عبد السلام أديب
أما التفسير الماركسي اللينيني للأزمة عموما والموجودة في صلب كتابات كارل ماركس وخلاصته في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي لسنة 1959 كما تم تأكيد هذا التفسير وتطويره مع انطلاق مرحلة الامبريالية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فلادمير اليتش لينين خاصة في كتابه الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية.
يؤكد كارل ماركس في مقدمة كتابه نقد الاقتصاد السياسي على ما يلي: “عند درجة معينة من تطورها، تدخل قوى الانتاج المادية للمجتمع في تناقض مع علاقات الانتاج الموجودة، أو مع علاقات الملكية التي تطورت في اطارها الى ذلك الحين، والتي ليست سوى تعبيرها القانوني. وعلى أساس أشكال تطور قوى الانتاج، فإن هذه العلاقات تضع العراقيل أمامها. وهنا تنفتح حقبة من الثورة الاجتماعية”
فالتفسير الماركسي للأزمة يقوم على التناقض الذي يحدث عند بلوغ النظام الرأسمالي مرحلة من التناقض الحاد، من جهة، بين قوى الانتاج التي تتملكها البرجوازية المهيمنة والتي تعرف تقدما هائلا بشكل متواصل، ومن جهة أخرى، علاقات الانتاج التي تقوم بين رب العمل والعامل المتخلفة جدا نتيجة التقاطب بين الثراء الفاحش للبرجوازية المهيمنة والفقر الواسع للطبقة العاملة حيث الاستغلال المفرط للعمال وانتاج جيش احتياطي للعمل لتحقيق تقليص كبير في الأجور.
فالعامل يشتغل نصف يوم لضمان أجره ويشتغل نصف يوم آخر يستحوذ عليه البرجوازي وهو ما يسميه كارل ماركس بفائض القيمة. لكن الرأسمالي يريد أن يتخلص من عدد كبير من العمال فيحاول امتلاك الآلات والتكنولوجيات لتحقيق هذا التقليص، لكن المفارقة هنا هو أن الربح لا يتحقق الا عن طريق فائض القيمة الذي يقتطع من العمل الحي أي العمال بينما العمل الميت أي الآلات فلا تنتج أرباحا، وبذلك يتضاءل الربح الرأسمالي على المدى الطويل.
فالرأسمالي ينتج كميات هائلة من السلع ليطرحها في السوق لتعظيم أرباحه، الا أن الاقبال على شراء هذه السلع يتناقص نظرا لانخفاض الأجور وتجميدها، ومع انخفاض الأرباح يضطر الرأسمالي الى التوقف عن الانتاج وتسريح العمال أو الى اقفال المعمل، وفي هذه الحالة تدخل البلاد الرأسمالية في حالة أزمة.
في القرن التاسع عشر كانت البرجوازية، عندما تحدث الأزمة، تبدأ في البحث عن الحلول ومن بين هذه الحلول تصدير فائض الإنتاج الى الخارج، وبذلك ظهرت مرحلة الامبريالية المتسمة بامتلاك مستعمرات لتصدير السلع الفائضة وللحصول على يد عاملة رخيصة وأيضا على مواد أولية وحيث شكل الاستعمار مجالا حيويا ضروريا للرأسمال.
لكن مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتمكن الامبرياليات الأوروبية من استعمار وتقسيم العالم بكامله بينها، تطورت طبيعة الأزمة والتي عبر عنها فلادمير اليتش لينين في كتابه الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية بدقة متناهية. فأمام انتاج السلع على الصعيد العالمي واحتداد التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج يتفاقم فائض الانتاج غير المباع كما يتفاقم فائض رؤوس الأموال غير المستثمر، الشيء الذي يدفع كل امبريالية على حدة للبحث عن كيفية معالجة أزمتها على حساب الامبرياليات الأخرى، فنشبت نتيجة لذلك الحرب العالمية الأولى التي ذهبت بأرواح 24 مليون بروليتاري، لكن رغم هذه الحرب الأولى لم يحدث الانتعاش الاقتصادي المنشود، بل تفاقمت الأزمة وانفجرت الازمة الاقتصادية العالمية الكبرى لسنة 1929 مخلفة الملايين من العاطلين وناشرة المجاعة على الصعيد العالمي.
ولمعالجة هذه الأزمة الكبرى تمكنت البرجوازية مرة أخرى من تفجير حرب عالمية ثانية ذهبت بأرواح حوالي 64 مليون نسمة من الكادحين، وقد شكل اعادة بناء أوروبا المدمرة عن طريق تدخل واسع للدولة في الاقتصاد انتعاش اقتصادي دام سبعة عشرة سنة أي حتى سنة 1967 حيث بدأت بوادر الأزمة من جديد وتعمق فائض الانتاج وفائض رؤوس الأموال غير المستثمرة والذي أحدث تضخما وبطالة واسعة في نفس الوقت.
ورغم الانقلاب على الكينيزية التي انقدت بها الرأسمالية مؤقتا عبر تدابير تدخل الدولة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والى غاية أواسط السبعينات من القرن العشرين ومن تم العودة الى الليبرالية الاقتصادية مع ريغان وتاتشر تحت تسمية النيوليبرالية إلا أن الأزمة ظلت تتعمق أكثر فأكثر عقب كل عشر سنوات تم عقب كل خمس سنوات.
خلاصة التفسير الماركسي للأزمة هي أن هذه الأخيرة تشكل ظاهرة بنيوية تؤدي البروليتاريا على الخصوص فاتورتها بل تؤدي البشرية ثمنا غاليا من خلال الحروب والفقر والمجاعات وتدمير البيئة وهذا ما يطرح على التنظيمات البروليتارية عالميا مسؤولية السعي الى اسقاط النظام الرأسمالي واستبداله بنظام اشتراكي انساني يضع الانسان في صلب العملية الانتاجية.
امام انهيارات الأبناك والشركات وتوقف الانتاج العالمي سارعت الدول الصناعية الأكثر تقدما الى دعوة ما سمته بمجموعة العشرين للاجتماع أولا في نيويورك في 15 نونبر 2008 ثم ثانيا في 20 أبريل 2009 ثم ثالثا في بترسبورغ في 24 شتنبر 2009. وقد ثمنت هذه القمة الاجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة عقب انهيار بنك ليمان برادرز وذلك عبر دعوة الكونكرس للموافقة على ضخ 700 مليار دولار في خزانات الأبناك والشركات المنهارة.
وقد اتفقت مجموعة العشرين على تعميم هذا الاجراء على جميع الدول حتى تتدخل بواسطة ميزانياتها العامة لإنقاد المؤسسات الاقتصادية والبنكية من الانهيار.
لكن ماذا يعني مطالبة الدولة بالتدخل لإنقاد الشركات والأبناك المتسببة في الأزمة، في حين أن الأسس الفكرية للنيو ليبرالية هو عدم تدخل الدولة لأن قوانين السوق كفيلة باستعادة التوازن المختل؟
– أول استنتاج يتمثل في وهمية المبادئ التي تدافع عنها النيوليبرالية وأن اليد الخفية التي تعيد التوازن ما هي في الواقع سوى جهاز الدولة، وأن الدولة هي الأداة الطبقية التي يعتمد عليها رأس المال لتعميق استغلاله للطبقة العاملة؛
– الاستنتاج الثاني هو أن تدخل الدولة لانقاد الشركات والأبناك بواسطة ميزانياتها العامة التي تمولها الجماهير الكادحة بواسطة الضرائب، سيؤدي حتما الى تفاقم عجز الميزانية وتفاقم المديونيتين الداخلية والخارجية؛
– الاستنتاج الثالث هو أنه عند حصول العجز وتفاقم المديونية تسابق السياسيون من أجل فرض مخططات تقشفية تكون على حساب الطبقة العاملة التي تتفاقم وضعيتها الاجتماعية نتيجة العطالة وتجميد الأجور وغلاء الأسعار وغياب التعليم وغياب التمدرس.
وعلى نفس منوال تدبير الأزمة عالميا لجأ التحالف الطبقي الحاكم في المغرب الى التدابير التالية لتدبير الأزمة محليا:
اجتمعت الحكومة والباطرونا في 24 فبراير 2009 للنظر في الترتيبات الكفيلة بمواجهة الأزمة، وقد أفضى الاجتماع الى:
1 – الاتفاق على تدخل الدولة بواسطة الميزانية العامة لدعم مالي لعدد من القطاعات المتضررة وقد رصدت لهذا الدعم حوالي 13,5 مليار درهم، كما واصلت الحكومة هذا الدعم عبر ميزانية 2010 من خلال اعفاءات ضريبية واعفاءات من أداء الواجبات الاجتماعية للعمال كحصة المشغل من اقتطاع التقاعد؛
2 – كما وافقت الحكومة على امكانية الشركات المتضررة القيام بتسريحات للعمال في حدود 5 في المائة وقد عمدت عدد من الشركات المتضررة وغير المتضررة من الأزمة الى تسريح العاملات والعمال تحت حماية الدولة، ويمكن اعتبار تسريح 850 عاملا في شركة سيميسي ريجي بخريبكة داخلا في هذا الإطار؛
3 – تمكين الشركات من تقليص الحد الأدنى للأجور الى غاية 1200,00 درهم.
انعكاسات سياسات تدبير الأزمة ..
شكلت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية 2008 – 2014، الأزمة الأكثر عمقا وطولا وتعقيدا منذ ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي. ولمواجهة هذه الأزمة تم اللجوء الى توحيد سياسات تدبير الأزمة على أساس ما تمت تسويته بمجموعة العشرين المشار اليها للايحاء بأن شعوب هذه البلدان التي تشكل ثلثي ساكنة الكوكب منخرطة وتثمن نفس السياسات، بينما الواقع يؤكد انها سياسات الأقليات البرجوازية المهيمنة بدون شريك ولفائدة الرأسمال المالي العالمي الذي تقوده ال 500 شركة احتكارية الأولى على الصعيد العالمي.
وتتضمن خطط تدبير الازمة حدا أدنى من الإجراءات الموجهة أساسا ضد إمكانية تثوير الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الواسعة، والتي سنرى ارهاصاتها الأولى عقب احراق البوعزيزي لذاته في سيدي بوزيد بتونس تجلت في ثورة شعبية اسقطت الديكتاتور زين العابدين بنعلي ثم الثورة الجماهيرية التي اسقطت الدكتاتور حسني مبارك في مصر، قبل ان تتدخل قوى الثورة المضادة لاحتواء الثورتين من خلال الإسلام السياسي وبإدارة مباشرة من طرف الامبرياليات القديمة والجديدة.
وقد استغلت الامبرياليات الحراك الجماهيري المتعطش للتحرر لاصطناع ثورات مفبركة من خلال اختراقها للإسلام السياسي ودعم من طرف القوى الامبريالية الخليجية الصاعدة مثل العربية السعودية والكويت وقطر والامارات العربية المتحدة وتركيا، فاستطاعت اسقاط النظام الليبي واغتيال القذافي وأيضا تخريب سوريا عبر تسليح قوى الإسلام السياسي المختلفة.
كما ارتكزت سياسات تدبير الازمة على الخصوص على استنزاف الميزانيات العمومية وتحويل مضمونها القيمي من خدمة اهداف اقتصادية واجتماعية برجوازية لكنها ترعى بالدرجة الأولى الخدمات العمومية والتوازن الاجتماعي في ظل هيمنة ديكتاتورية السوق إلى مجرد اسفنجة لامتصاص الادخار والضرائب والمديونية مع تقليص النفقات العمومية الاجتماعية الى أدنى درجة ومن تم إعادة ضخها في حسابات الشركات والابناك وكامتيازات للتحالفات الطبقية البرجوازية الحاكمة. وعبر هاته الآلية تمكنت الامبرياليات من القاء تبعات ازمات اقتصاداتها على كاهل الميزانيات العمومية لمختلف الدول الأمة.
ونتيجة لهذا التوجه في سياسات تدبير الازمة تفاقمت مديونية الميزانيات العمومية وبدأ خطر الإفلاس العمومي يقود نحو تفكيك تدريجي للقطاع الاجتماعي العمومي، وقد عاش المغاربة مرحلتين من سياسات تذبير الأزمة، وهما مرحلة حكومة عباس الفاسي والتي بدأت بتجميد الاستثمار العمومي والاعتمادات العمومية ذات الطابع الاجتماعي وتحويل الادخار المنبثق عنها نحو دعم القطاع الخاص خاصة منه القطاعات المتأثرة بالازمة. ثم بعد ذلك جاءت مرحلة سياسات تدبير الازمة من طرف حكومة بنكيران الأولى والثانية خلال الخمسة سنوات الأخيرة. وهي السياسات التي استهدفت القلب الكامل لمبادئ الميزانية العامة البرجوازية طبعا، من خدمة الأهداف الاقتصادية والاجتماعية بخلفية المحافظة على التوازن الاقتصادي والاجتماعي الى ميزانية مجردة تماما من هذه القيم الأخلاقية البرجوازية وتحويلها لصندوق يدعم بشكل مكشوف الرأسمال المهيمن مقابل اعدام نهائي لكل حس اجتماعي للميزانية العامة، حيث تم اعدام صندوق المقاصة الذي كان يحافظ على توازن الأسعار نسبيا وعلى القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الطبقات الشعبية المسحوقة، كما تم تخريب نظام التقاعد بهدف نهب جيوب الشغيلة بمعدلات أعلى وتقليص عائدات المتقاعدين عند احالتهم على التقاعد. كما تم افلاس كامل ونهائي للتعليم والصحة العموميين في افق خوصصتهما.
نفس هذه السياسات نراها تتبع بمستويات تزيد أو تنقص في مختلف الدول ومن بينها بلدان الاتحاد الأوروبي، فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك المركزي الأوروبي يحملون بشكل متواصل جماهير البلدان الأوروبية بتبعات جديدة خوفا من افلاس الميزانيات العمومية نتيجة تفاقم مديونيتها وذلك عبر تبخيس الادخار، وتقليص التقاعد، والأجور، ومختلف المكتسبات الاجتماعية.
يتبع ..

Social Links: