ست سنوات بتمامها وامتدادها الذي تجاوز كل التوقعات ، وبكل أحداثها وأهوالها التي لم تتوقف بعد ، انقضت حتى الآن على انتفاضة الشعب السوري التحررية من اجل وضع حد لواقع الفساد والتخلف والاستبداد والإنتقال الى الحياة الديمقراطية السليمة . وبعد طول هذه المعاناة الاستثنائية التي لم يواجه أي شعب آخر مثيلا لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، كما تقر وتعترف بذلك كل الهيئات الدولية المحايدة ، لم يعد من الجائز ، وأمام امتحان المصير وضرورة استيعاب خلاصة التجارب التي مروا بها ، أن لا يكون السوريون الْيَوْمَ موحدي الرؤية والإرادة حول السبيل القويم الذي ينبغي لهم أن يسلكوه لتجاوز هذه المِحنة المقتلة وصنع المستقبل الذي هم جديرون به .
فالسوريون الْيَوْمَ يدركون بلا شك أن انتفاضتهم الشعبية السلمية الجامعة ، التي أرادوها ان تكون منطلق ثورة تحررية شاملة تنجز وتستكمل مقومات الإستقلال الثاني لدولة المواطنة الحرة المتساوية بالتخلص من روابط وقيود الهيمنة والتبعية والنجاح في مواصلة تنفيذ خطط التنمية المستدامة ، هذه الانتفاضة قد تم كما هو معروف إجهاضها في مهدها ، واغتيال أهدافها ، بعد ان جرى حرفها عن مسارها الصحيح نتيجة العسكرة والتدويل والتطييف . الأمر الذي أدى لأن تصبح بلادنا ساحة صراع مستباحة لمختلف المصالح الدولية وان يصبح مجتمعنا وانساننا وتاريخنا وكل قيمنا الحضارية ضحية عزلاء ومكشوفة لأبشع جرايم قوى الارهاب والتطرف والعنف والحقد والاستبداد وانتهاك ابسط حقوق الإنسان ، وعرضة لكل أشكال النزوح والتهجير واللجوء في كل بقاع المعمورة .
الْيَوْمَ يدرك معظم أبناء شعبنا ان هذه الانتفاضة التي تحولت الى حرب عبثية مدمرة تحرق الأخضر واليابس ، لم تكن لا هي بحد ذاتها ،ولا إمكانية صيرورتهاوتحولها الى ثورة شعبية شاملة ،هي الهدف او الغاية بل كانت الوسيلة والأداة التي يقصد منها تحقيق مطالب السوريين في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة . واليوم باتت الأغلبية الساحقة من أبناء شعبنا تدرك ان التضحيات الغالية والخسائر الجسيمة التي شملت على امتداد السنوات الماضية كافة مجالات وبنى مجتمعنا ، و في اساسها شلال الدم المسفوح في كل وقت في شوارعنا وساحاتنا ومؤسساتنا ، ماكان منتظرا ان يكون حصادها واقع الانهيار والتردي الذي يضع وطننا بتاريخه وتراثه ، وبحاضره ومستقبله امام خيارات صعبة أحلاها مر .
اننا نؤمن الْيَوْمَ ان شعبنا الذي صودرت ارادته منذعقود وغيب صوته المعبر عن هويته الانسانية الحضارية وجوهر مطالبه وحقوقه المشروعة بعد ان اصبح تقرير مصيره رهن توافقات المجتمع الدولي ، هو برغم كل عذاباته وآلامه أشد عزما وتصميما على ان يستعيد دوره وذلك بالاعتماد على قدراته الذاتية اولا وقبل اي دعم آخر ، وعلى امتلاك قضيته الوطنية ووضعها في مسارها الصحيح . ولعل في مقدمة الدروس المستخلصة من تجارب السنوات الماضية ان العفوية في كفاح الشعوب التحرري لا يمكن لها ان تضمن تحصين ومناعة الانتفاضات الجماهيرية على الانحراف والاستغلال والإخفاق كما حدث لانتفاضات ما سمي بالربيع العربي . فالانتفاضات والهبات الشعبية التي تحمل في العادة مطالب معينة ومشروعة لا يمكن لها ان تنجح في وقتنا هذا الا اذا توفر لها برنامج واضح وقيادة موحدة واعية وإلا اذا أنتهجت السبيل المدني السلمي في مواجهة السلطات الحاكمة التي غالبا ما تفشل في اخماد هذا الحراك الشعبي مهما استخدمت من ممارسات قمعية وحشية في مقابل استعداد الحراك الجماهيري غير المحدود على تقديم كل التضحيات المطلوبة الكفيلة بانتصاره ،
لكن الانتفاضة الشعبية السورية لم تنطلق من اجل أن تستبدل حاكمابحاكم آخر ، ولا ازاحة سلطة غاشمة والمجيء بسلطة لا تختلف عنها فسادا واستبدادا . لكن هذه الانتفاضة وجدت نفسها منذ أيامها الاولى في مواجهة نظام شمولي غير قابل للإصلاح التدريجي ولذلك كان عليها كي تكون قادرة على تحقيق مطالب شعبها في التغيير الشامل وبناء نظام ديمقراطي عصري ان تأخذ ابعاد الثورة التحررية المجتمعية بما تستدعيه مقومات هذه الثورة من تجاوز مرحلة العفوية ومن تبني مشروع واضح للبديل المستقبلي الذي يستجيب لمطالب الشعب في الإصلاح والتغيير وصنع المستقبل المنشود ، وكان هذا المشروع الوطني الذي يتطلب نجاحه تهيئة تربته المجتمعية الضرورية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية في عملية التراكم التنموية المتواصلة . يستدعي بدوره وجود قيادة موحدة تعبر فعلا عن تطلعات الشعب السوري وتحرص برؤيتها الاستراتيجية الهادية ،وبمواقفها وممارساتها وخطابها العقلاني، وقبل ذلك بحرصها على استقلال قرارها، على تمتين الوحدة الوطنية على الدوام باعتبارها سلاحه الأمضى في مواجهة كل التحديات والمؤامرات والمخططات العدوانية .
كل مواطن سوري يدرك الْيَوْمَ ماذا كانت النتائج والتبعات التي نشأت بعد ان أجهض مشروع الثورة السورية ، ويدرك الْيَوْمَ حجم مسؤوليات المجتمع الدولي الذي تخاذل ، بل والذي تواطآت بعض دوله . في دعم كفاح شعبنا المشروع ووضع حد لمأساته التي تحولت الى مسالة دولية بكل انعكاساتها ومخاطر استمرارها . لكن ما هو مطلوب منا نحن السوريين وما يترتب علينا قبل تحميل الآخرين مسؤولياتهم قبل ان نتحدث عن مسؤوليات الأخرين ان نشخص عللنا وجوانب القصور في استعداداتنا ،وعلينا ان نصلح اوضاعنا الخاصة ونحمل أنفسنا أولا قسطنا في مسوولية الأوضاع الكارثية التي تعيشها بلادنا الْيَوْمَ . فهل يمكن بعد الآن آن تطوى والى غير رجعة صفحة المراهنات على قوى الخارج التي توضحت كل مخططاتها وانكشفت مراميها ازاء طموحات شعبنا في الوحدة والحريّة والسيادة والديمقراطية ؟ وهل تتوقف ممارسات تلك المعارضات التي نصبت من نفسها ممثلا شرعيا للشعب السوري وكانت طوال السنوات الماضية ومازالت تقوم بدور المنصات والأبواق الإعلامية الدعاءية للمجموعات المسلحة الإرهابية والتي دابت طوال هذه السنوات ، تنفيذا لتعليمات الاجندات التي استخدمتها، ترداد ان حراك الشعب السوري السلمي الحضاري ومنذ بدايته ليس له من سبيل لتحقيق أهدافه الا سبيل واحد هو سبيل التطرّف والتعصب والعنف الأعمى والصراع المسلح المتعدد الولاءات والجبهات الذي أودى ببلادنا الى واقع هذه الحرب الأهلية المذهبية المدمرة بكل ابعادها وانعكاساتها المحلية والإقليمية والدولية .
على الرغم من كل هذه التحديات المصيرية التي يواجهها شعبنا وهو يضع أقدامه في بداية عام جديد في مسار محنته الدامية ، فانه ومن خلال لقاءاتنا بمختلف توجهاته وتجمعاته ما زال يتسلح بطاقة من الأمل والرجاء في ان تبادر قواه الوطنية الديمقراطية الحقيقية في الاستجابة لندائه كي تضطلع بمسؤولياتها بتوحيد جهودها وتنظيم صفوفها في إطار برنامج الخلاص الوطني . هذا البرنامج الذي كما نعتقد قد اصبح واضحا وجليا للجميع بعد ان ارست معالمه وحددت مهامه ورسمت اتجاه بوصلته تضحيات شعبنا الجمة التي فاقت تضحيات اي شعب آخر في كفاحه ضد قوى الاستبداد والتخلف والارهاب ومن اجل انتصار قضيته الوطنية والإنسانية في مواكبة مسار العصر .


Social Links: