بقلم : خالد عواد الأحمد
إلى الشمال من بادية الشام المترامية الأطراف وعلى بعد 30 كم من مدينة الرقة السورية تقع مدينة الرصافة البيضاء أو مدينة الحجاج التي تُعتبر من أروع المواقع الأثرية التي سبقت ظهور الإسلام، ويثير منظر أطلالها الضخمة الواسعة شعور الدهشة والإعجاب في نفوس الزوار والسياح لكون هذه المدينة الأثرية كانت ذات يوم حاضرة تعج بالحياة، ومركزاً حضارياً وسياسياً يتميز بنشاطاته الروحية والاقتصادية والثقافية لعدة قرون .
وتكمن أهمية الرصافة في موقعها على طريق القوافل القديم وهو الطريق الذي يخلف الفرات في موقع “سوار” ويسير في اتجاه البحر الأبيض المتوسط ماراً بتدمر ودمشق ، وتدل أقدم الشواهد التاريخية على وجود تجمع بشري في المكان يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد ، وقد ورد ذكرها في وثائق آشورية في كونها كانت منطلقاً لغزوات قامت بها القوات الآشورية من أجل حفظ الأمن بين القبائل المنتشرة في تلك المناطق، كما ورد ذكرها في التوراة تحت اسم “ريسيف” في كتاب الملوك الثاني -الإصحاح 19– 12- حيث وجه رسول سنحاريب الكلام إلى أشعيا ملك اليهودية قائلا :
(أترى إلى هؤلاء الأقوام الذين أهلكهم آباؤنا، هل خلصتهم آلهتهم جوتان وحاران وريسيف وأبناء إيدن الذين كانوا في تيلازار )
وفي العصر الروماني كانت الرصافة قلعة قليلة الشأن في منطقة تنازع بين القوى المتواجدة شرقي نهر الفرات والقوى الكبرى المتواجدة غربي النهر (السلوقيين ثم الرومان من بعدهم ) .
حامية عسكرية ..
اكتسبت مدينة الرصافة أهمية خاصة على طريق القوافل القادمة إلى تدمر والخارجة منها إذ كانت تلعب دوراً هاماً في تأمين حاجيات هذه القوافل وتقديم الخدمات والحماية اللازمة لها، وتدل الكثير من الشواهد التي عُثر عليها في الرصافة أن هذه المدينة كانت حاضرة تجارية لها أهميتها الكبرى التي اكتسبتها بمرور خط الحدود الذي أسسه الإمبراطور “ديوكلسيانوس” في أواخر القرن الثالث للميلاد، وبقيت الرصافة تؤدي هذا الدور حتى فترة متأخرة من الزمان على ما يذكر ياقوت الحموي في استناداً إلى رسالة ابن بطلان الموجهة إلى هلال بن المحسن سنة 440 هجرية حيث تقول الرسالة بأن سكان الرصافة هم (سكان هذا الحصن بادية أكثرهم نصارى معاشهم تخفير – حراسة – القوافل وجلب المتاع والصعاليك واللصوص .
(كتاب: معجم البلدان ، ياقوت الحموي) .
بعد سقوط دولة تدمر في آب من العام 273 م خرجت الرصافة التي لم تكن آنذاك سوى قلعة تضم حامية عسكرية لمراقبة التخوم الفراتية ، خرجت من فلك الدولة التدمرية وبعد استلام روما زمام الأمور أقامت فيها حامية رومانية عام 293 م أيام الإمبراطور ديوكلسيانوس .
وفي القرن الرابع أي بداية العهد البيزنطي اكتسبت الرصافة أهمية خاصة بسبب استشهاد القديس سرجيوس فيها حيث فأصبحت المدينة محجاً هاماً لمسيحي سورية وجوارها.وأُطلق عليها اسم سرجيوبوليس -من اليونانية – مدينة سيرجيوس – إكراماً لرفات القديسين الشهيدين “سيرجيوس” و”باخوس” اللذان رفضا تقديم الذبائح لآلهة الرومان والتخلي عن المسيحية عام 305 م
وفي القرن السادس استوطنت المدينة قبائل العرب الغسانيين– وجعل أميرهم المنذر بن الحارثة مقره خارج الأسوار-مواجهة البوابة الشمالية- هاجمها كسرى الأول لكنه فشل في غزوها بفضل أسوارها المنيعة غير أن ابنه كسرى الثاني تمكن من التغلب عليها ونهبها ومنذ ذلك الحين ظلت الرصافة متهدمة حتى فطن لها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فأعاد نصب أسوارها وبناء صهاريجها الخَرِبَة وشيد له فيها قصراً كان يمضي فيه بعض الوقت، وأعاد بذلك للمدينة رونقها القديم فكثر سكانها وانتعشت تجارتها وحضارتها إلى أن داهمها العباسيون بعد سقوط الدولة الأموية سنة 750 م فنهبوها وخربوها مرة أخرى كما مثلوا بقبر هشام ومحوا معالمه وأكمل زلزال عام 810 المهمة فتحولت المدينة منذ ذلك الحين إلى إطلال دارسة .
الحجر المتوهج ..
اسم الرصافة هو الاسم الأخير الذي وصلنا لهذه المدينة منذ القرن الثامن أي بعد الفتح الإسلامي حيث سُميت ( رصافة هشام) نسبة إلى الخليفة هشام بن عبد الملك -722ـ 743 م- الذي جعلها مقراً لولايته بعد هروبه من الطاعون الذي أصاب دمشق ، ولكن هذه المدينة عُرفت قبل ذلك بأسماء عديدة عبر تاريخها من أهمها راصاباrasapa الذي ورد في نص آشوري يعود إلى العام 840 ق. م و(رصافاس) الذي ورد في الوثائق الكنسية اليونانية و( رطافا) و( تيترابيرجيون) كما دُعيت في التوراة باسم( ريسيف )وهي لفظة تعني في العبرية الحجر المتوهج كما ذكرنا آنفاً، ودُعيت الرصافة باسم” سيرجيو بوليس” نسبة إلى القديس سرجيوس الذي كان جندياً فاستشهد ودُفن فيها مع رفيق له اسمه باخوس حوالي سنة 305 في عهد الإمبراطور” ديوكلسيانوس” وعندما حكم الإمبراطور البيزنطي “أناستازيوس الأول” المنطقة ما بين( 491/ 518 ) أطلق اسمه على المدينة فباتت تُعرف بمدينة (أناستازيوس ) كما سمَّاها العرب باسم رصافة هشام و( الرضيف) وهي لفظة تعني في اللغة العربية الحجارة المتوهجة أو الأرض العطشى، وقد اشتُق اسم الرصافة من معنى الحجر المتوهج هذا إذا تذكرنا أن حرف الضاد غير موجود إلا في اللغة العربية فيكون اشتقاق – رضيف – من ( رصيف ) أو( رسيف ) أو( رسيب ) .
عراقة العمارة المحلية ..
يمكن رؤية أطلال الرصافة قبل الوصول إليها بعدة كيلومترات وهي واقعة في منبسط من الأرض بين جبلي البشري وأبو رجمان، وقد شُيِّدت أبنيتها من الحجر الكلسي الناصع البياض، الذي يلمع في نور الشمس كأنه كوكب دري أو كتلة متأججة من الكريستال، كما لو أن شريان الحياة ما يزال يتدفق في ثناياها رغم مرور مئات السنين على تشييدها .
وقد أظهرت التنقيبات الأثرية التي قامت بها البعثة الألمانية عام 1956 أن الرصافة أصيبت بزلزال عنيف في مطلع القرن التاسع فتصدَّعت أكثر أبنيتها وانهار بعضها الآخر، ولكنها لا زالت محتفظة بالكثير من العناصر المعمارية التي تدل على مستوى عالٍ من العبقرية الفنية والهندسية التي توصل إليها المعمار السوري القديم ، من خلال تجاربه على مر الزمن ، كما تدل على عراقة العمارة المحلية في سورية وقوة ومعرفة فنانيها المعماريين وذوقهم الرفيع في إخراج الزخارف والنقوش .
