Yonadam Yonadam
قضية الهوية والطائفية ..
يأتي النزاع في سوريا وسط جدل ونقاش حول طبيعة الهوية السياسية في الشرق الأوسط. لقد أنعش العنف الطائفي في العراق بعد عام 2003 قضيتين متشابكتين طال النقاش حولهما: كيف تكونت الهويات الفرعية او الكيانات الثانوية الأخرى في بنية الدولة ولماذا يتم تحريكها عن طريق العنف. للإجابة عن السؤال الأول يرى الأكاديميون والمختصون في هذا الشأن ممن يقاربون الموضوع من وجهة نظر حداثية ومعاصرة والتي تجد ان الهويات السياسية اكانت على مستوى الوطن ام هي كيانات فرعية داخل الوطن فجميعها تعتبر “كيانات متخيلة” اي تقوم على روابط “متخيلة” يعطى لها معنى سياسي يحددها من قبل النخبة بالإضافة الى ما تقدمه التغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في الدولة الحديثة. غير ان العنف بين السنّة والشيعة في العراق وضع علامة استفهام حول هذا التفسير الحداثي او المقدمة التي تجد في الكيانات السياسية على انها كيانات متخيلة فلجأ بعض الأكاديميين الى تفسيرها انطلاقاً من فكرة الهوية “الأصلية” او “البدائية” والتي تعني ان السنّة والشيعة يتمسكون بأحقاد قديمة لم تتمكن الدولة العراقية “المزيفة” من القضاء عليها. ان اساطير العداء المتجذرة في التاريخ بين الشيعة والسنّة والمستمرة في التجدد ويعاد اختراعها لتتناقلها الأجيال مع مرور الزمن وتتحول الى ما يشبه الخلايا النائمة التي تبقى على أهبة الاستعداد لكي تستيقظ لتتلاءم مع الحاجات التي قد تبرز في المستقبل. البعض يرى في الطائفية على انها متجذرة في حقبة تنتمي الى ما قبل الحقبة المعاصرة باعتبارها هويات قديمة تنتظر من سيوقظها من سباتها وليست بنى او كيانات مستحدثة استخدم في بنائها احداث ماضية وقديمة لإسباغ الشرعية على نفسها وتحويلها الى هويات شرعية. ان التمعن في التاريخ السوري يكشف ان تسييس الهويات الطائفية ليس حدثاً جديداً فقد تم استغلاله من قبل النخب القيادية منذ مدة طويلة سبقت استلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريا عام 1970 وهذه كانت تطورات جديدة وليست مجرد كيانات او هويات قديمة نائمة على وشك النهوض من سباتها التاريخي. نعم ان الطائفية تم تشجيعها واحيائها عن عمد من قبل النخب القيادية لاستخدامها كأداة استراتيجية لفرض السلطة من قبل الحاكم وذلك منذ قامت الجماهير وشعوب المنطقة بالتحرك السياسي مع بداية القرن العشرين، غير ان ذلك رافقه محاولة ناجحة لتعزيز الشعور بالهوية الوطنية السورية التي كان يجري احاطتها بالإبهام والغموض عن قصد. ان فهم تلك التطورات والاحاطة بتلك الهويات او الكيانات وما نجم عنها من تفاعلات سيساعد على توضيح الطبيعة “شبه الطائفية” لنتائج النزاع في سوريا بعد عام 2011.
أما عن أسباب تأجيج الروابط الطائفية والعرقية وتحريكها عن طريق العنف فيرى أحد المختصين بتحليل الحروب والنزاعات العرقية ان الدول المتعددة عرقياً وطائفيا يكون الوضع فيها طبيعياً حين يسري فيها مبدأ التعايش غير ان توفر بعض العوامل على المدى القصير او البعيد يدفع هذا التعايش نحو حافة العنف ولا بد من وجود “الأحقاد القديمة” بين الجماعات او الأحقاد وعدم الثقة التي يجري تصورها على انها نشأ منذ قرون مديدة رغم انها في الواقع نشأت من تطورات حديثة. اما السبب الآخر فيكمن في وجود الصراع الاقتصادي بين الجماعات بحيث تلجأ الجماعة التي صعدت الى السلطة من الاستفادة القصوى والسريعة على حساب الجماعات الأخرى، والسبب الثالث يتعلق بقيام النخبة الحاكمة بالترويج والتشجيع للفصل والتقسيم على اساس طائفي وعرقي لتسهيل تحقيق طموحاتهم.
في سوريا قامت النخبة ومنذ البداية بتسييس الهويات والكيانات الفرعية في الدولة كالطوائف. ويمكن تقسيم هذه النخب التي تمارس التلاعب والمناورة الى ثلاثة فئات: الأولى وتتكون من النظام الحاكم نفسه، أكان هذا الحاكم هو السلطة العثمانية أو الانتداب الفرنسي، أم القادة السياسيين في خمسينيات القرن الماضي أو في الستينيات أم هم سلالة الأسد، والتي قامت بتسيس الروابط الفرعية القائمة في الدولة من أجل الحصول على المكاسب السياسية في المدى القصير. والثانية تتكون من النخب الفرعية على مستوى الوطن او الدولة، مثل قادة العشائر الذين تقبلوا التسييس الذي طبقه الفرنسيون على الطوائف في عشرينيات القرن الماضي لتوسيع نفوذهم كما فعل الاخوان المسلمون حين قاموا بتسييس الهوية السنّية اثناء صراعهم مع الأسد في سبعينيات القرن الماضي. وأخيراً هناك النخب الدولية او العالمية مثل دول كمصر او الأردن في سبعينيات القرن الماضي، او السعودية وقطر وتركيا في الحرب الأهلية حالياً، ام الكيانات الفاعلة التي ليس لها صفة دولة مثل وكالات الاعلام او الأطراف الجهادية التي استخدمت واستغلت الهويات والكيانات السورية للوصول الى غاياتها.
الطائفية وبناء الدولة السورية ..
لقد جرى تطوير الهوية الطائفية في سوريا بطريقة ديناميكية وبموازاة الهوية الوطنية. سوريا التي نعرفها اليوم لم تكن موجودة قبل عام 1920 وكذلك الأمر بالنسبة الى الهويات السياسية للأقليات. ومارست السلطة العثمانية أثناء الحكم الامبراطوري سياسة التمييز ضد اليهود والمسيحيين بينما عانى المسلمون من غير السنّة كالعلويين والدروز حالات من الاضطهاد مع ابقائهم في وضع يميزهم عن باقي الطوائف، ولم تكن الروابط التي تجمع تلك الأقليات قد تحولت الى كيانات سياسية، أي لم يكن قد جرى تسْييس تلك الطوائف والأقليات بعد، كما حصل مع حركات الشغب المعادية للمسيحيين في مدينة دمشق عام 1860، ويرى بعض من درس ذلك التاريخ ان من يقف وراء تلك الأحداث دوافع حديثة ومعاصرة ولا علاقة لها بحسابات تتعلق بأحقاد قديمة او بتصفية حسابات تاريخية بين الطوائف المتنازعة، فالسلطات العثمانية كانت ممتعضة من نجاحات المسيحيين الأخيرة في مجال التجارة. لقد بقيت السياسة داخل الإطار المحلي الضيق وحافظت القبيلة والطبقة والمنطقة على أهمية تعادل أهمية الطائفة او الدين.
ومع الانتداب الفرنسي ( 1946-1920) الذي حلّ محل الحكم العثماني تحولت سوريا ومعها الطوائف الى هويات وكيانات سياسية ، واعتنقت العديد من النخب في سوريا رؤى واحلام تتسم بالعظمة والهيبة وتلتهب بتصورات تتغنى بالقومية العربية او بطيف سوريا الكبيرة ، رغم ان أغلب طموحات هؤلاء النخب اقتصرت على نيل الاستقلال من فرنسا. ولكن الوجود الفرنسي والعنف الذي لازمه بالإضافة الى توسع العمران وانتشار التعليم زاد من تعاطف الجماهير مع تلك الأفكار للوهلة الأولى، لكن تفضيل المستعمر الفرنسي لسياسة “فرّق تسد “جعلهم يشجّعون ويؤكدون على الفوارق بين الطوائف الدينية ونجم عنها اقتطاع لبنان من سوريا ليحكم من قبل الطائفة المسيحية في عام 1920 وما بقي من سوريا تم تقسيمه ايضاً على اساس طائفي الى دولتين : واحدة (دولة علوية) والثانية (جبل الدروز) وجرى ايضاً تكوين دولة في منطقة دمشق وأخرى في منطقة حلب ، رغم ان التوزع الديمغرافي لم يتطابق حينها مع التصور الفرنسي ونجم عن ذلك تواجد جماعات سكانية كبيرة من المسيحيين والسنّة ضمن الدولة العلوية. بالإضافة الى هذا التقسيم الطبيعي قام الفرنسيون بتقسيم من نوع آخر يتطلب تودداً للعائلات البارزة ضمن الطائفة العلوية والدرزية والمسيحية والكردية وذلك لإضعاف الموقع الذي كان يحتله وجهاء السنّة. والمفارقة الغريبة هي ان (قانون الأحوال الشخصية الفرنسي) أوجد للمرة الأولى صيغة “سوري” كما برزت في نفس الوقت الصيغ التي تقول ب (الأغلبية) السنّية الى جانب تعبير (الأقليات). التقسيمات الجغرافية لم تدم طويلاً بعد توحيد دمشق وحلب عام 1925 وبعدها انضمت الدولة العلوية وجبل الدروز لتصبح جزئاً من الدولة السورية قبل الاستقلال عام 1946 ، غير ان الدولة المستقلة حديثاً لم تنعم بالاستقرار ، فبين عام 1946 وصعود حافظ الأسد الى السلطة عام 1970 جرت 8 انقلابات عسكرية ناجحة ومع ذلك فقد أصبحت السياسة الوطنية أكثر ثباتاً أخذت الأقليات تتبنى المواقف الأيديولوجية للأحزاب الشمولية وجرى التنافس في انتخابات برلمانية وطنية بناء على الخلفيات الأيديولوجية والمناطقية والشخصية للمرشحين المتنافسين وليس بناء على خلفيتهم الطائفية .
وقبل ان يجري حظر نشاط الأحزاب السياسية عام 1958 كانت الهوية الوطنية قد بدأت تتطور وتكتسب ملامحها كما حصل في العديد من الدول التي تجاوزت المرحلة الكولونياليه وحلّت الأحزاب القومية، كحزب البعث، محل أحزاب النخب التقليدية التي ظهرت في دمشق، غير انه برز أيضاً بعد المرحلة الكولونياليه توجه آخر قادته القوة العسكرية المسيّسة للجيش والتي وجدت في الانقلابات العسكرية طريقاً لاستلام السلطة أسرع بكثير من اللجوء الى صناديق الاقتراع .
مع ذلك فقد ظلت الهوية السياسية للطائفة تلعب دوراً في القضايا السياسية واستمرت المكونات الفرعية للدولة وارتباطاتها الخاصة بالطائفة والقبيلة والمنطقة تفعل فعلها بنشاط، كما دخلت الأقليات في تركيب الجيش وباتت تمثل نسبة أكبر بكثير من حجمها وتعدادها، وذلك نتيجة لقيام السلطات الاستعمارية الفرنسية بتوسيع حملات التجنيد الإجباري وما كان يقابلها من ترفع وازدراء من قبل السنّة للمهن العسكرية، في حين كان الانخراط في الجيش يوفر للأقليات الفقيرة موقعاً اجتماعياً متقدماً. وذلك يعني ان الأقليات ساهمت بدور قيادي في الحركات الانقلابية، وقد احتل العلويون بشكل خاص مكانا هاما داخل حزب البعث وانقلابات أعوام 1963 ، 1966، 1970، وكما يذكر الباحث في الشأن السوري (نيكولاس فان دام) فان التنافس الطائفي كان احد الأسباب التي أدت الى حصول الانشقاقات في سياسة البعث بما في ذلك التنافس بين جماعات الأقليات وبين السنّة، بين العلويين في مواجهة الدروز، وبين الفئات العلوية المتنافسة والمنقسمة على اساس القبيلة او المنطقة او الولاءات الشخصية. وصحيح ان القياديين العلويين في حزب البعث من أمثال (صلاح جديد) و (حافظ الأسد) استخدموا شبكات الصلات المبنية على اساس الطائفة غير انهم كانوا مجرد انتهازيين وليس لكونهم شوفينيين طائفياً. وبغض النظر عن الدوافع فان التحول الذي أصاب الأقليات عن طريق وصول البعث الى السلطة وانتقالهم من الموقع الهامشي الى قادة سوريا وذلك حين برز التخوف من الطائفية. فالجهات المنافسة للبعث اتهمت الحزب بكونه “طائفي” بل ان بعض الفئات البعثية اتهمت اتهمت فئات بعثية أخرى. ورغم ان توجهاً لوعي وطني كان قد بدأ يتطور، لكنه تفاعل مع وجود هوية طائفية مسيّسة .
يتبع ..

Social Links: