ثانيًا: القضية الكردية في سورية وحاملها السياسي
بدأت بوادر المشكلة الكردية في سورية في عهد الوحدة المصرية- السورية عندما أقرّت دولة الوحدة قانون الإصلاح الزراعي، الذي أقرّ توزيع أراضٍ في محافظة الحسكة على المستفيدين منه، ومنهم من كانوا من خارج سكان المحافظة، الأمر الذي اقتضى توطين عرب سوريين في مناطق وجود الأكراد فيما عُرف بالحزام العربي؛ ثم جاء الإحصاء السكاني الاستثنائي الذي شابه اللبس عام 1962 بدفع من نائب رئيس الوزراء السوري (البعثي) جلال السيد، وأخيه محمود سعيد السيد محافظ الحسكة آنذاك، الذي حرم القسم الأكبر من أكراد محافظة الحسكة من حق الجنسية السورية بدعوى أنهم وافدون بصورة غير شرعيّة من خلف الحدود، ثم جاء حكم البعث آذار/ مارس 1963، ليزيد الحال سوءًا، ويُشدّد من إجراءات التضييق والتمييز بحق الأكراد، ويعمل على حرمانهم من حقوقهم الطبيعية؛ وقد بقي هذا الإحصاء غير المنطقي وغير الوطني ساريًا حتى عام 2011، بعد انطلاق الثورة السورية، وكان الأساس الذي انبت عليه القضية الكردية في سورية.
اعتمدت معالجة نظام البعث في سورية في مواجهته القضية الكردية، كما غيرها من قضايا الأقليات القومية الأقل تأثيرًا وعديدًا، على البعد الأمني، علمًا بأن أكراد سورية لم يحملوا السلاح في وجه السلطة كما في العراق، بل اعتمدوا النضال السياسي السلمي بحسب ما أتاحته ظروف التضييق التي عاشتها سورية في ظلّ قانون الطوارئ والأحكام العرفية التي فُرضت منذ 9 آذار/ مارس 1963، واستمرت حتى عام 2011، ثم استُبدل بهما لاحقًا قانون الإرهاب.
تأخر ظهور أحزاب سياسية كردية في سورية، ومن مارس من الأكراد نشاطًا سياسيًا بصورة فرديّة مارسه من خلال الأحزاب السورية التي كانت قائمة، وبخاصّة الحزب الشيوعي السوري. بدأت الحركة السياسية الكردية مع تأسيس أول حزب كردي في سورية عام 1957، وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) الذي يُعدّ امتدادًا سياسيًا وأيديولوجيًا للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي الذي أسسه (الملّا مصطفى البرزاني).
عانى هذا الحزب، بعد سنوات قليلة على تأسيسه، من الانشقاقات، بفعل ضغط الأمن وتدخّلاته، ومن بروز الانحياز الأيديولوجي بين الناشطين الأكراد، إذ باتت الحركة السياسية الكردية تضم سبعة عشر حزبًا وربما أكثر. وحتى 12 آذار/ مارس 2004، تاريخ الانتفاضة الكردية التي قامت في إثر حادثة شغب أثناء مباراة رياضية في القامشلي، وقتل فيها الأمن أكثر من ثلاثين مواطنًا كرديًا واعتقل المئات، لم تكن هناك أي علاقة سياسية بين الأحزاب الكردية السورية ونظيرتها العربية، بفعل خط أحمر رسمته الأجهزة الأمنية، وبفعل خوف الأحزاب العربية من تجاوزه، ويمكن أن تُضاف أسباب أيديولوجية لدى بعضها الذي كان ينظر إلى المطالب الكردية بتوجّس، أو يعدّها مشروعًا انفصاليًا. لكن، بعد هذا التاريخ بدأ التواصل بين أطراف الحركة السياسية السورية، وعُقدت ندوات وحوارات، وقامت تحالفات من أجل إنضاج مشروع وطني ديمقراطي، يُخرج سورية من حالة العطالة السياسية المديدة التي ولّدها الاستبداد إلى رحاب دولة مدنية ديمقراطية موعودة، لكن هذه المسيرة الواعدة سرعان ما انقطعت، ولأسباب غير مفهومة بدقة، مع انطلاقة الثورة السورية. فالأحزاب الكردية، وعلى عكس القاعدة الشعبية الكردية التي شاركت بزخم في فاعليات الثورة في سائر أماكن وجودها، أصيبت بحالة من الارتباك ومالت إلى المناورة، ووضعت نفسها خارج سياق الثورة عمليًا، إمّا بفعل ضغط أمني، أو ربما تلبية لنصائح من أصدقائها في الخارج، أو لأنها لا تريد تحمّل تبعات في هذه الثورة، لكنها تريد الاستفادة من نتائجها، فكوّنت لنفسها جسمًا سياسيًّا عُرف بـ “المجلس الوطني الكردي” الذي طالب بأن يكون طرفًا ثالثًا في المعادلة السورية إلى جانب النظام والمعارضة، ورفعت من سقف مطالبها الخاصة؛ وضمّ هذا المجلس (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي pyd) الذي كان يعمل ضمن سياسة غضّ الطرف من جانب الأجهزة الأمنية، بعد تسليم أوجلان والتنسيق الأمني التركي- السوري، وحاول ابتلاع هذا المجلس، لكنه تركه لاحقًا ومارس تضييقًا على أحزابه، بل دفع أغلب القيادات الكردية إلى أربيل، بعد أن باشر إدارته الذاتية للأراضي التي سيطر عليها في الشمال، وعمل على فرض أمر واقع بمساعدة حلفاء كثر، ومنهم النظام.
وفي مُجمل موقفها من الثورة، تبنّت الحركة السياسية الكردية خيارات أضرّت بالقضية الكردية من حيث هي قضية وطنية، على الرغم من مشاركة بعض أحزابها اللاحقة في “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”، وتمثيلها في “الهيئة العليا للمفاوضات” التي انبثقت عن مؤتمر الرياض كانون الأول/ ديسمبر 2015.
يتبع ..

Social Links: