البحث عن حنظلة _2_ (مشاهدات من الحرب القذرة) ــ محمد بن يوسف كرزون

البحث عن حنظلة _2_ (مشاهدات من الحرب القذرة) ــ محمد بن يوسف كرزون

حنظلة في هذه المقاطع والمقاطع التي سبقتها طفل عمره أقلّ من 12 سنة»

9 _ وسط المدينة

حنظلة وصل إلى الحديقة العامّة.. يريد أن يستريح قليلاً.. جلس على مقعد من مقاعدها.. جاءه اثنان:

  • مَن تنتظر هنا؟
  • حظّي..
  • حظّكَ هناك.. عندنا ينتظرك..

قادوه إلى فرع الأمن السياسي.. وفي التحقيق:

  • قُلْ.. من هم قادتُك؟
  • ليس لي قادة..
  • زيارتُكَ لنا ستطول.. وغرفتُكَ المفروشة عندنا ستعجبكَ… هههههه
  • ولماذا؟ وما هي فعلتي؟
  • كتم معلومات!!!

في الطريق إلى الزنزانة اختفى حنظلة من بين أيدي السجّان.. بحثوا عنه في كلّ مبنى الفرع فلم يجدوا له أثراً.. لقد صار في حلب الجديدة!

10 _ نارة للأركيلة

في مبنى المدينة الجامعية المكتظّ بالنازحين وقف حنظلة وهو مشبك اليدين إلى الخلف.. في نظرات تأمّلية لهذا الحشد الهائل من العائلات في سكن الطلبة…

يد ربتتْ على كتفه، وصاحبها قال له:

  • نارة يا ولد!

استغرب حنظلة: ماذا يقصد هذا؟

وتابع صاحب اليد:

  • ألستَ الشغّيل في مقهى (نارة وأركيلة)؟

اختفى حنظلة من المدينة السكنية كلها..

11 _ عند الصرّاف

وقف حنظلة على باب مكتب.. ناداه صاحبه:

  • تفضّل.. هل تشتغل عندي؟
  • أكيد.. أنا أبحث عن عمل..
  • هل تعرف تحضير القهوة والشاي والزهورات؟
  • نعم أعرف..

قضى حنظله نهاره وقسطاً من الليل وصاحب المحلّ يعبّ القهوة والشاي ويجري مكالمات:

  • لا .. لا.. السعر اليوم 357 وسعر التحويل 275 بسبب المخاطر..
  • ……..
  • لا.. لا.. هذا آخر سعر..

ومكالمة أخرى:

  • نشتري.. لا .. لا نشتري.. السوق غدّار.. ولا نعرف ماذا يحصل غداً..
  • …….
  • على عيني.. أبو حسام غالٍ علينا.. ابعث ما عندك ولكن بسعر 240
  • ……
  • قلتُ لك لا نشتري.. ولكن خاطر أبو حسام لا يردّ… إمّا أرسله بسعر 240 وإمّا ابحث عن غيري…

12 _ رجل الأمن

يدخل رجل في كامل أناقته على تاجر العملة الأجنبية.. لا يعبأ بحنظلة سوى أن ينهره بسؤال: معلّمكَ هنا؟ ثمّ يدخل إلى صدر المكتب…

حنظلة بعيد عنهما عدّة أمتار.. ولكن يستمع بشكل جيّد لتحاورهما:

  • كيف الأسواق هذه الأيّام؟
  • شوفة عينك.. ما في حدا…
  • علينا أبو مراد؟ هذه لا تمشي علينا…
  • طلباتك.. وأنا حاضر..
  • 25000 تكفينا اليوم.. يبدو فعلاً السوق ضعيف..
  • على عيني.. خذ هذه العشرين ألف.. ومعها فنجان قهوة من يد ماهرة في تحضيرها

يسمع هذا حنظلة.. يختفي.. يبحثان عنه في المكتب وفي الحيّ كلّه، فلا يجدان له أثراً..

13 _ على باب الفرن

الازدحام لا يُطاق.. أين يقف حنظلة؟ صفّ للنساء، وآخر للرجال، وثالث للأولاد… ولكلّ واحد ممّن يصطفّ في هذه الصفوف ربطتان من الخبز.. مع أكثر من عشرين ضربة كلّما تحرّك الدور.. وصياح مزمجر من الشرطة الذين يضبطون الدور:

  • انتبه يا حيوان لدورك.. امشِ.. امشِ.. امشِ..

ولكن هناك صفّ مبعثر: صف الوساطات.. يأتي إليه المدعومون.. يأخذون ما يشاؤون من أعداد الربطات دون أن يسألهم أحد..

وقف حنظلة في دور الأولاد.. وبعد أربع ساعات حصل على الربطتين… تنفّس الصُّعَداء.. وهمّ بالهرولة فائزاً بالغنيمة..

أوقفه أربعة أولاد ما بين الثانية عشرة والثامنة عشرة من أعمارهم، قالوا له: هذه الربطات لنا.. ونعطيكَ ثمنها الذي دفعتَ..

ابتسم.. هزّ الربطتين عالياً.. نظر بسرعة خاطفة إلى الأرض وكأنّه يبحث عن شيء.. فنظر الجميع معه النظرة نفسها.. وعندما رفعوا نظرهم لم يروا حنظلة…….

14 _  الفاتورة أوّلاً

الطريق شبه مقطوع أمام فرع شركة الكهرباء، الناس مصطفّون في حالة تشبه الحالة التي وجدها أمام الفرن، وقف يستمع إلى بعضهم في أحاديثهم:

  • يطلبون آخر فاتورة مدفوعة كما يطلبون البطاقة الشخصيّة..
  • أين الكهرباء التي يجبروننا على دفع ثمنها؟
  • الله وكيلكم منذ ثلاثة أشهر لم نَرَ الكهرباء إلاّ بما يعادل 10 ساعات متقطّعة..
  • ونحن مثلكم.. والغريب أنّ قيمة فاتورتي (4200) ليرة.. ما هذا؟

يجيب شاب من أواخر الصفّ:

  • تشغيل البرّاد وحده يستهلك ربع كهرباء البلد..

يجيب آخر:

  • وهل نسيتم استهلاك الغسالة الأوتوماتيك؟

يردّ ثالث:

  • كلّه يهون واستهلاك الكهرباء للتدفئة وحده يهدّ الحيل…

جميعهم يدفعون الفواتير وهم صاغرون…

وحده حنظلة يتنقّل بنظره من وجه إلى وجه، ومن يد إلى يد.. ويتنفّس بعمق حارق.. ينتظر أن يُفسَح له المجال ليجتاز هذا الطريق الضيّق!

 

 

  • Social Links:

Leave a Reply