المفاوضات والمشاورات التي جرت حتى الآن ، وعلى امتداد السنوات الماضية ، بشأن التوصل الى حل للمسألة السورية سواء في جنيف أو موسكو أو الآستانة أو في غيرها من المدن ، كانت وربما لا تزال من وجهة نظرنا تدور في حلقة مفرغة لأن هذه المحادثات ضمن ما وصلت اليه الأزمة السورية من تعقيدات ، وما اصبحت تمثله من أخطار كيانية على وطننا ، وتهديد للامن والاستقرار على صعيد المنطقة والعالم ،وضمن تعدد العناصر والأطراف الدولية والإقليمية ذات التأثير فيها ، لم يتوفر لها حتى الْيَوْمَ الإطار الصحيح من حيث وجود القوى المعبرة حقا عن إرادة الشعب السوري ، كما لم يتوفر لها الى الآن المنهج السليم ولا برنامج العمل الذي يحدد ،بكل وضوح وإجماع في الموقف ، طبيعة المهمات المرحلية والانتقالية من اجل إنقاذ وطننا وتحقيق تطلعات شعبنا .
قد يرى البعض في تقييمنا لهذا الوضع موقفا تنظيريا بعيدا كل البعد عن ادراك واستيعاب معطيات الواقع وتشابكاتها في هذه المرحلة التي بلغتها المسألة السورية ، وبالتالي قد يرى فيه موقفا لا يمكن من التعامل مع تلك المعطيات بما يساعد على السير في طريق الحل المطلوب . لكن ما جرى خلال السنوات الماضية وما يجري حتى الآن من تطورات ميدانية وسياسية بشأن القضية الوطنية السورية إنما يواجهنا ، نحن السوريين دوما ، بالسؤال المركزي الأهم وهو اذاكانت الجهود الدولية وجهود المعارضات السورية تتواصل في الاتجاه الصحيح فلماذا إذن وطوال السنوات الماضية وحتى الْيَوْمَ كانت هذه هي الحصيلة ، التي تتجلى بتسارع تدهور الأوضاع في سورية في كافة المجالات بحيث أضحى مصيرها ومستقبلها كدولة ومجتمع أمام مفترق طرق . ولماذا لم تنجح حتى الآن وعلى سبيل المثال كل المبادرات التي اتخذت في إنجاز المهمة الأولى ، التي ينبغي ان تتقدم على غيرها من المهمات ، ألا وهي الوقف التام للأعمال القتالية فوق الجغرافية السورية وعزل المنظمات الإرهابية وتوحيد كل الجهود لوضع حد لها ، بعيدا عن ربط هذه المهمة الوطنية والإنسانية او التهرب من مواجهتها المباشرة بأية شروط اوالتزامات أخرى .
في إطار هذا السؤال الأساس ، وفي سياق تعثر وإخفاق عملية التفاوض بين سلطة الاستبداد من جهة وتشكيلات المعارضات السورية بإشراف الامم المتحدة من جهة ثانية لتنفيذ خطوات الحل السياسي الوطني وفقا لقرارات الشرعية الدولية ذات الصِّلة وبخاصة القرار 2254 يواجهنا سؤال آخر وهو : هل كان وضع المعارضات السورية الحالية التي طرحت نفسها ممثلا شرعيا للشعب السوري ، في عملية التفاوض هذه ، في مواجهتها لوفد النظام وفي تعاملها مع أطراف المجتمع الدولي التي أصبحت عمليا تتولى إمكانية فرض الحلول للازمة السورية وغيرها من أزمات المنطقة المترابطة معها، هل كان وضع هذه المعارضات في مستوى الحد الأدنى المطلوب من حيث إستقلالية القرار والارادة ، ومن حيث وحدة الرؤية والانسجام في المواقف ، ومن حيث التوافق بشأن المستقبل المنشود وصورة البديل للواقع الحالي ، واقع القهر والفساد والتخلف ، الذي يستوجب الالتزام الفعلي الواعي بجوهر مباديء وقيم ومهمات الانتقال للمشروع الوطني الديمقراطي السوري من أجل بناء سورية الجديدة ؟؟؟
فإذا كانت القضية الوطنية بالنسبة لشعبنا بكل مكوناته المجتمعية واتجاهاته السياسية محددة الأهداف والغايات ، فما هو المبرر إذن لتعدد وتشظي وتناحر تشكيلات المعارضات السورية ووفودها ومنصاتها، التي يدعي كل منها مشروعية تمثيله ؟؟؟ وما هو المبرر لتواصل صراعاتها البينية ، وتغليب اختلافاتها وتناقضاتها الثانوية على توحيد مواقفها وجهودها المشتركة ، والتسابق في حمى هذا الصراع على الاستقواء بدعم الأطراف الدولية لكسب المزيد من الحصص والمكاسب ؟؟؟ كيف يمكن لنا تفسير هذا الوضع والى اية أسباب يمكن إرجاع هذه الظاهرة ؟؟؟ فهل يمكن ان يعزى ذلك الى اختلاف الرؤية والموقف تجاه خطوات ومراحل عملية الحل السياسي باعتباره السبيل الوحيد لإنقاذ وطننا وتحقيق تطلعات شعبنا ، وبقاء المراهنة على الحلول العسكرية والتبدل المأمول والنوعي ، كما مازال ينتظر البعض ،في مواقف الآطراف الدولية؟؟؟ اننا نعتقد ان في مقدمةالآسباب التي تقف وراء هذا الوضع هو فقدان العديد من أطراف هذه المعارضات السورية وبخاصة المجموعات المسلحة المتقاتلة وحدة الرؤية السياسية تجاه سورية المستقبل ، كدولة مدنية ديمقراطية لجميع ابناىها دون اي تمييز ، وفقدانها في الوقت نفسه حرية قرارها اضافة لتغليب بعضها مشاريعها الفئوية والخاصة على المشروع الوطني العام ، الذي لا تنفك تعلن بتصريحاتها بين الحين والآخر جدية التزامها به .
ان العملية التفاوضية التي تتواصل بكل فصولها ومراحلها ومبادراتها حتى الْيَوْمَ ما تزال من وجهة نظرنا تفتقر الى العامل الأساس في إمكانية وضعها على السكة الصحيحة . وبالتالي عدم تحقيق اية خطوة جدية تسهم في وضع حد للمأساة السورية المتفاقمة . هذا العامل الأساس هو بلا ريب تغييب إرادة الشعب السوري الحرة ومصادرة حقه في تقرير مصيره وصنع غده . موضوعيا تتشارك المسؤولية في تغييب هذه الإرادة ومصادرة هذا الحق ،والوصول الى هذا الوضع الكارثي ،أطراف المجتمع الدولي والأنظمة والحكومات الإقليمية الضالعة في المِحنة السورية ،الممولة والموجهة لمجموعات المعارضة بهيئاتها ومنصاتها ووفودها ، وللمجموعات المسلحة على الارض التي كانت الثمرة المرة لعملية حرف الانتفاضة الشعبية السلمية عن مسارها وعسكرتها وتطييفها وتدويلها . أليس من المؤسف والمخجل والمسىيء لكل تاريخ شعبنا وقيمه الحضارية ان نشهد هذا الوضع المشين لما يسمى بأطراف المعارضات السورية وهي تتصارع فيما بينها على حصص ونسب التمثيل وتسمية هذا الشخص لا ذاك للحصول على شرف المشاركة في دورات المفاوضات الشكلية التي تتواصل حتى الان ؟؟؟ تلك المعارضات التي لا تملك من امرها شيئا ولا يجمعها حتى الْيَوْمَ ، وحتى في نطاق أفراد كل مجموعة الموقف الموحد تجاه خطوات الحل السياسي المطلوبة من حيث أولوياتها وطبيعتها ، كما لم تحظ حتى الأن بتقدير شعبها وثقته عداك عن فقدان القدرالمطلوب من اعتراف وتقدير المجتمع الدولي في كيفية تعامله معها !!! .
لقد كانت الصيغة الداىمة التي تطرح باستمرار بهدف انتشال القضية الوطنية من هذا الوضع المأساوي هو القيام بمراجعة شاملة لتقييم مسار السنوات الماضية والتزود بالدروس والنتائج الموضوعية التي تساعد على تصحيح المسار ، وبين الحين والآخر تطالعنا مثل هذه المراجعات وعمليات التقييم التي ظلت كما نعتقد مجتزأة وقاصرة عن تحقيق الغاية المطلوبة ، كونها ربما استهدفت اساساتحسين مواقع مرحلية لهذه المجموعات التي قامت بها . فهل يحق لنا استجابة للتضحيات الجسام التي قدمها شعبنا وما يزال يقدمها في كل يوم في كفاحه التحرري الإنساني ، وبرغم هذا الواقع البالغ الصعوبة والتعقيد ،ان نظل محكومين بشحنة الأمل وتفاؤل الإرادة في إمكانية ان يلتقي الوطنيون الديمقراطيون السوريون بدافع وعيهم المستعاد وتحسسهم بضرورة اضطلاعهم بمسؤولياتهم الوطنية على أفضل وجه ممكن وفي اقرب وقت مستطاع ، في مبادرة وطنية خلاقة ترسي القاعدة السليمة لانطلاقة نوعية في مسار العمل الوطني المؤهل لإنقاذ المصير وصنع المستقبل .


Social Links: