يستمعون لخطاب الإمام الفقيه، ويكررونه كالببغاوات، ويعتقدون بأن أسيادهم الإيرانيين ما زالوا يرفعون شعار: “الموت لأمريكا … الموت لإسرائيل”…

على أرض الواقع، لعبت إدارة أوباما دوراً سلبياً في الربيع العربي، وعملت كل ما باستطاعتها من أجل دعم الثورات المضادة كما جرى في اليمن وليبيا، أو جلب طغاة يجعلون المواطنين يندمون على إسقاط الطاغية الأول كما جرى في مصر. وفي سورية سمحت لحثالات الأرض كلها بالدخول، ودعمت تلك الحثالات دون استثناء، مما جعل الأسد خياراً وحيداً. حتى إنها أخفت وثائق بيع داعش النفط لنظام الأسد التي حصلت عيها من كمبيوتر أبي سياف مسؤول التنظيم المالي في العملية التي قتلوه فيها، وأسروا زوجته، كما أنقذت إدارة أوباما النظام من استخدام السلاح الكيماوي .

من جهة أخرى حاربت إدارة الديمقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية الأنظمة التي وقفت في وجه المد الإيراني المستغل للربيع العربي مثل السعودية، كما حاربت الأنظمة التي حاولت أن تقدم الدعم للحركات المسلحة المعتدلة في سورية مثل تركيا، كما أنها تدخلت في أدق تفاصيل شؤونها الداخلية من أجل إسقاط حكومة هذا البلد، حيث دعمت محاولات عديدة لإسقاط حكومة العدالة والتنمية عقوبة لها على موقفها المعارض لنظام الأسد، كان آخرها الانقلاب العسكري الفاشل .

وهكذا فإن الفرح الذي يبديه الشبيحة و مؤيدو نظام الأسد من سقوط المرشحة الديمقراطية كلينتون هو في الحقيقة يخفي ألماً شديداً ، فهذه المرشحة مجرّبة بالنسبة إليهم ، ورافقت أوباما أربعة أعوام كوزيرة للخارجية بمعنى أنها كانت مسؤولة عن ملف السياسة الخارجية و سورية من ضمنه ، و هي على نهجه  الذي بلوره  باعتباره الحليف الأقرب و الأصدق لإيران ، و بالتالي لنظام الأسد .

صحيح أن ترامب وعد بألا يجعل إسقاط الأسد أولوية بالنسبة إليه، ولكنه بالنتيجة يميني متطرف لا أحد يعرف كيف سيتصرف، وهذا ما يجعله في منظور الشبيحة ومؤيدي النظام السوري ينطبق عليه المثل الشعبي القائل: “اللي منعرفه أحسن من اللي منتعرف عليه” .

وفق هذه المقارنة يمكن أن نجد نظام الأسد قد خسر حليفاً قوياً هو أوباما، كما خسر المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي كان من المأمول أن تسير على نهجه. فالخدمات التي قدمها له الديمقراطيون الأمريكان عظيمة جداً، ولولا تلك الخدمات لما بقي هو والمافيات التي تحارب معه شهراً واحداً .

ولكن نظام الأسد على الرغم من هذه الخسارة فهو مرتاح جداً. لأن لديه حلفاءَ كثيرون مستعدون لتقديم التضحيات كافة من أجل الدفاع عنه مثل إيران وكل ما يتبعها من ميليشيات شيعية متطرفة. وهناك إسرائيل أيضاً التي تقدم الدعم غير المباشر، فهي الضامنة الحقيقية لنظام الأسد، والتي تعمل بكل ما أوتيت لحمايته وإطالة عمره، ودعمه بتدمير سورية، وخاصة من خلال التنسيق مع الروس الذين يمتلكون قوة تدميرية كبرى يمكن أن تمحو عن الخريطة ما فشل النظام بمحوه حتى الآن، وهم -أي الروس- لا يخفون هذا التنسيق، ويعيدونه في كل مناسبة .

على الرغم من أن الولايات المتحدة تديرها مؤسسات، ولكن شخصية الرئيس والصلاحيات التي يمتلكها، وحزبه يلعبان دوراً حاسماً في رسم السياسة الأمريكية العامة. وقد جرّب السوريون أوباما وشريكته كلينتون من قبل، ولعبت الإدارة الأمريكية خلال فترة حكم الحزب الديمقراطي دوراً بحماية الأسد من الأخطار المحدقة به، فهل يبقى ترامب على هذا النهج لأنه ليس نهجاً أمريكياً أصيلاً نابعاً من مصالح هذا البلد، بل هو نهج إسرائيلي؟ أم أن إشاراته الإيجابية نحو تركيا، وقوله إن الولايات الأمريكية أخطأت عندما لم تأخذ بالمقترحات التركية في القضية السورية، ولابد لإدارته أن تعيد النظر بالعلاقات مع هذا البلد يمكن أن ترسم ملامح موقف جديد لا يخدم الأسد فعلاً، ويحزن على فقدان أوباما، وخسارة كلنتون ؟

بعيداً عن الفرح والشماتة والحسرة التي تظهر بين السوريين المؤيدين والمعارضين نتيجة سقوط المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، يمكن القول إن الأسد خسر حليفاً قوياً بسقوطها في سباق الرئاسة الأمريكية، ولكن حتى الآن من المبكر جداً القول ما إن كان ترامب سيسد ثغرة هذا الحليف أم لا .

 

  • Social Links:

Leave a Reply