ومن معالم الرصافة التي لازالت ماثلة سورها المنيع والجميل الذي يعتبر من أكثر مباني هذه المدينة حفظاً وإثارة لشعور الإعجاب، ويؤلف سورالمدينة الخارجي مستطيلاً طول ضلعه الشمالي 536 م والجنوبي 550 م وطول الضلع الشرقي 350 م والغربي 411 م فهذا السور الذي يحيط بأطلال المدينة كاحاطة السوار بالمعصم يمثل شكلاً شبه منحرف يبلغ طوله الكلي 1850 متراً ويبلغ سمك هذا السور نحو ثلاثة أمتار، وهو يتألف من طابقين بارتفاع يتجاوز العشرة أمتار .
وفي منتصف جدران السور أربعة أبواب رئيسية ومثل هذا العدد من الأبواب الثانوية قربها، ويعتبر الباب الشمالي أجمل أبواب المدينة وأكثرها حفاظاًعلى العناصر المعمارية لما يمتاز به من زخارف بديعة وأقواس رشيقة من الحجر المرمري اللماع ، ويحيط بالبوابة الشمالية برجان بارزان لكلٍ منهما شكل مستطيل ويتألف مدخل الباب الشمالي من باب كبير له ساكف مستقيم يتوسطه صليب منقوش تحيط به دائرة والى جانبه بابان صغيران على أقواسهما بقايا رسوم حمراء وسوداء، وتبدو الأعمدة الستة بتيجانها الكورنثية الطراز محيطة بهذه الأبواب الثلاثة وتقوم بدعم أقواسها الجميلة وتحت كل قوس فتحة يبدو أنها كانت مخصصة لصب المواد المغلية كالزيت على الأعداء المهاجمين والمحاصرين، وأول ما يُلاحظ الداخلُ إلى المدينة من هذه البوابة ( كنيسة المارتيريوم ) التي تعتبر من النماذج الأولى لفنون الكنائس الشرقية ، وما تزال أقسام كثيرة منها قائمة ولها ثلاثة محاريب أو حنايا زُينِّت أقواسُها بالزخارف المنحوتة العميقة، ويبلغ طول الكنيسة 42 متراً وعرضها 34 م وطول بهوها الأوسط 22 م في عرض عشرة أمتار، ويعتقد أن هذه الكنيسة كانت تحوي رفات القديسين (سيرجيوس وباخوس ) ومما يدل على ذلك العثور على بلاطة في المحراب الجانبي الشرقي يُعتقد أنها كانت على ضريح أحد القديسين ولعله القديس سرجيوس نفسه ، ولسوء الحظ لم يبق
الشيء الكثير من هذه الكنيسة اليوم فما نشاهده منها هو جزء من الحنية الوسط والزاويتين الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية، وإلى الجنوب تقوم (الكاتدرائية الكبرى ) وهي أضخم أبنية الرصافة المتبقية وأوقعها في النفس ولا تزال تحتفظ بأكثر أجزائها الأصلية ، ويتألف بناؤها من صحن رئيسي في الوسط ورواقين جانبيين تفصلهما عن بعضهما أقواس كبيرة نصف مستديرة ، ويبدو أن ضخامة هذه الأقواس تطلبت فيما بعد تجزئة ثقلها بجعل أقواس مزدوجة صغيرة تستند على أعمدة وردية تعلوها تيجان كورنثية ذات نطاقات، وعليها كتابات باسم القديس “سرجيوس” و” يعتقد أن الأعمدة التي أعُيد استعمالها في هذا المبنى في نحو القرن التاسع الميلادي كانت من مبنى كنيسة أخرى “( المصدر: كتاب الرصافة لؤلؤة بادية الشام، تأليف بشير زهدي، منشورات المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق 1984 ) وعلى تيجان أعمدة هذه الكنيسة كتابة يونانية كما تصدَّرت الواجهة الرئيسة لهذه الكنيسة لوحة تأسيسية باليونانية وهي تقول: ( إبراهيم برحمة الله أسقف سيرجيوبوليس شيِّدها إكراماً للصليب المقدس لكي يصبح مستحقاً رحمة الله . الإنذيقتي السابع في أيار عام 870 ) وقد عُثر أثناء حفريات البعثة الألمانية التي جرت عامي 1954 و 1956 على تابوت بين عضادتين في الكنيسة وفيه بقايا قديس يُعتقد أنها للقديس باخوس رفيق القديس سرجيوس .
صهاريج المياه ..
في الزاوية الجنوبية الغربية من سور الرصافة تقوم منشآت صهاريج أربعة جبارة معقودة السقوف ما تزال بحالة سليمة تدعو للإعجاب وتوحي بصلاحيتها للاستخدام لولا تهدم أقسام صغيرة من سقوفها، وكانت هذه الصهاريج من لزوميات الحياة الطبيعية في البادية تزود القوافل بمياه الشرب وهذا أمر ناتج عن طبيعة الأرض التي تقوم عليها المدينة من حيث وجودها كمدينة وحيدة في بادية مقفرة ومفتقرة إلى الظل والماء حتى أن المدينة نفسها لا يوجد فيها نبع ماء، وللتدليل على ذلك نقرأ ما يكتبه ياقوت الحموي على لسان الأصمعي : ( الزوراء : رصافة هشام وفيها دير عجيب وعليها سور وليس عندها نهر ولا عين جارية ..إنما شربهم من صهاريج عندهم داخل السور) وثمة خزانان كبيران آخران خارج الأسوار أحدهما في الجهة الشمالية والثاني وهو الأضخم في الجهة الغربية وتوصل قناة مياه هذا الأخير إلى شبكة الأقنية الممددة تحت أرض المدينة داخل الأسوار لتدعم صهاريجها بمزيد من المياه وهذه الأقنية تعمل على مبدأ الصرف كما هو الحال في الأقنية المعروفة بالرومانية .
وإذا ترك الزائر المدينة من فتحة في الجنوب الشرقي من السور فإنه يلتقي ببقايا قصر أموي يُعتقد أنه قصر هشام بن عبد الملك على مسافة خمسين متراً من الكاتدرائية الكبرى ، والقصر مربع الشكل طول كل جانب منه قرابة ثمانين متراً ويحمي كل جانب برجان مستديران يرتكز كلٌ منهما على قاعدة مربعة والبناء مشيد من الآجر المجفف ، وتغطي جدرانه طبقة كلسية بيضاء وقد قامت بالكشف عنه بعثة ألمانية برئاسة ” اونو دورن” أواخر العام 1964وفيه باحة داخلية أما مدخل القصر فكان يقوم بين برجين مستديرين وهو يلفت النظر باتساعه غير المألوف البالغ 13 ،40 متراً وقد دُمِّر قصر هشام هذا كما دُمرِّت الكثير من المنشآت الأموية حينما استولى العباسيون على الحكم. وغير بعيد عن قصر هشام يقع قصر المنذر خارج السور الشمالي وهو ذا مسقط شبه مربع أبعاده 20× 17 وقد اختار المنذر بن الحارث لنفسه موقع ها القصر الذي بني بالحجر البللوري الجميل على طراز الكنائس ذات السطح،على شكل صليب إغريقي وتعلووسطه قبة كبيرة وأربع قبب صغيرة موزعة على زواياه وفي صدره حنِّية ومدخله يشبه ( النارتكس ) في الكنائس وهذا ما جعل العالِم الأميركي (هاورد بتلر) يظن أن المبنى عبارة عن كنيسة.



Social Links: