(القسم الثاني)
حجج اندرسون يبدأ اندرسون بنقاش فكرة ان القومية هي: ” تحول جذري في الوعي البشري” ويتساءل، لماذا على القومية ان تكون متخيلة؟، يقول : ” انها متخيلة لأنه حتى أعضاء أصغر قومية لا يستطيعون معرفة بقية الأعضاء الذين يشاركونهم بهذه الصيغة كما انهم لم يلتقوا بهم ابداً، او حتى ان يسمعوا عنهم شيئاً، ولكن رغم ذلك ففي ذهن كل واحد منهم تعيش صورة متخيلة عن تلك الجماعة.”
ويصر اندرسون على ان (المتخيّل) هنا لا يعني انه (مزيف) لأن الجماعات البشرية التي أعقبت المجموعات البشرية التي كانت تقوم بجمع الطعام والصيد كان عليها القيام بجهد مماثل لعملية التخيل: ” لا تتميز الجماعات بكونها مزيفة او صادقة بل بالأسلوب والطريقة التي يجري بها تخيلهم.”
يقول أندرسون ان هناك ثلاثة جوانب للقومية المتخيلة :
– المحدودية، أي لا يوجد قومية تتسع لتشمل العالم بأسره كما ان حدود كل قومية تفرضه الأمم الأخرى .
– ثم هناك الاستقلالية، لأن الأمم وجدت عندما انتقلت شرعية وجودها من الحق الإلهي المقدس الى مبدأ الدولة .
– ثم مبدأ الجماعة لأن الاسناد والدعم الأفقي لوجودها كان أقوى من أي معارضة عامودية بما فيها الطبقية منها.
ويحدد يرى اندرسون أنه منذ مرحلة العصور الوسطى وما بعد شهد العالم انهيار ثلاثة مفاهيم رئيسية لفهم ذلك العالم: أولها ان نظام المعتقدات المعبر عنه من خلال نصوص لغوية كتلك الموجودة في المسيحية و الإسلام، ثم الاعتقاد السائد بان النظام الاجتماعي هو نظام طبيعي يدور في فلك الملوك الذين يشكلون فئة مستقلة عن بقية الناس ويحكمون رعاياهم بتدبير إلهي ويحاولون فهم الماضي والحاضر من خلال رواية (الخلق).
وهذه الأفكار زرعت الحياة قيم البشرية في طبيعة الأشياء نفسها وحملت معها معانيها لتفسير المصائب والكوارث اليومية مثل (الموت والعبودية) وعرضت طريقها الخاص لافتداء تلك المصائب والكوارث.
ان التحولات الاقتصادية والتطورات العلمية والاجتماعية وتقدم الاتصالات زعزعت تلك المفاهيم والقيم ولهذا لم يكن مستغربا ان يجري البحث عن طرق جديدة لإيجاد روابط أخرى تصل بين الأشقاء والأخوة والسلطة والزمن مع بعضها البعض وهذه الطرق الجديدة تستدعي تراجع أهمية الدين لإفساح المجال أمام بروز القومية. كما أعطى أهمية لحركة الإصلاح الديني بمعنى ان توقعات المجتمع بالنسبة للدين قد تغيرت ولاسيما في الغرب.
بالنسبة ل (اندرسون) بدأ الحل مع ظهور الطباعة في المجتمع الرأسمالي التي خلقت أسواق واسعة تتجاوز كيانات الأقلية التي تتحدث اللاتينية.
لقد أحدثت اللغات المطبوعة مجالات توحدت فيها عمليات التبادل والاتصالات متجاوزة اللغات المحلية، فقدمت للغة استقراراً ضرورياً كانت بحاجة اليه وساهم بدوره في تثبيت ملامح العصور القديمة داخل مخيلتنا، بحيث صارت تشكل الفكرة المركزية لتصوراتنا عن الأمة والقومية، والتي تحولت الى (لغة سيطرة) لها لهجات متعددة تهيمن على الاتصال بين الناس من خلال الطباعة، وتعتبر هذه انها عمليات غير واعية نتجت عن التأثير المتبادل بين الرأسمالية والتطور التقني واللغات البشرية.
ويشرح أندرسون في كتابه كيف انتشر الوعي الوطني وتحول الى نهج قومي، ووجد ان هناك ثلاثة موجات قومية متتابعة. فهناك لغة (الكريول-Creole) التي ارتبطت بثورات شعوب المستعمرات الأمريكية (وتعني في اللغة الاسبانية الشخص الأمريكي اللاتيني من أصول أوروبية) وهي بالتالي اللغة القومية المرتبطة بأوروبا الغربية، ثم هناك القومية (الرسمية) المرتبطة بشعوب أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية وترتبط بها ايضاً الحركات الآسيوية والافريقية المناهضة للاستعمار.
ويصل أندرسون الى اهم استنتاجاته حين يذكر ان رواد القومية كانوا من بين تلك المستعمرات الأمريكية. ويعتبر اندرسون ان بروز القومية جاء نتيجة محاولات اسبانيا لتوسيع سيطرتها ونفوذها في الوقت الذي كانت فيه القارة الأمريكية الجنوبية مقسمة الى مقاطعات كوحدات إدارية محددة والتي كانت كصيغة مسبقة للدول الحديثة التي ظهرت في افريقيا وبعض أجزاء آسيا في منتصف القرن العشرين.
كانت أولى الوحدات الإدارية الأمريكية الأصلية تتشكل بطريقة تعسفية وعفوية وعلى نحو طارئ من حيث التخطيط ورسم الحدود والتي كانت خطوطها تعكس الاجتياحات العسكرية على الأرض، ولكن مع مرور الزمن استطاعوا تطوير حقائق أكثر واقعية وثباتاً وذلك تحت تأثير العوامل الجغرافية والسياسية والاقتصادية. ولقد ساهمت عمليتان ضروريتان في تشكيل وصياغة الوعي القومي،
اولاً: حين وجد المنحدرون من المستوطنين الأوائل ان هوياتهم القومية تتوافق مع المقاطعات الاستعمارية التي ميزتهم عن أقرانهم من المنشأ الأوروبي،
وثانياً: جاء ظهور الطباعة في المجتمع الرأسمالي الذي جعل من انتشار الجرائد امراً ممكناً، وضروريا فيما بعد، حيث التقت واجتمعت على صفحات تلك الجرائد قضايا الناس ووجهات نظرهم وتطلعاتهم بطريقة يومية واعتيادية وغير سياسية وحولتهم الى جماعة، كونت منهم جماعة متخيلة من القراء المتابعين للأحداث ثم ما لبث ان لحق بحياة هؤلاء الناس، وكما هو متوقع، الموقف السياسي الساعي للدخول كعنصر مكون في المشهد العام.
ولعبت اللغة العامية دوراً حاسماً في الصياغة الأولية للوعي القومي، ولكن حالما أصبحت القومية الناشئة نموذجاً موجوداً لم يعد من الضروري ان تعيد القوميات الجديدة انطلاقتها من نفس تلك المقدمات. لقد ارتبط ظهور القوميات بالجماهير الشعبية، التي استخدمت كأدوات من قبل المحافظين والرجعيين لتحقيق اهدافهم وكذلك من قبل ببيروقراطيي الدول التي لم تعيش مجتمعاتها تجربة شعبية ناجحة.
يقول اندرسون ان الحركات القومية المناهضة للإمبريالية والتي بدأت في تأسيس دولها الحديثة بعد عام 1945 تميزت بحيازتها على الميزتين معاً، ولهذا نلاحظ غالباً ان السياسات التي تهدف لبناء القومية في الدول الحديثة تتضمن كلا الجانبين، الحماس الشعبي القومي الأصلي الى جانب الجهود المنظمة والميكيافيلية لغرس الأيديولوجية القومية من خلال وسائل الاتصال الجماهيرية ونظم التعليم والإجراءات الإدارية.
لقد استطاع اندرسون أكثر من أي مفكر سابق ان يثبت ان ظاهرة القومية تكونت تاريخيا، ولم تكن نتاج للطبيعة كما انها ليست ظاهرة أبدية. ويقدم اندرسون امثلته بهذا الخصوص من تجارب شعوب بورما وتايلاند واندونيسيا والتي نادرا ما يتم تداول هذه الأسماء كأمثلة عند مناقشة مسألة القوميات. وكان لكتابه (الجماعات المتخيلة) وقعا كبيراً ومباشراً عند صدوره، ووجد فيه
بعض الماركسيين عملاً مفيدا يقدم ردوداً وتوضيحات حول الأيديولوجيات التي يمكن ان تثير أسئلة عن الهويات والكيانات والحداثة.
يقول (اندرسون):”ان أهم عاملين والأشد تأثيراً في تكوين القوميات والأعراق هما باختصار الاتصالات والهجرات الجماعية.
ان الصلة بين الوعي القومي والرأسمالية هو أوسع شمولية، ويمكن القول ان الفترة التي استغرقت ليصبح الوعي القومي هو الوعي المهيمن امتدت الى قرون من الزمن، مثلما تطلبت نفس تلك الفترة الزمنية ليصبح نمط الانتاج الرأسمالي هو النمط المهيمن في الإنتاج.
هناك أربعة عوامل متفاوتة من حيث تأثير الرأسمالية على المجتمع الإقطاعي،
العامل الأول هو وجود حدود خارجية للمناطق التي يربطها النشاط الاقتصادي من الداخل، لقد برزت أوروبا من الأزمة الأولى للعالم الاقطاعي في أواخر القرن الخامس عشر باعتبارها منظومة من الدول التي يهيمن عليها نمط الإنتاج الاقطاعي والذي تمكن من التكيف مع الرأسمالية التي كانت تتطور حينها في مجال التوزيع أكثر من تطورها في مجال الإنتاج، لأنه مع توسع وتقدم الشبكة التجارية تمكن الرأسمال التجاري والذي اطلق عليه (النظام المركنتلي-المركنتلية) من ان يربط الجماعات الريفية المبعثرة مع بعضها البعض، ثم جعلها ترتبط مع المراكز المدنية لتكوّن بمجموعها سوق محلية واسعة.
اما العامل والمكون الثاني للتطور المرتبط بنشوء هذه السوق فهو تبنّي لغة مشتركة من قبل تلك الجماعات وهي توسع علاقاتها مع بعضها البعض على المستوى الاقتصادي.
ان الحاجة الى التواصل من اجل التبادل في السوق أدت الى خرق كل الحواجز بين اللهجات المحلية ونشوء الحاجة لصياغة لغة مشتركة مفهومة من قبل الجميع، ووضعت اللغة بهذا المعنى الإطار الذي يضم تلك الشبكة الاقتصادية المذكورة والذي قد لا يتطابق بالضرورة مع حدود الممالك التي كانت قائمة اثناء العصور الوسطى.
ان عملية نهوض الوحدة الاقتصادية المتشكلة حديثاً وانعكاسها على وحدة اللغة كانت أكثر فعالية داخل الممالك الصغيرة التي تتميز بمركزية الحكم، فكان حصولها داخل انكلترة على سبيل المثال أكثر سهولة من حصولها داخل المناطق المترامية الأطراف للإمبراطورية الألمانية.
لقد توافق رسم الحدود بين تلك الدول مع لهجاتها اللغوية الخاصة بكل منها. وكان استنتاج (اندرسون) صحيحاً حول دور اكتشاف الطباعة في صياغة وتشكيل اللغات المعاصرة ونشر مفاهيم الوعي التي نجمت عن التدوين الجماعي للغات بواسطة الطباعة بحيث توسّع نطاق تأثيرها خارج حدود اللهجات المحلية الضيقة لأن عملية الطباعة لم تكن قادرة على تلبية حاجة جميع اللهجات المحلية المحدودة الامكانية وضرورة ايجاد صياغة قادرة على أداء تلك الوظيفة المستجدة والبدء بتشكيل اللغات الرسمية والتي بدورها أدت الى تفعيل النشاط الرأسمالي داخل الوحدات الاقتصادية التي أنشأها الرأسمال التجاري.
ان الشبكات التجارية الأولية التي حددت في الأصل المناطق التي انتشرت ضمنها مفاهيم لغوية واحدة بفعل نشاط التجار ممن اخذوا يحددون هوياتهم عن طريق مناطقهم التي يعيشون فيها وبالتالي يستثنون خصومهم من التجار ممن يتحدثون لغة مختلفة.
لقد رافق بروز اللغة العامية انحداراً في استخدام اللغة اللاتينية واستمرت هذه العملية حتى وصلت الى نهاياتها في منتصف القرن السادس عشر.
اما العامل الثالث فيتعلق بخصائص الدولة الدكتاتورية المطلقة، وهو الشكل الذي ورثته الدولة الاقطاعية بعد التحول الاقتصادي من الاقطاع الى الرأسمالية، وحين أخذت السلطات القضائية المحلية تفسح المجال امام سلطة الدولة المركزية لتجهيز جيوشها النظامية، بالإضافة الى ما سوف يتطلبه تجهيز تلك الجيوش من مداخيل مالية ونظام ضريبي مركزي. هكذا نجد ان (الموت والضرائب)
يتطلبان بيروقراطية قادرة على صياغة لغة تكون مفهومة في كل انحاء تلك الدولة وهذا بدوره يؤكد الأهمية الضرورية للعامل اللغوي. لقد تركت هذه العوامل نتائج وان لم تكن مقصودة. فالنظام الضريبي بالإضافة الى تبني السياسات الميركانتيلية شكلا حافزاً لتثبيت الوحدة الاقتصادية التي كانت قد بدأت بالتبلور بعد ان ظهرت بوادرها بشكل عفوي من خلال نشاط التجار الرأسماليين.
اما العامل الرابع والأخير فيتعلق بالتعابير المحلية للمعتقد الديني العالمي. ان أيديولوجية الحكومة المطلقة تتطلب التأكيد على اعمال ونشاط الشخصيات الدينية كالقديسين مثلاً الذين اقترنت أسماؤهم بعوالم وممالك خاصة بهم حتى مجيء حركة الإصلاح الديني، وحينما أصبحت البروتستانتية بعد عام 1517 الديانة المهيمنة داخل مقاطعة ما، لتساهم في تشكيل وعي قومي عندما أخذت تسمح للجماعات الدينية بان تعرّف نفسها بكونها تقف ضد مؤسسات الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ومؤسسات الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولكن هذا كان يتوقف على وجود وتوفر الكتاب المقدس باللغة المحلية وبالتالي على مدى توفر الأطر اللغوية التي كان يجري بها تنفيذ عمليات التبادل في الأسواق او الاجراءات المتعلقة بإدارة الدولة.
لقد لعبت البروتستانتية دور المحفز للوعي القومي ولكن ضمن الحدود التي كان يسمح بها التطور الرأسمالي. ووصلت هذه العملية حينذاك الى مداها في بريطانيا وهولاندا حيث ساهم الوعي القومي الناشئ في بروز حركات سياسية تطمح الى القيادة كما حصل اولاً في أمريكا الشمالية ثم في ايرلندا وفرنسا والتي قادت طموحات الشعوب الأخرى نحو إنجاز السيادة الوطنية وان كان مستوى تطورها الاجتماعي لم يكن يسمح بعد لنشوء وعي قومي. لقد أدت الثورات البرجوازية الى جعل مصطلح “الأمة” يعبر او يقابل مصطلح “الشعب” الذي يشير الى كونه “جماعة”.
ان النضال ضد السلطة المطلقة يتطلب تعبئة الجماهير لإنهاء حكم السلالات الملكية وهذا يستدعي تكوين هوية من نوع آخر تكون قادرة على استيعاب كل القوى المختلفة التي تعارض التاج الملكي، وبغض النظر عن كون الحاكم هو شخص أجنبي كما هي الحال في سلالة (هابسبورغ) الاسبانية في هولاندا او كون الحاكم هو من انتاج محلي كما هي الحال مع سلالة (ستيوارت) في بريطانيا.
