قصتي مع الموسيقى

قصتي مع الموسيقى

عمران كيالي 

إحتضان العود و العزف على أوتاره، كان الأمر المشترك بين أبو اصطيف و أبو علي، هما يعملان في نفس الدائرة الحكومية، والصداقة بينهما، أو (الصحبة) كما كنا نسميها في ذلك الوقت، لم تقف عند الزيارات العائلية، بل تعدتها إلى السهرات في منتزه السبيل أو ال(دو ري مي) و غيرهما من مقاصف حلب … غالبا ما ينضم إلى جلسات السمر هذه أبو مازن و جنكيز و باصيل و رامز، أما أبو رامي فنادرا ما كان يحضر هذه الجلسات التي يسمونها (التعميرات)، سيما إذا تواجدت الأركيلة مع الكأس … أما احتساء عرق البطة، فقد كان الجامع المانع لهذه (الشلة) العامرة بالمرح و بالنكات و القفشات الرذيلة التي كثيرا ما تكون وليدة اللحظة و بنت (التعميرة) ….. نسيت أن أقول لكم أن أبو اصطيف هو والدي، الله يرحمه و يرحم جميع المذكورين أعلاه و أدناه من شلة البطة مثلث (هي في الحقيقة إوزة) … و كان لكل فرد من أفراد الشلة اسم حركي : أحدهم الجحش القبرصي و الآخر العرصة البولاقي و الثالث الحمار البعلبكي … و هكذا ….. كان أبو اصطيف يهرب من هموم الحياة اليومية و مشاكلها إلى العزف على العود (و عزفه سماعي)، و أحيانا ينفخ على القصبة (الناي) في الشرفة ….. في أحد الأيام، دخل أبو اصطيف إلى المنزل و هو يقول بصوته الجهوري : تفضل أبو علي، ما في حدا … أبو علي أيضا، مثل والدي، كان ضخما، طويلا، عريض الكتفين، ذو كرش نسميه (كرش الوجاهة)، و كنت أمسك، عندما أمشي مع والدي بالشارع، أصبعا واحدا فقط من أصابع يده ….. ركضت أنا إلى المطبخ، حيث كانت أمي تحضر الطعام، و قلت لها : ماما، أجا عمو نديم … كنت الوحيد من بين إخوتي الذي يسمح له بالدخول إلى غرفة الضيوف، لأنني كنت هادئا، و أحب أن أستمع إلى أحاديث الكبار، خصوصا إذا تخللها بعض النكات و القفشات و الإنتقادات التي قد تكون فادحة و فاضحة … لذلك خرجت من المطبخ مباشرة إلى غرفة الضيوف … قال أبو اصطيف : بدك تشوف لي هالولدين إذا بيظبطو عندك بالمعهد ….. (أبو علي – على فكرة – هو نفسه نديم ابن الشيخ علي الدرويش، و كان وقتها يقوم بتدريس الموسيقا و تعليم العزف على آلة العود، بالإضافة إلى التلحين، و له كما تعرفون، عدة مؤلفات في الموسيقا) ….. قال أبو علي : إي مو تكرم، هاتن … وجه أبو اصطيف كلامه لي قائلا : قوم ولاك جيب أخوك … نهضت بسرعة و خرجت إلى غرفة المعيشة، و قلت لأخي، الذي يكبرني بأربع سنوات : زكوان، بابا بدو ياك أوام ….. أمسك أبو علي بليرة الفضة و قال لنا : بدكن تعيدو نفس النقرة … و على (التربيزة) التي أمامه بدأ ينقر (تك، تتك، تك)، ثم ينقر أخي مثلها، ثم أنقر أنا مثلها، الإيقاع الثاني (تك، تك، تتتك)، الثالث (تك، تتك، تتك، تتك، تك) … و هكذا … بعد ذلك أعاد أبو علي ليرة الفضة إلى جيبه و قال لأبي : الكبير سنه مناسب، أما الصغير ف(خليه للسنة الجاية) … و هكذا كان، داوم أخي في المعهد الموسيقي، و بدأ يتعلم العزف على آلة الكمان، و بقيت أنا أنتظر (السنة الجاية) ….. نجحت إلى الصف الرابع، في نفس الوقت الذي أخرجنا فيه مالك المنزل في حي ميسلون، فاضطرت أسرتنا للسكن في بيت جدي الدكتور مصطفى الذي سافر إلى الجزائر، ثم، و في عام النكسة، إنتقلنا إلى حي المحطة، ثم توفى والدي، و حتى الآن لم تأت (السنة الجاية) ….. أخيرا : أنا أقدر الآباء و الأمهات الذين ينتبهون إلى ميول أطفالهم، في السنوات الخمس الأولى من عمرهم، و يساهمون في تنمية مواهبهم و تطويرها … و أقدم نفسي نموذجا للطفل الذي كانت أذنه موسيقية، لكن الظروف لم تسمح له بدراسة الموسيقا، و هكذا خسر العالم العربي و الإسلامي عازفا، ربما كان له شأن …..

  • Social Links:

Leave a Reply