خواء ابنة دوبريه عشية الذكرى الخمسين لغيفارا –  ديمة الشكر

خواء ابنة دوبريه عشية الذكرى الخمسين لغيفارا – ديمة الشكر

 

منذ أيام قليلة – بعد خمسين عامًا من مقتله – احتفى العالم برمته بأشهر ثائر في القرن العشرين: أرنستو تشي غيفارا. وفي بوليفيا نفسها، حيث قضى غيفارا، اهتم الرئيس البوليفي إيفو مورالس بألا تمر ذكرى غيفارا من دون احتفاء يستحقه تشي ولا شك، بل إنه لم يتورع عن التصريح بمسؤولية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عن تعذيب غيفارا وقتله.

 

وطفحت وسائل الإعلام بمقالات وتحاليل شتى عن مسيرة غيفارا، وظروف مقتله، وأيامه الأخيرة معسكِرًا ومعانيًا مع رفاقه من الجوع والعطش في براري بوليفيا الاستوائية، غير بعيد من نهر نانكاهوازوز.

 

ثمة لهذا المعسكر / النواة، مرشدٌ يشرح آثار الإقامة الأخيرة للثائر الشهير، وثمة في إحدى كتب رفيقه الفرنسي، المفكر اللامع ريجيس دوبريه، وصف للمكان: “معسكر مركزي كما لم يوجد مطلقًا من قبل، ولا بأي مظهر، في أي حرب عصابات في أميركا اللاتينية”.

 

وفي مناسبة خاصة، نشر دوبريه في الأوبز الفرنسية، مقالًا عن رفيقه تشي تحت عنوان: “تشي غيفارا عاشق الكتب”. المقال في أصله مهدى للمكتبة الوطنية في بوينس آيرس تحت رعاية الكاتب الشهير ألبيرتو مانغويل ودورها في التركيز على الجانب الثقافي لغيفارا. وفيه يسلّط دوبريه الضوء على هذا الجانب من الثائر، ويبيّن فعل الإعلام وتأثير الصورة: “ثمة مفارقة في انقلاب العقليات، فقد صار المرئي يهيمن من الآن فصاعدًا على المقروء.

كان تشي قارئًا عظيمًا، ورجلًا كاتبًا، لكننا لم نعد اليوم نقرأ نصوصه النظرية في الاقتصاد والمجتمع، بل إن هيئته المرئية، هي التي غدت كلية الحضور.

 

الرجل الانطوائي، الذي لطالما اتخذ من الكتب رفاقَ طريق – من بينها “النشيد العام” لنيرودا- ولم يكن يهتم كثيرًا بالكاميرا، وكان أقل ما يمكن استعراضيًا، سيجد نفسه مقدسًا بكمٍ لا حصر له من الصور والتيشيرت والملصقات.

 

وإذ ساعدته الطباعة على العيش والتفكير (وكانت بمثابة الأساس للاشتراكية، مع عمال المطابع الذين شكلوا القلب النابض لهذا التقليد القديم)، إلا أن التصوير هو ما أبقاه حيًا عند الشباب في العالم.

 

لمجال الفيديو ميزة تخليد ذكرى الراحلين الكبار، بأقل تكلفة. بيد أن له عيب استبدال شخصية بأيقونة، عبر تغيير معنى كلمة أسطورة. فاللفظ في أصله (اللاتيني) يشير بمعناه الدقيق إلى (ما تجب قراءته) لكنه اليوم يتضمن كل ما تقع عليه العين، ويعرف كيف يكون مرئيًا”.

 

ويمكن القول إن تركيز دوبريه على غيفارا عاشق الكتب، قد يكون انعكاسًا لهواجس دوبريه، المفكر الحقيقي في ما يخص دور الثقافة، إذ هو صاحب الإنتاج الغزير والأصيل (كتابان تقريبًا في العام)، مالئ الدنيا وشاغل الناس في فرنسا، والذي تتحول إصداراته ومقالاته وحواراته حدثًا ثقافيًا بامتياز، نظرًا إلى قوة النقد فيها، واستجابتها الخاصّة لعصر السرعة والعولمة والقلق الذي نعيش فيه، ورهاناته التي يبدو أنها تصبّ كلها في اتجاه lمتشائم، من حيث هي تظهر كيف أن الرأسمالية المتوحشة ونماذجها الوفيرة في التسليع، صاحبة اليد العليا في كل شيء تقريبًا.

 

وربما ضمن منظور التسليع الكاسح، يمكن التوقف عند “لورانس دوبريه”، ابنة ريجيس من الكاتبة الأنثروبولوجية الفنزويلية إليزابيث بورغوس، وقد أصدرت في ذكرى خمسينية غيفارا كتابًا عن أبيها – وأمها بصورة أقل – بعنوان : “ابنة الثوار”.

 

وجدت لورانس في الذكرى الخمسين لمقتل غيفارا، “فرصة” ممتازة، كي تقول رأيها في ما يخص اتهام دوبريه من قبل المخابرات الأميركية أولًا، وحسّاد كثر ثانيًا، بأنه كان وراء الوصول لتشي وقتله وتعذيبه. فتدافع عن أبيها ولو متأخرة فعلًا، إذ إن الاتهام تم تفنيده بأقلام عديدة، وقد استفاض إديوي بلينيل – بمناسبة خمسين غيفارا -، رئيس الموقع الإلكتروني الفرنسي الشهير، بسرد الأمر من ألفه إلى يائه.

 

غدت لورانس بين ليلة وضحاها، طريدة الإعلام، السعيد طبعًا، بسؤالها عن أبيها وطفولتها، وتأثير ذلك على تكوينها، واختياراتها المناقضة تمامًا لأهلها، فهي “ماكرونية” الهوى، متخرجة من المدرسة العليا للتجارة HEC، وعملت في المجال المصرفي في الولايات المتحدة الأميركية. ولا تخفي البتة إعجابها اللانهائي بالملك الإسباني خوان كارلوس، وقد كتبت سيرته.

 

أحب الإعلام لعبة لورانس هذه، فركّز كثيرًا على صورتها طفلة في العاشرة تحمل سلاحًا في معسكر شيوعي في كوبا. وهي لم توفر المناسبة لتقول “لم نكن نأكل الكورن فليكس، ولم نشرب الكوكا كولا لأنها منتجات أميركية”. من الصحيح أنها في الكتاب تذكر كيف أن الأيام التي قضتها في معسكر كوبا، تبعتها أيام في الولايات المتحدة الأميركية، “كي تقارن بنفسها”، وفقًا لقول أبيها لها، ومن الصحيح أيضًا أنها في حواراتها الوفيرة، أرادت شد الانتباه لنفسها، إلا أنها بدت مفتعلة، ويُمكن للإعلام الماكر والذكي أن يستهلكها ويلتهمها مرة وإلى الأبد.

 

ففي إحدى اللقاءات، قرأ لها محاورها من كتابها ما خطّته عن أبيها (وقد اطلع على مخطوط الكتاب): “إنه السنفور غضبان، المهموم بتراجع فرنسا، والذي أعماه الحنين. علينا أن نضع عليه بطاقة: منتهي الصلاحية بعد عام 2000”. فقالت إنها لم تقصده بشخصه. لكن حين سألها المحاور إن كانت تمل لكثرة ما يتحدث الناس عن أبيها، أجابت: “نعم أحيانًا وأفضل الحديث عن ملك إسبانيا”.

 

وهذا غيض من فيض عن طريقة التفكير التي تحكم عالم اليوم، من حيث هي تمثل إدانة شديدة للالتزام السياسي وحرية اختيار ما ليس “رأسمالية”. تبدو لورانس في كتابها وحواراتها، كمن يريد أن يدفن عصرًا برمته، وإن كانت لا تملك المعرفة ولا الموهبة ولا الكاريزما في نقد أبيها، ظهرت صورتها أقرب إلى صورة مهزوزة للـ”ماكرونية”، تلك الطريقة في الصعود السريع، والغرور والتبجح بالطبع، ثم الإقامة، عبر مكر الإعلام وقوته، في عكس خواء الروح وفراغها.

  • Social Links:

Leave a Reply