وصار التوجه القومي هو الحالة التي وفرت وقدمت تلك الهوية. وما كان بالإمكان ان يزدهر الوعي القومي لو لم تتوفر شروط التطور الرأسمالي الملائمة له. وتحولت الدولة القومية التي انجزتها الرأسمالية الى ظاهرة في النظام الدولي بين نهاية الثورة الانكليزية عام 1688 وبداية الثورة الفرنسية عام 1789 وتواصلت عملية ابتكار الأمم بعد ذلك بغض النظر عن توفر كل المكونات الأصلية، غير ان وجود البنية الاقتصادية واللغة المشتركة بقيا عنصران ضروريان لتثبيت الوعي القومي. لقد هيمنت الأيديولوجية القومية
على الجماهير في دولتين انتصرت فيهما الثورات البرجوازية قبل نهاية عام 1688، اي الثورة الهولندية والثورة الإنجليزية، وكان بروز الوعي القومي يتناسب مع درجة تطور جهاز الدولة المركزي، ولهذا يمكن اعتبار القومية الإنجليزية متقدمة على سابقتها الهولندية وكذلك على الثورة الأمريكية اللاحقة.
وبعد عام 1848 كان على الطبقات الحاكمة التي تتطلع لتكوين دولة على النمط الإنجليزي او الفرنسي ان تتبنى (القومية) لأن جميعهم من (اليونكرز البروسيين) و (الساموراي اليابانيين) و (الملكيون الايطاليون) بل وحتى (البيروقراطيون الستالينيون) كانوا
منهمكين في التعرف على كيفية بناء مجتمعات صناعية يهيمن عليها نمط الإنتاج الرأسمالي. بعد ان صارت الصناعة هي البنية الحديثة للمجتمع الرأسمالي أدرك العمال ان قدوم الرأسمالية لم يكن انحرافاً او شذوذاً بل هو وضع اجتماعي جديد يحمل معه أسبابه للبقاء ولأعوام مديدة قادمة.
ان استمرار هذا النظام واجباره الطبقة العاملة المتكونة حديثاً والمستغلة من اجل ان تتكيف وتتأقلم قسراً وهي تعاني من الشروط المجحفة التي تقيد حياتها، كإكراهها على تنفيذ العمل الشاق البليد من اجل بقاء أسرة العامل وضمان سلامة الحياة داخل نظام المصانع الوحشي. لقد اثارت تلك الأوضاع مقاومة العمال، ولكن النظام الرأسمالي الجديد جاء حاملاً معه وهمه الخاص بان لديه نظامه الدفاعي ايضاً.
في بدايته رافق نظام الاستغلال الرأسمالي فرض قواعده للانضباط الصارم. ان عملية الاستغلال الفعلي، أي حقيقة ان العامل ينتج أكثر من أجره، او أجرها، هو مشهد جرى اخفائه عن الأنظار، ومع ان العمال كانوا على علاقة عدائية نحو رئيسهم المباشر فان ذلك لم يؤدي بالضرورة الى تعميم معارضتهم وتوجيهها نحو النظام بأكمله. لقد نمت النقابات العمالية من خلال المقاومة التي كان يبديها العامل، وكان هدف تلك المنظمات (النقابات) هو تحسين ظروف الطبقة العاملة داخل النظام. والنتيجة هو التناقض الحاصل في شكل الوعي والذي يعبر عن نفسه في قبول العمال لنظام الأجور مع ما يرافقه من رفض لمستوى اجورهم الذي كانوا يتقاضونه ويمتد هذا التناقض ليشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية. يعيد النظام الرأسمالي انتاج القومية كحالة ضرورية لاستمرار وجوده، والقومية اساساً هي نتاج الثورة الصناعية انها نتاج التصنيع وليست مجرد أداة توظفها الطبقة الحاكمة في الدولة الصناعية الرأسمالية.
التصنيع والمدنية أنتجا معاً تغييراً في الوعي الاجتماعي مما سمح لاحقاً بوجود وقبول القومية بالنسبة للطبقات التابعة والمرؤوسة، وأنتجا ايضاً مجتمعات نظرت فيها الطبقة المهيمنة الى القومية كحالة ضرورية، لقد تطورت بنى اجتماعية جديدة تعكس الأنماط الجديدة للتجربة الاجتماعية وكل ما يتناسب مع تجربتها من ظهور حاجات اجتماعية جديدة، وما قد تفرزه هذه من حالات وأوضاع وازمات نفسية يعاني منها الشغيلة في مصانعهم او في منازلهم، وتستجيب القومية لهذا الوضع حين تطالب بتكوين إحساس جماعي بالانتماء من اجل التغلب على آثار الاغتراب في المجتمع الرأسمالي مع غياب الوعي الطبقي الثوري.
الدور الذي لعبته الطبقة الحاكمة في تعزيز القومية كان ممكناً لأن الأيديولوجية القومية وفرت المتطلبات النفسية والحاجة الى المشاعر الجماعية التي خلقتها الرأسمالية. وحالما تم تأسيس دولة قومية لجأ أولئك الذين يسيطرون على أجهزة الدولة الى تعزيز الدور القومي بين الناس ممن يسكنون تلك الدولة، فالدول تحتاج الى جنود في صفوف جيوشها وتحتاج الى مواطنين لدفع الضرائب، والى عمال يقتنعون بان لهم ما يشاركون به مستغليهم في بلادهم أكثر مما يشاركون به زملائهم المستغلين في الخارج. وأكد هذا على أهمية حماية قضية الولاء للدولة وان وسيلة الوصول لضمان الولاء هو الأمة.
منذ القرن الثامن عشر والعمال البريطانيون مطالبون باستمرار برفع معدلات الفائدة وفرض اقتطاعات على أجورهم وتقليص الخدمات المقدمة إليهم، ثم هم مطالبون ايضاً بالمشاركة في الحروب الامبريالية، ولا يجري ذلك تحت شعار من أجل (الرأسمالية البريطانية) بل من أجل (الأمة البريطانية) من أجل المصالح القومية. وليست الدولة وحدها من يطلق مثل هذه المناشدات، بل تنضم اليها منظمات الطبقة العاملة نفسها تحت تأثير الوعي الطبقي الإصلاحي والنقابي المدفوع باتجاه هذا الانسياق القومي، ويحدث ذلك بشكل أولي لأن التنظيمات العمالية لا ترغب في تحدي التوجه القومي الذي تجري ممارسة السياسة في اطاره خوفاً من توجيه تهمة اللاوطنية، ولأن كل الجهود المبذولة تتركز حول خدمة الدولة-القومية.
والقومية بهذا المعنى تستثمر التناقضات الكامنة في النظرة الإصلاحية للعالم. الماركسيون لا يمكن ان يكونوا قوميين ولا يمكن ان يؤيدوا القوميين، ولكن بإمكانهم تأييد مطالب قومية محددة او حركات قومية معينة وهذا الاستنتاج لا يرجع ل (اندرسون) فهو قد ذكر في كتابه (الجماعات المتخيلة):” في عصر تنتشر فيه بين التقدميين والمثقفين الكوزموبولوتيين (في أوروبا خصوصاً) نزعة الإصرار على الجانب المرَضيّ للقومية وان جذورها تنبثق من الخوف وكراهية الآخر، من المفيد ايضاً ان نذكر أنفسنا ان الأمة بإمكانها ان تلهم الحب الى درجة التضحية بالنفس”.
لا أحد يمكنه الادعاء بالوطنية الحقة وهو لا يشعر بالعار عندما تقترف بلاده وحكومته الجرائم بما فيها الجرائم التي ترتكبها ضد مواطنيها كما كان الحال مع احتجاجات الشعب الأمريكي ضد الحرب في فييتنام، وكما هي الحال اليوم في ثورات الشعوب العربية ضد الاستبداد المزمن…

Social Links: