المجتمعات العربية.. وأزمة الهوية..! ــ دهام الحسن

المجتمعات العربية.. وأزمة الهوية..! ــ دهام الحسن

نحو أحياء الذكرى السادسة للثورة السورية

   نحو أحياء الذكرى السادسة للثورة السورية

 

لكل إنسان، لكل مجتمع هويته الخاصة تعبر عن مزاياه وخصائصه مع ما يحمل من طابع الخصوصية لهذا الفرد أو المجتمع أو ذاك، وهذا الأمر سبق أن أكده ابن خلدون في قوله: (لكل شيء طبيعة تخصه) لكن ما ينبغي إثارته هنا هو التعبير من أن هذه الهويّة رغم خصوصيتها غير ثابتة، ولا تبقى على حال واحدة، فهي في تبدّل وتغيّر وتطوّر مستمر من مرحلة اجتماعية إلى مرحلة أخرى، والإنسان أكثر تطورا من سواه، فهو يختلف عن سائر الكائنات الأخرى على وجه البسيطة من نبات أو حيوان أو جماد في هذه المزية.. فهو سيرورة دائمة من التفاعلات الكثيرة من وعي وإرادة وثقافة وعلاقات وصراعات ومؤثرات كثيرة ..إلخ لهذا نقول هنا علينا أن نتفق أولا من أن الإنسان مخلوق اجتماعي يولد ويحيا في بيئة اجتماعية ما، فهويته بالتالي تتغير وتتطور بتغير وتطور المجتمعات تاريخيا، فليس هناك هوية ما دائمة وثابتة لا للفرد ولا للمجتمع، بل تكون هذه الهوية بطبيعتها الخاصة منفتحة لخصوصيات أخرى تغتني بها جراء التواصل والترابط والعلاقات وأيضا التلاقح معها، دون تغافل ربما عن عناصر أو عوامل أخرى تساهم بهذا القدر أو ذاك في بلورة الشخصية الفردية والمجتمعية، وبهذا فالشخصية الفردية والخصوصية المجتمعية في تغير وتجدد دائمين..

جاء البحث عن الهوية في أسئلة رواد النهضة، وما زال السؤال ذاته مطروحا إلى اليوم، وهذا دليل أكيد على أن الهوية كانت وما زالت تعيش حالة أزمة دون وضوح، فلم يزل المجتمع العربي يعاني من التمزق والتخلف، فلا ثقافة يمكن أن يتحصن خلفها المرء، ولا تنمية اجتماعية أو اقتصادية تذكر، وما زالت أحزمة الفقر تطوّق أعدادا هائلة من البشر، وهنا غير مجد المباهاة بالأجداد والغناء بالتراث، فهذا الحال كمن يقف على أطلال دارسة ينشد معلقة امرئ القيس (قفا نبك….)

إن الميراث القديم من قيم ومجد وسؤدد ينبغي أن يتم إشباعه فهما ودرسا ومن ثم البناء عليه بعقلانية ووعي وجسارة، دون اعتباره سقفا نتطلع عليه محسورين دون التفكير بتجاوزه، فالماضي المجيد لن يعود وبالتالي ينبغي أن يكون حافزا للاختراقات لا مثبطا للهمم ومبعثا للبكاء، لا بد من الانفتاح لحاضرنا الضاج بمسائل عديدة، إننا اليوم بأمس الحاجة إلى فكر حر نقدي عقلاني تنويري، به نعالج الواقع، نعالج الأزمة، ونستشرف بالتالي المستقبل، لا بد من امتلاك المعرفة، لا بد من حرية في الفكر وقبول الاختلاف، لا بد من معركة تنوير العقل، وتحديث الواقع، لا بد لنا من تجاوز الأبنية المشيدة في الواقع العربي بمختلف المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وفي سائر المجالات أو المنظومات الأخرى من سياسة واقتصاد ومجتمع…

منذ حملة نابليون على مصر في أواخر القرن الثامن عشر، وإصلاحات محمد علي في القرن التالي له، جاء الاحتكاك والصدمة بين الواقعين، العربي المتخلف، والغربي المتقدم، بين ثنائية التحضر بمنجزات علمية في المجتمع والاقتصاد والتقانة يضاف إليها الاستعمار، وبين التخلف والتبعية العربية..

حتى بعد أن تم التحرر وتحقق الاستقلال بقيت التبعية هي السارية للفروق الكبيرة بين العالمين الغربي والعربي.. الفكر الغربي كما لاحظنا وتابعنا جمع بين التقدم الحضاري والعدوانية، بهذا الصدد نقول، لا يمكن لنا المشاركة في معركة الحضارة إلا إذا ما تغلبنا على ترددنا وتقاعسنا، وشذّبنا فكرنا الراهن، ليواكب عجلة التقدم، لابد أولا من وعي واقعنا ثم السعي الحثيث لتغييره وتطويره وتجاوز الحالة نحو واقع أفضل..

بعد أن تم الجلاء وتحقق الاستقلال، جاءت الصدمة ثانية وهذه المرة من أنظمة وطنية استبدادية ذات الطابع المملوكي بتعبير المفكر محمود أمين العالم، حيث جاء التحرر لجما للتنمية المجتمعية، وهيمنة للفكر السلفي، وزعيقا للفكر القومي المفعم بالمشاعر الطفولية الجياشة، ومن خلفه اليسار المطوّق بإسار الحزام الشيوعي السوفييتي، هذه الهبّة السلفية، والقومية المتحمسة، واليسارية الفجة، انتهت بهزيمة حزيران 1967..

لهذا جاء من يقول إن الفكر العربي المعاصر هو امتداد لأصول الفكر الفقهي، فقد تعددت أنماط الحكم، فأخذ الطابع الديني السطحي هنا، والقومي من حيث الشكل هناك، مع تلوينات يسارية، وأيضا الحكم مع نزوع طائفي، في محطات تاريخية، أو ربما راود بعضهم الشكل الخلافي(الخلافة) في الحكم الوراثي دون صحابة، مع جند من الموالاة والحجّاب، وثروة متدفقة معينها لا ينضب، وأفلح النظم من استمالة نخب ثقافية لتكون أبواقا تسوغ لها كل ارتكاباتها، وتشرعن للنظم عمّا هي عليه من أشكال الحكم، أي تضفي على الحكم طابع الشرعية، فظلّ النظام هنا يجترّ ليعيد إنتاج الوعي السائد ويستمر الماضي في الحاضر، وفي هذا الإطار راحت النظم العربية المختلفة تعمد لفرض شكل من الفكر على الواقع العربي عبر الدولة، فهي كعادتها حكمت بالعسكر، وأخذت تسن قوانين وتشريعات تصبّ كلها في اتجاه حصر السلطة بأيدي حفنة صغيرة، ويقسر الناس على التعود وقبول هذا الشكل القائم من الحكم أو التحكم، وأيضا عبر وسائط وأبواق مختلفة من الإعلام ومناهج التعليم وسواها من وسائط الفكر والمعرفة..

تمّ عقد ندوات عديدة من قبل أهل الفكر للإجابة على السؤال المطروح والملح :ما هي أسباب التخلف ترى.؟ فهل ثمة أزمة، والدعوة لتجديد الفكر في الوقت ذاته فمنهم من رأى أنها أزمة حضارة، فرد من يقول بأنها أزمة البرجوازية الحاكمة، ومن أن الحاضر هو استمرار للماضي، وأزمة البنية الأيديولوجية للفكر القومي، وضعف التواصل العربي العربي والعلاقات البينية، فحجم التبادل التجاري والاقتصادي لا يتجاوز ثمانية بالمئة، ناهيك عن غياب الديمقراطية وفقدان الحريات والتعدي على حقوق الإنسان، انعكس كل هذا وسواها على النموّ الفكري سلبا، ودفعه نحو تبعية دائمة، فالتنمية غالبا تتم في نظم تبنى وتؤسس عادة بمشاركة ديمقراطية واسعة، وتتمثل بتيارات سياسية متعددة تتمثل في السلطة، دون أن ننسى أن التنمية تتأثر أيضا بواقع العالم وانعكاساته على الواقع العربي، جاء هذا التأثير واضحا لاسيما بعد انهيار المنظومة السوفيتية، وما حصل من خلل في التوازن العالمي وهيمنة القطب الواحد الأمريكي بالتوازي مع ثورة التقانة لاسيما في مجال المعلومات والاتصالات، والسعي لتهميش العالم الثالث، وترسيخ تبعيته واعتباره عالما هامشيا ليس سوى امتداد للعالم الرأسمالي..

ما هو المطلوب منا إذن عمله في الحالة الراهنة على صعيد مختلف التيارات السياسية.؟ أرى لزاما على كافة هذه التيارات الإشادة بخصلة العقلانية، فالعقل سيد العالم بتعبير هيغل، وكان روبسبير أحد أقطاب الثورة الفرنسية، كان يؤله العقل بوصفه (الكائن الأعلى) بموازاة ذلك كان لابد من تقوية النقد، والدعوة إلى الديمقراطية وتنمية المجتمع المدني والنضال ما أمكن لتحقيق وتوسيع دائرة الحريات العامة ويكون هذا بمواجهة الدولة كما قلنا بثقافة نقدية تبين أن تردي أوضاع المحكومين هو مسؤولية الدولة، وتترتب بالتالي على النخب الثقافية مسؤولية إيجاد مخرج للخروج من الواقع الراهن المزريوالمأزوم، لا بد من بناء كتلة ثقافية مخلصة واعية، فالشعوب العربية من حقها مجاوزة التخلف، فالتخلف ليس قدر هذه الشعوب، لا بد من مواصلة السير على طريق التقدم والحرية والديمقراطية اللاحب، والتمتع بكنوز خيرات أوطانها، والمساهمة في مسيرة التقدم نحو عالم أرحب وحياة أفضل وإنسان أوفر علما ومعرفة وتقدما..

  • Social Links:

Leave a Reply