الحديث عن الظاهرة الدينية، كظاهرة موضوعية ناجمة عن نظام مستبد، وعن واقع اقتصادي متخلف، وعن ظواهر أخرى موجودة في مجتمعنا، يستدعي الحديث عن البيئة التي أنتجتها، وهيأت لها الظروف المناسبة كظاهرة دينية بأشكال مختلفة.
ونعتقد أن التصدي لهذه الظاهرة لن يكون فقط عبر الصراع العسكري معها كما يرغب النظام وترغب بعض القوى الأخرى، فالصراع العسكري في ظل استمرار شكل النظام وبنيته وفي ظل الخلل الاجتماعي والاقتصادي يزيد من هذه الظاهرة ولا ينهيها.
وقبل أن نعرض رؤيتنا لشكل حل هذه الظاهرة، لابد من التأكيد أن شعار محاربة الإرهاب الذي اعتمده النظام كان مبرراً لقتل ثورة الشعب السوري، الشعب السوري الذي خرج للتصدي للاستبداد هو إرهابي برأي النظام، ومع الأسف فقد قتل مئات الألوف ممن لا علاقة لهم لا بالإرهاب ولا بالتطرف، وهناك الآلاف من المناضلين الموجودين في السجون هم ضد الإرهاب والتطرف، ومع الأسف فقد استطاع النظام لأسباب مختلفة أن يجد الدعم لمحاربة الإرهاب من قبل أوساط دولية مختلفة، وسيظهر لاحقاً أن قسماً كبيراً من نشاط الإرهابيين في أوروبا هو من فعل مخابرات الأسد، وبعد أكثر من مليون قتيل سوري بدأ يظهر لدى القوى الفاعلة في العالم أن محاربة الإرهاب يبدأ من إسقاط النظام القائم في دمشق ومن إخراج الميليشيات الإيرانية المتعددة الجنسيات من سورية، ومن طرد داعش والنصرة كظواهر مسلحة قاتلة من بلادنا.
في العودة لرؤيتنا للحل نرى أن الفكر لا يُقتل بالرصاص، الفكر يبقى ويظهر في أشكال مختلفة كما ظهر في سورية من القاعدة إلى دولة العراق والشام إلى النصرة وداعش وولاية الفقيه وحزب الله … الخ.
فالحل يبدأ أولا من ردم الهوة التي أوجدت الفكر المتطرف ويعني إسقاط الاستبداد ونشر الديمقراطية وتأمين حالة من العدالة الاجتماعية والاعتماد على الحوار من أجل الوصول إلى مجتمع مدني يؤسس لإنهاء الفكر المتطرف.
وأيضاً فإننا نعتقد أن التدين هو ظاهرة طبيعية في مجتمعاتنا، ومن الخطأ تجاهل وجودها، والسماح للإسلام السياسي بالهيمنة عليها والاستفادة عليها خطأ أيضاً وعلينا أن نتعرف جميعاً بأننا أهملنا فهم حالة التدين الموجودة لدى شعبنا بكل أوساطه ومعتقداته وتركنا الأشكال الأكثر تخلفاً في المجتمع التي تعتمد على التقاليد البالية والفكر المتطرف لتسيطر على الرأي العام ولم نجتهد في تفسير وتقديم أفكار حول التنوير الذي بدأ في أواخر القرن ما قبل الماضي والتي أجهضها التطرف والاستبداد.
يوجد العديد من المتنورين الدينيين ومن المجددين الموجودين في بلادنا وفي العديد من البلاد الإسلامية وهؤلاء يجب التعامل معهم واحترام آرائهم وتقديمها للرأي العام ليتم إعادة صياغة الرأي العام بما ينسجم وتأمين مفاهيم عصرية هي أساساً من صلب الأديان السماوية ولا تتناقض معها بل تعززها، وهي وحدها القادرة على طرد الأفكار المتطرفة وعلى تقديم الأفكار المعاصرة للإجهاز على البيئة المتطرفة ونوجز بأن التصدي للتطرف يجب أن يقابل بردم البيئة السابقة المنتجة لهذه الأفكار وبتنقية المفهوم الديني من الشوائب التي علقت به طوال القرون السابقة، ودون تنفيذ هذه المهمتين فلا نعتقد أننا قادرون على تدمير الإرهاب والفكر المتطرف وستبقى بلادنا دائماً عرضة لهزاتٍ تؤثر على الوحدة الوطنية وتحدُّ من تقدمها وتساهم في تفكيك المجتمع.

Social Links: