Yonadam Yonadam
الطائفة والدولة تحت حكم حافظ الأسد ..
بعد ان اطاح حافظ الأسد بصلاح جديد في تشرين الثاني من عام 1970 جرى توسيع حجم الطائفة العلوية الموجودة داخل الجيش مع ازدياد نفوذ النظام فألحقت به وحدات النخبة كالحرس الجمهوري الذي هيمن عليه الوجود العلوي، مع انه لم يكن يوجد هيكل رسمي لمثل هذا التوزيع كما هو الحال في لبنان.
لقد نصّ دستور البعث على عدم أهمية الاختلافات الطائفية، لأنها ستتلاشى وتختفي مع الزمن، واحتفظ الأسد
بغطاء القومية العربية السورية فتم تسليم مناصب هامة داخل الحكومة المدنية الى حلفائه من السنّة من أمثال مصطفى طلاس (وزير دفاع 2004-1972) وعبد الحليم خدام (وزير خارجية 1984-1970 ونائب رئيس الجمهورية 2005-1984) اما الأعداء فقد وصفوا الوضع على انه “نظام علوي” فالأسد أقام نظام يقوده ويحركه أفراد من عائلته وافراد من عشيرته. وتمتع عدد محدود من افراد الطائفة بالمزايا الاقتصادية بفضل المحسوبية والمحاباة بينما ظل أغلب أبناء الطائفة بعيدون عن نيل اي فائدة تذكر، كما استمر النظام في الاعتماد على الطائفة السنّية ولاسيما الفلاحين منهم، وان كان قد سيطر التصور بان الطائفة العلوية مرتبطة بالسياسة أكثر من أي وقت مضى. مع ان حافظ الأسد نشط في الترويج لهوية وطنية عبر الحوار وعن طريق مؤسسات الدولة وكذلك بالارتباط مع عبادة شخصيته. غير ان الهوية الوطنية هذه تم وضع مواصفاتها بشكل مبهم عن عمد، فأبرزت جوانب مختلفة من ثقافة وتاريخ سوريا حسب الأولويات المتغيرة مثل: القومية العربية في مواجهة اسرائيل، ثم هوية سورية الكبرى لتبرير التدخل العسكري في لبنان وكذلك موضوع الإسلام بعد فشل انتفاضة الإخوان المسلمين .
لقد سمح النظام بالاستمرار في ممارسة الطائفية بل قام بتشجيعها، فقانون الأحوال الشخصية الفرنسي الذي تمت اعادة صياغته عام 1953 جرى الاحتفاظ به ليسمح بالتالي بالاستمرار في عملية التصنيف القانوني على أساس الاصول الدينية. ورغم المحاولات التي جرت عام 1973 لإلغاء المادة 3 من الدستور السوري التي تنص على ان يكون دين رئيس الجمهورية هو الاسلام، ولكن جرى الاحتفاظ بها استجابة لإصرار المؤسسة السنية، كما تم المحافظة على المحاكم العشائرية الخاصة بالبدو والدروز، ثم تمت معاقبة الأكراد واستثنائهم من المشروع الوطني بإنكار حقوقهم الثقافية.
ان العلاقة بين الطائفتين السنّية والعلوية في سوريا تختلف تماما عن العراق أثناء حكم صدام حسين حيث جرى اضطهاد ثقافة الأغلبية الشيعية من قبل الأقلية السنية بينما جعل حافظ الأسد الأولوية لديانة الطائفة السنية، وعوضاً عن الهيمنة وجد ان الوقت قد حان لدمج الطائفة العلوية التي عاشت لفترة طويلة معزولة من قبل السنة. وبعد الاحتفاظ بالمادة 3 في الدستور أعلن القائد الشيعي موسى الصدر ان الطائفة العلوية تعتبر من الشيعة (الاثنا عشرية) وبالتالي فهم من المسلمين مما يتيح لحافظ الأسد ان يصبح رئيساً للبلاد. وحالما برزت النخبة العلوية الجديدة طالبت الطائفة بالتقليل من أهمية الفوارق الثقافية، وهكذا جرى تعليم المنهاج الاسلامي السنّي داخل المدارس مما خلق احساساً بتفوق الطائفة السنية مقابل الطوائف الأخرى لدى بعض الأوساط والتي تتيح لبعض الطامحين من الأقليات استغلالها وعلى رأسهم (الطليعة المقاتلة) الجناح المتطرف في حركة الاخوان المسلمين الذي اندفع في اتجاه يهدف الى نزع القناع عن طائفية النظام عن طريق التحدي والاثارة، فبدأت منذ عام 1976 بنشر الدعوات الطائفية واغتيال شخصيات علوية وتشجيع كتابات (ابن تيمية) وقد تلاءم مثل هذا النشاط مع شريحة من الطائفة السنّية وخاصة في مدينة حماة وكذلك لدى الأوساط المحافظة في مدينة حلب ، ولاسيما لدى النخبة التي جرت ازاحتها من قبل البعث، بالإضافة الى ان هذه المواقف والتحولات دفعت بعض العلويين الى زيادة التشدد والتعصب الطائفي فشارك بعضهم في قيادة الحملات الدموية ضد الاخوان المسلمين والتي وصلت الى ذروتها في مجزرة مدينة حماة عام 1982 .
ثم شنّ الرئيس المصري حملة طائفية عبر راديو القاهرة التي كانت تصل الى مسامع السكان في سوريا، كما ركّز الملك حسين من الأردن على الطبيعة العلوية للنظام السوري.
كانت سنوات حكم حافظ الأسد مثيرة للجدل فتم صرف الطائفة من الناحية الرسمية وان كانت متضمنة ومشمولة عند تشجيع القومية العربية السورية، وبإعادة انتاج الطائفة كهوية سياسية ، ولم تؤدي هذه الكيانات الطائفية المشحونة الى حرب أهلية في 1982 رغم الرد الوحشي من قبل النظام لأن موقف معظم السنّة لم يكن مؤيداً للإخوان المسلمين، اذ ساند تجار دمشق الأسد وبشكل علني محمولاً على الأكتاف ومباشرة بعد أحداث مدينة حماة. لقد تشابكت حينها مصالح ما يكفي من السوريين مع النظام الذي وفر لهم غطاء ملائم من البلاغة والدعاية القومية الشمولية، ولم تسمح الأوضاع بالتحرك ضمن اصطفافات طائفية.
الطائفية في فترة حكم بشار الأسد
توقع البعض ان يخفف بشار الأسد بعد وفاة والده ومن ثم صعوده الى السلطة عام 2000 من التحيز والمحسوبية خاصة انه وشقيقه ماهر تزوجا من عائلات سنّية، كما انه قام بخطب ودّ المراكز السنّية التي طفحت بالغضب، وانصب تودده في مدينة حلب على التجار والقادة السنّيين، غير انه مع مرور ذلك العقد من الزمن تفاقم ركام من التحولات الاقتصادية والسياسية المتشابكة والتي قادت نحو اندلاع الانتفاضات في عام 2011 وزادت من حدة الاحتقان الطائفي.
من الناحية السياسية لجأ الأسد في سبيل تقوية مركزه الداخلي الى ازاحة العديد من المساندين والمحيطين بوالده. فقام في عام 2005 بتهميش اتباع والده القدماء من السنّة أمثال عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس وذلك لصالح أفراد من عائلته فشددّ بذلك من تحكّم النخبة العلوية بمقدرات السلطة. أما من الناحية الاقتصادية فقام بإصلاحات اقتصادية رئيسية نتيجة لزيادة معدل النمو السكاني بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير الاعمال في نفس الوقت الذي تهاوى فيه الاحتياطي النفطي. لقد كان والده حافظ ، منذ التسعينيات، قد تخلى عن الاشتراكية لصالح تحرر رأسمالي محدود ليأتي ابنه بشار ويبدأ في تعجيل هذه العملية .
لقد أثبتت سنة 2005 على انها عام حاسم ونقطة تحول، فبعد اتهامه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، فقد النظام سلطانه على لبنان الذي كان مصدراً كبيراً لزيادة دخله من جراء عمليات السوق السوداء ومواجهاً عقوبات مالية من قبل الولايات المتحدة، وكان ردّ النظام اعلانه عن الخطة الخمسية العاشرة لخلق سوق اشتراكية للاقتصاد مما جذب استثمارات في المدى القصير ولكن بتكلفة عالية في المدى البعيد. لأنه أولاً تم تسليم معظم الفرص الاقتصادية الجديدة الى نخبة النظام، مثل رامي مخلوف، ابن عم الرئيس. ان هذه النخبة الجديدة التي ضمت بعض السنّة والمسيحيين والتي طغى عليها العلويون لم تعد تخفي ثرواتها فأصبحت رمزاً لتجاوز الحدود في اسراف السلطة، في نفس الوقت قامت (الاصلاحات الاشتراكية) باقتطاع مساعدات اساسية عن المواطنين العاديين، أغلبهم من الفلاحين السنّة، والذين عانوا في تلك الفترة
( 2010-2006 ) من الجفاف ومن الادارة السيئة والفاسدة، وعلى هؤلاء ان يعيشوا دون ان تصل اليهم المعونات الأساسية المخصصة للوقود والسماد. ولقد قادت هذه الأوضاع الى نزوح جماعي كبير باتجاه المدن وصل الى 300,000 من الشمال الشرقي فقط حسب تقديرات الأمم المتحدة وساهم في تكوين تلك الأحياء الفقيرة حول المدن، بينما تدهورت أوضاع طبقة الفلاحين السنة والتي كانت بمثابة العمود الفقري لدعم البعث فأصابها الفقر والغضب اليوم، وربما قاد هذا التحول الى إشعال التوتر السنّي-الشيعي اللاحق. ولقد اتهمت بعض أوساط السنّة النظام بتقديمه المساعدات للمناطق العلوية لإنقاذها من الجفاف بينما أهمل المناطق الأخرى، ففي حمص التي شهدت عنفاً طائفياً حاداً أثناء الحرب الأهلية جرى كان قد جرى منح الطائفة العلوية التي وفدت الى المدينة امتيازات اقتصادية ونفوذاً واسعاً أثار استياء الطائفة السنّية والمسيحية التي كانت تقطن المدينة. ومع انه في عام 2011 قامت داخل المدن ذات الأغلبية السنية احتجاجات تستهدف النخبة الفاسدة وخاصة (رامي مخلوف) ولم تكن موجهة نحو الطائفة العلوية عموماً مما يدل على ان همومهم منصبة على الشأن الاقتصادي والسياسي وليس على ما هو طائفي. لقد فاقم التوتر الطائفي انحسار القاعدة السياسية لنظام بشار الأسد وما رافقها من ازدياد ثروات الشخصيات العلوية الموجودة او المقربة من السلطة.
لقد أثّرت الاصلاحات الاقتصادية على البنية الاجتماعية في سوريا وأدت الى تخفيض في ميزانيات الدولة التي تخص نقابات العمال والفلاحين بما فيها مؤسسات حزب البعث وأضعف هذا امكانيات النظام المتعلقة بمنظومة اتصالاته مع انصاره وقدراته على اختراق أحياء المدن والقرى، ثم جرى تخفيض ميزانية الجيش وتقصير مدة الخدمة العسكرية واعطيت بعض الخدمات لمتعهدين او لمنظمات غير حكومية. أي ان النظام كان يقلص خدماته الاجتماعية ، وبينما قامت الزعامات الحزبية والنقابية بالتوسط لحل الخلافات المحلية في السابق حلّ محل هؤلاء تدريجياً زعماء العشائر والقادة من الطوائف أو الشخصيات الدينية، وبشكل تدريجي أخذ يتآكل أيضاً العقد الذي وضعه حافظ الأسد بين النظام والمجتمع.
ازداد دور المنظمات الخيرية الدينية في ادارة البرامج الخيرية المخصصة لمساعدة الفقراء القادمون من الأرياف، رغم ان الموقف المتوقع والمفترض لبشار الأسد هو الموقف العلماني الا انه أخذ يسمح بتوسيع وزيادة التوجه نحو التيار المحافظ في المجتمع ولكن البعيد عن السياسة وتضمنت عبادة شخصيته شعارات دينية مثل: “سوريا: الله حاميها، والأسد راعيها!” بالإضافة الى الشعارات السورية العلمانية وشعارات القومية العربية، كما عادت الى الظهور اتجاهات دينية محافظة تم منعها من قبل حافظ الأسد مثل (حركة زياد) ولا يوجد دليل على ان هذه الحركة كانت تدعو الى الطائفية بل ان العديد من هذه الجماعات وقف الى جانب النظام مع بداية الانتفاضة، غير ان نمو الجماعات الخاصة التي لم تكن تتبع الدولة وتحدد نفسها من منطلق ديني او طائفي ساهم بشكل غير مباشر في زيادة التوتر الطائفي. كما ان انهيار مؤسسات الدولة في العراق ونمو المشاريع الخدمية القائمة على اساس طائفي هناك اثناء فرض العقوبات الدولية فتح المحال امام
اصحاب المشاريع الخاصة من أبناء الطوائف لتحويل علاقاتهم مع الطائفة الى علاقات سياسية مع انهيار الدولة عام 2003 ويفسر هذا التحول البنيوي في علاقة الدولة بالمجتمع لصالح تقوية علاقة الطائفة بالمجتمع اسباب نجاح اصحاب المشاريع الخاصة بعد عام 2011.
لقد ساهمت الأوضاع الخارجية ولاسيما الحرب الأهلية في العراق في زيادة حدة التوتر داخل سوريا، فلجأ اعلام النظام الى استغلال الفوضى هناك ونشر الخوف حول الطائفية في نفس الوقت الذي قدّم نفسه على ان النظام هو من سيوفر الحماية، في حين كان الأسد مصمماً على اضعاف الولايات المتحدة في العراق وفي سبيل انجاز هذا الهدف قام بتسهيل انتقال الجهاديين السنّة الى خطوط المواجهة داخل العراق. كما ان الحرب في العراق شجعت الأكراد داخل سوريا على تشديد المطالبة بالاستقلال الذاتي، وقد شنّ النظام هجوماً واسعاً على أعمال الشغب المرتبطة بإحدى مباريات كرة القدم الكردية في مدينة القامشلي عام 2004 نجم عنه مقتل 15 وجرح اكثر من 100 شخص ومرسلاً بهذا رسالة الى القوميين الأكراد، كما انه قام بشحن التوتر القائم بين الأكراد والعرب الذين كانوا يساعدون النظام. لقد استغلت النخب الخارجية الطائفية التي هيمنت في العراق وقد ساهم سقوط صدام في ارتفاع حدة التوتر بين السعودية وإيران، وكلما ازداد النفوذ الايراني في العراق كانت مساعي السعودية تتوجه نحو تقويض جهود إيران لإحراز الدور القيادي في المنطقة بالتأكيد على السمة الشيعية لنفوذها. وكان الملك الأردني عبد الله الثاني قد حذّر من مخطط (الهلال الشيعي) عبر المنطقة، في نفس الوقت الذي شرعت فيه القنوات التلفزيونية التي تملكها السعودية وبقية دول الخليج بتقديم عروض تهيمن عليها اللغة الطائفية، من ضمنها الهجمات التي اطلقها يوسف القرضاوي من قناة الجزيرة ضد نشاطات التشييع التي تمارسها ايران .
يتبع ..

Social Links: