من الانفلات إلى التجريف: عن معمار المدينة العربية ومعيار الربيع العربي (مقترب انثربولوجي)(1/2)

من الانفلات إلى التجريف: عن معمار المدينة العربية ومعيار الربيع العربي (مقترب انثربولوجي)(1/2)

 

يحيى بن الوليد

من وجهة نظر “التاريخ الجديد”(1)، وعلى النحو الذي يحرّره من “التقيّد الكلاسيكي” بـ “أصنام السياسة”، هناك اتساع في مفهوم الأرشيف. ويشرح المؤرخ (المغربي) عبد الأحد السبتي الفكرة قائلا: “فالمصادر لم تعد تقتصر على المصادر الشفوية، بل أصبحت تشمل كذلك المصادر الشفوية، والمصادر المادية مثل المعمار والشواهد المتصلة بالحياة اليومية.

وهكذا يتم التكامل بين خزانة الكتب ودار المستندات والمتحف ذي المضمون الأركيولوجي والإثنوغرافي”(2). ولعل هذا التعريف هو ما يمكن اعتماده أيضاً على مستوى فهم “التاريخ الآني” وبخاصة من ناحية المعمار الذي هو موضوع بحثتا هذا. ذلك أن المعمار من المعايير الأساسية التي بموجبها يتشكّل المجتمع، والفرد، “أرشيفيا”. هذا بالإضافة إلى ما يشهد المعمار عليه من ثقافات تتخلّلها رموز ومعتقدات وإيديولوجيات… دالة على أنماط حياة بشرية كلية. ومن ثم منشأ الحديث عن التعمير أو التمدين (Urbanisme) أو أنماط من التمدّن (Urbanité).

والظاهر أن المثقفين والأكاديميين العرب لم يتفطّنوا، من منظوراتهم المخصوصة، وبما فيه الكفاية، إلى أهمية التعاطي للغم فكري في حجم “لغم المعمار” الذي لا يمكن للمعماريين من باحثين ومؤرخين وخبراء… الخوض فيه بمفردهم دون أن يفيد هذا أي نوع من التشكيك أو التنقيص في قدراتهم. ولا يبدو غريبا، في مجموع النظرة للموضوع، تسجيل نوع من “الثقافة الغائبة”، في هذا المجال. وهذا مع أن المعمار، ورغم كونه يقع في أساس التعمير، مرتبط، بشكل وثيق، بالمجتمع في جدلياته المتصادمة ومعاييره الخليطة في الأغلب الأعم كما في الحال العربية ككل. فالتعمير مرتبط بالمجتمع، وكلاهما يؤثر في الآخر عبر رزمة من “التحيّزات الثقافية” و”الأنماط السلوكية” المتواكبة في أحيان والمتداخلة ــ إلى حد الاختلاط والتصادم ــ في أحيان أخرى.

وكان المجال أو بالأحرى “اللامجال”، أو “اللامدينة في المدينة”، ضمن العوامل الأساسية التي أفضت إلى إشعال الحريق العربي في أواخر عام 2010. فالمدينة لم تكن مجرد مصاحب أو شاهد أو متفرّج على ما حدث… بقدر ما كانت في حد ذاتها بمثابة رمال ونيران وبركان… لما حدث. والمدينة بقدر ما يشكّلها البشر بقدر ما تشكّلهم. ولعلّ هذا ما حرصنا على دراسته في آخر بحث مصغّر لنا منشور هنا في “معهد العالم للدراسات” تحت عنوان “عن المدينة وأحيائها المعدمة في ثورات العرب الأخيرة: مقترب ما بعد كولونيالي عام”؛ ولذلك لا داعي للتكرار (3).

وأما في هذا البحث فنهدف إلى مواصلة دراسة الموضوع نفسه، الذي هو موضوع المدينة من ناحية صلاتها بالمعمار المفتّت، من منظور اقترابي محصّلاتي (من الحصيلة) لـ “معيار الربيع العربي” ذاته، دون تغافل عن خلفية موضوعنا (البحثية) وبخاصة من ناحية عدم التركيز على العامل السياسي بمفرده ومن منظور “فوقي” يتعالى على “فرن المعمار” بنتائجه الكارثية على مستوى السياسية والاجتماع والثقافة… وعلى مستوى تعطيل عمل المدينة وتدبير إمكان العيش “الهوياتي” المشترك.

وفي هذا السياق لا نملك إلا تثمين فكرة لافتة لأحد أبرز رواد الفكر المعماري العربي المعاصر وهو المعماري الأردني/ الفلسطيني الشهير راسم بدران في دعوته إلى “ربيع معماري عربي” وفي المدار ذاته الذي يركّز على ضرورة تناسب الأبعاد الاجتماعية والثقافية والبيئية في العمارة العربية. ودعوى ربيع معماري عربي لا يمكنها إلا أن تكون في حدّ ذاتها إشكالية كبرى لمقاربة بيْنية أو متعدّدة أو متضافرة التخصّصات… وضمنها مقاربة “التحليل الثقافي” المرن التي نأخذ بها على نحو يشرك معارف ومناهج ونظريات… في التحليل ذاته. فالتمدين المنفلت يفرز “ثقافة معادية”، وموسِّعة لدغل هذا التمدين… مع ملحوظة تفرض ذاتها ومفادها أن هذه الثقافة لا تقدّم أنساقها بشكل واضح، لكن رسائلها (العملية والآكلة) تظل “شاخصة” كما هو الشأن بالنسبة لثقافة جماعات المتسوّلين في القاهرة (4). وفي هال أخرى من غير حال العرب، لكن في سياق التمدين المنفلت ذاته، يمكن الإشارة إلى مصطلح “ثقافة الكراهية” الذي استخدمه وزير الداخلية الفرنسي لـ “وصف” أحداث ضواحي باريس لعام 1998(5). وهو ما سيتمّ استبداله بتوصيف أرعن هو “الهوية الاجتماعية والإثنية لرعاع الضواحي” في إثر الأحداث العنيفة للضواحي عام 2005. وكان لنيكولا ساركوزي، الذي سيغدو رئيساً لفرنسا بعد عامين لا أكثر على اندلاع الأحداث، إسهامه في هذا “الكليشيه” المنتظم ضمن الحرب الثقافية وليس الآلة السياسية بمفردها.

ومن وجهة نظر تاريخية فإن الفعل الذي أقدم عليه البوعزيزي (المواطن التونسي البسيط من قبل والأيقونة العالمية من بعد)، حين أحرق ذاته في 17 ديسمبر 2010 وعلى النحو الذي فجّـر الحراك الثوري العربي بعامة، جاء في سياق تراكمات سابقة وتضحيات متشابهة… وذلك كلّه سواء في تونس أو في غيرها من البلدان العربية التي لم تسلم من نيران الحراك الثوري، غير أن هذه التراكمات والتضحيات لم تبلغ “حدّ القطيعة”(6) كما ترجمها فعل البوعزيزي. ومعنى ذلك أن دور البوعزيزي، على مستوى تفجير الحراك العربي، هو دور “العامل” في ظل بنيات متيبسّة ومتصلّبة نتيجة “سيرورة طويلة الأمد”(7).

وبما أن الثورات العربية ليست مجرد برق لاح في السماء أو مجرد قوسين في التاريخ (كما يقال)، وبما أنها كانت نتيجة “أمد طويل”… فإن الرهان على مكاسبها سيكون، بدوره، نتيجة أمد طويل أو نتيجة “سيرورة ثورية طويلة الأمد” لا بد من أن تكون معزّزة بمقاربات عميقة وبنقاش عام جاد ومسؤول. ثم إن ما أسميناه أو بالأحرى إن ما يجمع كثيرون عليه تحت مسمّى “التمدين المنفلت”، في “المجتمع الموازي” (Société Parallèle)(8) تعيينا، ومن حيث هو مجتمع من غير مجتمع المثقفين والأحزاب والنقابات والتنظيمات الشعبية… وغير ذلك من أنماط التمثيل السياسي التي تتأطر داخل المجتمع المركزي أو الرسمي أو المرجعي أو الحكومي… وفي المدار ذاته الذي أفضى إلى التجريف المعماري، هو ما لا يكترث به الأكاديميون والمحللون والخبراء والكتّاب والشعراء وأهل الفن. لقد تمّ التشديد على الواجهة السياسية وبخاصة من ناحية الدستور أو “الدستورانية”. وكان من المفهوم أن يتمّ التشديد على هذه الواجهة؛ ذلك أن السلطان العربي، ومن منظور “الآداب السلطانية”، لم يكتف بـ”ظل الله على الأرض” في ظل “الدولة السلطانية”؛ ولم يقتنع حتى بـ”ما لله لله وما لقيصر لقيصر” وذلك حين حوَّل كل شيء كما ذكّرنا الكاتب الأردني خيري منصور في عزّ الحراك. والحصيلة: محو الدولة ذاتها، وشطب العمل السياسي (برمتـِّه)، بل شطب العلوم الاجتماعية التي يمكنها هي الأخرى تعميق النقاش بخصوصها.

إلا أن ما سلف، وعلى أهميته البالغة، لا ينبغي أن يفضي إلى تلخيص النقاش في الدسترة وعلى النحو الذي بموجبه تغدو الثورات رديفا للدسترة. ذلك أن الدستور “إنما هو إطار للعمل، ووسيلة إضافية للمزيد من تنظيم الجماهير وتعبئتها ضد الاستعمار الجديد”(9) كما قال الثائر المغربي المهدي بن بركة في عز سنوات الغليان الإيديولوجي ومقابلتها الجارفة “سنوات الجمر والرصاص” وفي فترة (1962) لم يكن فيها شيء يذكر قد استقرّ سواء في المغرب أو في كثير من البلدان العربية.

ثمة، إذن، مجال أوسع، وأصعب، يمكن تأطير الدسترة في إطار منه، دون إغفال تشابكات الديموغرافيا وإعادة الإعمار، وهو مجال “التحرّك نحو الديمقراطية” الذي يدعم بناء الدولة الحديثة التي تحمي ــ أيضا ــ من “الحروب الثقافية” التي تتأكد من خلال ألغام الطائفية والمذهبية والإثنية والقبلية والعصبية والجهوية والنزعات الانفصالية. والحرب الطائفية، مثلا، وباعتبارها أخطر ما يكون ضمن هذه اللائحة، تبدو في بنية أنظمة بلدان عربية بسبب من التعددية (الدينية والمذهبية والإثنية والثقافية) التي تتصف بها هذه البلدان. وذلك كلّه متوقف على تدبير التعدد والاختلاف. وكما يقول الدارس الهندي ديبيش شاكرابارتي (Dipesh Chakrabarty): “لقد أصبح مفهوم التعددية اليوم بارزاً في الديمقراطيات أكثر من مفهوم التنمية”(10). والديكتاتور لم تكن تهمّه التعددية أساسا أو إن التعددية الوحيدة التي كان يقبل بها هي التعددية الشكلية والتابعة. ولعل ما كشف الحراك عنه هو هذا النوع من التطلّع نحو “ثقافة مغايرة” لثقافة الإذعان والإخضاع والتفتيت اليومي.

متظاهرة ضد حكم الرئيس الليبي السابق معمر القذافي

                                      متظاهرة ضد حكم الرئيس الليبي السابق معمر القذافي

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply