الاستبدال والإحياء ــ فالح عبد الجبار

الاستبدال والإحياء ــ فالح عبد الجبار

 

التوتاليتارية: الفصل ٤

انتهى السجال الذي دار في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، والذي رسمنا خطوطه العريضة، إلى تضييق صحة مفهوم التوتاليتارية، وفقذ اللفظ طبيعته الجامعة، هابطأ من كونه مقولة اساسية في علم السياسة إلى كونه مفهومآ فرعيا من الأنماط السياسية المثالية حاذر معظم علماء السياسة استعماله. غير أن السجال توسع مع مزيد من الاضافات الآتية من علماء ماركسيين، وغير ماركسيين من دعاة السلام، ممن رأوا المنافع السياسية التي اجتناها دعاة الحرب الباردة من مساواة آلمانيا النازية بروسيا ما بعد ستالين، وامتنعوا عن استعمال اللفظ كليأ باعتباره غير علمي. ويصف (شابيرو) فى شيء من التفصيل سوء استعمال اللفظ والإفراط في استعماله في هذا المجال وهكذا فعلى الجبهة الماركسية صنفت الأنظمة القومية التوتاليتارية باعتبارها فاشستية. وبدلآ من القسمة الثنائية القديمة بين التوتاليتارية والليبيرالية، اقترحوا ثلاثيأ يشتمل على الفاشية؛ والاشتراكية، والرأسمالية.

نشأت داخل المعسكر ما بعد التوتاليتاري الذي تطور في ثمانينيات القرن العشرين مقاربة جديدة ذات منحى تاريخي مقارن دقيق ساعدت على بروز تيارات عدة: أحد هذه التيارات نبذ مفهوم التوتاليتارية

تمامأ، واختار “نظرية التقارب”، التي من شانها ان تفسر ١لتغيّر والإصلاح في الاتحاد السوفياتي باعتباره من نتائج التصنيع نفسه، واعتبار العصر الصناعي ظاهرة كلية تعمل على التجانس. كان هذا انسحابا مريحأ بامتياز. حتى (بريجنسكي)، وهو مؤتف مشارك ل (فريدريش) في كتاب “الدكتاتورية التوتاليتارية وحكم الفرد”، انضم إلى هذا التيار، وترك فريدريش، شريكه السابق وحيدأ تقريبآ.

التيار الثاني النابع عن مصادر متنوعة، والمتمثل أساسأ باعمال (خوان لينتز) و (الفرد ستيبان)، اعاد استعمال لفظ “التوتاليتارية” وابتكر لفظ “ما بعد التوتاليتارية”، لبلورة تصنيفات أكثر مرونة ودقة. من ذلك أن لفظ “التوتاليتارية” رافق جنبأ إلى جنب لفظ “تسلطية” في تفحص (لينتز) لنظام حكم اسبانيا في ظل الجنرال (فرانكو). وما يميز النمط المثالي للتوتاليتارية عن النمط المثالي للتسلطية انما هو (على ما لاحظنا في الفصل السابق) وجود تعددية في المؤسسات، ودرجة معينة من التسامح مع الآراء المعارضة، وانعدام الحزب الأيديولوجي في النظام الثاني. وفي معنى من المعاني يمكن اعتبار التسلطية واقعة في مكان ما بين النمطين: التوتاليتاري والديموقراطي.

وقد أدى عمل (خوان لينتز) الاحق على اوروبا الوسطى ما بعد الشيوعية واميركا اللاتينية الى توسيع افق المقارنات، لكنه لم يطرح التوتاليتارية. قبل (لينتز) تقييد (شابيرو) لحدود التوتاليتارية باعتبارها مرحلة انتقالية، في الانقطاع عن الديموقراطية او في تطور التسلطية. وبدلأ من أن يتخذ قسمة ثنائية جديدة بين

الديموقراطية والتسلطية، وسّع تصنيفه من الأنماط الأوروبية ليشمل أنظمة توجد في بقية أنحاء العالم، كالأنظمة التقليدية، والسلطانية، والتقليدية التسلطية، والتسلطية الحديثة، والتوتاليتارية، وما بعد التوتاليتارية. لا بل صنف التوتاليتارية إلى آصناف فرعية كالتوتاليتارية الحقيقية، و”التوتاليتارية المعطلة” (وهي نسخة عن شبه التوتاليتارية التي اقترحتها آرندت لوصف النظام الإيطالي)، ولذا يمكن اعتبار (لينتز) مننظرأ لكل من التوتاليتارية والتسلطية.

معنى هذا الثلاثي الأوروبي الجديد (الديمقراطية – التسلطية -التوتاليتارية) لا يكمن في الحاجة إلى تصنيف التوتاليتارية في وصفها مختلفة عن النظام الديموقراطي، بل لتمييز مختلف أنواع النظم غير الديمقراطية، وفوق كل شيء فصل أنظمة التعبئة الجماهيرية/ الواحدية عن النظم التعددية/ البيروقراطية. وعلى المستوى الأخلاقي قد تبدو الأنظمة التسلطية أقل أذى نسبيأ. فهي تقع ني مكان ما بين التوتاليتارية والديموقراطية وبفضل الجهود الدقيقة التي بذلها شابيرو، وباربر، ولينتز، وستيبان، وسواهم في مجال تصنيف الأنماط، احتفظ مفهرم التوتاليتارية بمكانة ثانوية في العلوم الاجتماعية؛ وهذه المكانة الثانوية موضوعية ونافعة.

والتوتاليتاريون المحدودون يظهرون كيف أن هذا النمونج إنما هو مرحلة في سلسلة متصلة، لحظة نابعة من أزمة أوروبا ما بعد الحرب العالمية الأولى، ووضع كان مشحونا بالكثير من البدائل الأخرى.

وثمة خدمة أخرى اسداها باربر، وشابيرو، ولينتز، من جملة مؤلفين آخرين، وهي إظهار الطييعة النسبية والمرنة لهذا النظام.

ولا بد لأي تنظير يحاول التقاط جوهر التوتاليتاري، إذا جاز للمرء أن يتحدث عن “جوهر” هنا، من أن ياخذ في الاعتبار ديناميكية النمونج التوتاليتاري. بعبارة أخرى، ينبغي ألا يمثل الجوهر في اعتباره “معطى” منطقيأ، بل بنية دفاقة.

وسرعان ما تشكل معسكر تسلطي خالص، أفضل ممثليه (آموس برلمتر) في كتابه ” التسلطية الحديثة: تحليل مؤسساتي مقارن – Perlmutter, Modern Authoritarianism “، منتقد لنتز. فقد طهر برلمتر التصنيف السياسي من “التوتاليتارية” وأصبحت التسلطية في نظريته هي النوع الكلي الوحيد النقيض للديموقراطية، اوهي القسمة الثنائية القديمة التي سادت في خمسينيات القرن العشرين في حلّة جديدة. وبغية تفادي مثل هذه الثنائية المانوية، يعالج برلمتر التسلطية باعتبارها نوعآ يدلّ على كوكبة، أو

انواع فرعية من مختلف الأنظمة غير الديموقراطية. وهذه هي: النمونج البولشفي (روسيا)، النموذج النازي (المانيا الهتلرية)، النموذج الفاشي (إيطاليا في عهد موسوليني)، والنموذج التعاونيCoorporativ )البرتغال في ظل سالازار، وإسبانبا في عهد فرانكو، والدكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية)، وأخيرا النموذج العسكري البريتوري (القائم في البلدان النامية غير الديموقراطية) ثمة طبعأ نماذج تسلطية، لكن (برلمتر) يفرط هذه المقولة لدى تطبيقها بحيث يجعلها غامضة، أو غير قابلة للتطبيق. والواقع أنها تستعمل لوصف معظم الأنظمة السياسية المفتقدة إلى حكومات تمثيلية منتخبة دستوريا، من الملكة العربية السعودية إلى أميركا اللاتينية إلى مشيخيّات الخليج القبلية. إن انعدام التمايز كان النقد الذي وجهه برلمتر بحق إلى المفكرين التوتاليتاريين؛ والمفارقة هي أن بديل (برلمتر) يعاني هذا العيب نفسه.

في حقبة ما بعد الحرب الباردة، ولّد انهيار “المعسكر الاشتراكي”. في اوروبا الشرقية، وتفكك الاتحاد السوفياتي، اهتماما متجددا بفكرة التوتاليتارية، وصفه ليئتز وآخرون ب “الانبعاث المستغرب”. في صفوف العلماء والناشطين الاجتماعيين، النين وجدوا المقاربة التسلطية غير ملائمة لتحليل النظام السياسي الذي عاشوا في ظله وعانوا منه. لا بل إنهم وجدوا الفكرة بمثابة مفهوم يشرعن ذلك النظام ويدافع عنه وتستحق إحدى الدعوات البارزة إلى إعادة الاعتبار إلى هذا “الرفيق” القديم، اي التوتاليتارية، ان تورد هنا:

“أدرك تمامأ، كما كتبت (فراسواز فورية)، ان مفهوم التوتاليتارية ليس مقبولآ بصورة كلّية، لكن ما زال يتوجب على ان اكتشف مفهومأ انفع في تعريف انظمة تفتيت المجتمعات المؤلفة من افراد مجرّدين بصررة منظمة من روابطهم السياسية وخاضعين للسلطة “الشاملة”، لحزب ايديولوجي وزعيمه، وبما اننا نناقش نمطآ مثاليأ، فلا مبرر لاعتبار هذه الأنظمة متماهية، او حتى قابلة للمقارنة من كل وجه…. ”

لقد رأينا لدى تفحصنا الأدبيات المتعلقة بالتوتاليتارية في فترة ما بعد الحرب، نشوء ثلاث مدارس: مدرسة الحد الأقصى، مدرسة الحد الأدنى، والمدرسة اللاتوتاليتارية. مدرسة الحد الأقصى قامت بتطبيق التوتاليتارية على ألمانيا، وايطاليا، وروسيا، وحلفائها ومقلديها: إسبانيا، والبرتغال، ورومانيا ما قبل الشيوعية التي قلدت النموذج الإيطالي أو الألماني؛ أمم أوروبا الشرقية الشرقية “الاشتراكية” بالإضافة إلى الصين، كوبا وسواها، التي اتبعت، الى حد ما، النمونج الستاليني. أما اللاتوتاليتاريون فقد طرحوا

المفهوم جانبا باعتبارغير علمي، واستعاضوا عنه بمصطلح التسلطية.

وبين الاثنين قصّرت مدرسة الحد الأدنى تطبيق المصطلح على ألمانيا النازية، وايطاليا الفاشية، وروسيا الستاليتية. وفي صيغة محدودة اخرى للحد الأدنى، تمّ تحديد إيطاليا بوصفها حالة توتاليتارية فاشلة او “معوّقة”. نحن نميل إلى هذا الرأي الثالث.

  • Social Links:

Leave a Reply