بين تتالي النص و تراتبية الزمن، كيف نسعى لتنتصر الثورة ؟ – د.سميرة مبيض

بين تتالي النص و تراتبية الزمن، كيف نسعى لتنتصر الثورة ؟ – د.سميرة مبيض

بين تتالي النص و تراتبية الزمن، كيف نسعى لتنتصر الثورة ؟
د.سميرة مبيض

جاء البيان الختامي للمؤتمر الثاني لقوى الثورة والمعارضة السورية في مدينة الرياض محققاً لما فرضته المطالب المحقة للشارع السوري حيث أكد على مغادرة بشار الأسد وزمرته ومنظومة القمع والاستبداد عند بدء المرحلة الانتقالية، تلا الترتيب النصي لهذه الفقرة أن ذلك جاء بالرغم من قبول المجتمعين البدء بمفاوضات مباشرة غير مشروطة أي دون فرض شرط رحيله مسبقاً للبدء بالمفاوضات. يبدو الترتيب الزمني الموافق للنص المحدد لهذه العملية منطقي فالوفد يقبل أساساً بمفاوضة النظام فهو موجود حُكماً. و هذا الأمر كان يفترض إيجاد مخرج له منذ بدء المفاوضات لكي تسير عجلتها سابقاً و لم يكن ذلك، لكن نجح هذا البيان بتجاوز هذه النقطة اليوم فاتحاً المجال للوفد بالبدأ فعلياً بالتفاوض. 

لكن بيضة القبان في هذا البيان و التي تشكل الفاصل بين مصلحة السوريين، جميعهم، و بين مصلحة الأسد و زمرته فقط، هي تتال نصي و زمني متعلق بفقرة تطبيق أهداف التسوية السياسية المزمع اطلاقها، و هي نقطة سجلتُ كموقعة على البيان تحفظي على كيفية ورودها في النص مع زملاء آخرين أيضاً. حيث يذكر البيان أن هدف التسوية السياسية هو تأسيس دولة ديمقراطية عاطياً الأولوية لصياغة الدستور و الانتخابات الحرة النزيهة ثم تَرِدُ عملية الانتقال السياسي الجذرية دون مشاركة كل من ارتكب جرائم حرب ضد السوريين. 

تجمع هذه الفقرة بين مسار جنيف و مسار سوتشي و المعضلة في ترتيبهما الزمني، فالثورة تطلب الانتقال السياسي ثم الدستور و الانتخابات و روسيا تطلب معرفة ما الذي سينص عليه الدستور أولاً ثم معرفة الحكم البديل لسوريا عبر الانتخابات ثانياً ثم إقرار الانتقال السياسي بناء على ما سبقه.

بالتأكيد كان الطريق الأسهل لنجاح الثورة هو في ترتيب نصي و زمني يحقق الانتقال السياسي أولاً لكن ذلك لا يعني أن المعارضة قد خسرت بإقرارها هذا البيان، على عكس ما يعتقده بعض مفكري الثورة و رموزها، و لكنه ليس بيان انتصار للثورة أيضاً بل هو في الواقع بيان السير في الطريق الأكثر مشقة دون وجود طريق غيره. 

فنجاح الثورة أو فشلها في استبعاد حكم الأسد للأبد سيعتمد بدءاً من اليوم على مقدرة السوريين على تأسيس دستور لا يحكم قبضة أي طاغية على مصيرهم و على الدخول بانتخابات يقدمون فيها بديلاً ذو مصداقية و كفاءة تجاه السوريين أولاً و تجاه المجتمع الدولي ثانياً. ذلك سيتطلب عملاً حثيثاً من كل من حمل راية الثورة المحقة و هي راية حرية و كرامة الانسان السوري و استحقاقه الحياة بدولة تحترم القانون و العدالة و حقوق الانسان و ليس من حمل راية الثورة لأي هدف آخر.

نستطيع اسقاط النظام ان تحققت هذه الشروط، ويستطيع النظام اسقاط الثورة عبر نفس هذه الأدوات أيضاً و هي الدستور و الانتخابات ان نجح بتمكين نفسه من خلالها أو ان نجح بأن يأخذ شكلاً آخر من أشكال الاستبداد بغير اسم و لون و نفس المضمون. بمواجهة هذه الخطورة علينا توظيف كافة المقدرات دون أن يجمِّد الثوار دورهم بأنفسهم برفضهم هذا المسار الزمني الذي يفُرض علينا كمسار وحيد، بل تحويل طاقتهم نحو المتطلبات الجديدة وعدم تركها للنظام وشخوصه المخفية و المعلنة.

تتطلب الاستراتيجية السليمة اليوم أن يعتمد كل وفد أو فرد يتواجد في الهيئة العليا للمفاوضات، باسم الثورة السورية على نجاح المعركة القانونية و ليس معركة السلاح حتى لو وجد باسم الفصائل أو العسكر أو تحت أي مسمى و أن تعمل الأجسام السياسية، المحسوبة على الثورة، على مستقبل سوريا و ليس على مستقبل كياناتها و الأحزاب المتضمنة لها لتحقيق مكتسبات لا تنتزع بسهولة بعودة التسليح المشروط أو بعودة التمويل المشبوه أو برغبة أي طرف بالعبث السياسي في سوريا مستقبلاً. 

لا يتوقف ترتيب النص و الزمن عند هاتين النقطتين فقط بل ترد مشاركة المرأة الفاعلة بنسبة لا تقل عن ثلاثين بالمئة ضمن سياق عملية الانتقال السياسي الجذرية مما يحتُّم على المدافعات و المدافعين عن حقوق المرأة السورية التيقظ لأن الدستور و الانتخابات غير معنيين زمنياً بهذا الشرط، لكن تتحتم الإشارة هنا الى أن المسافة بين واقع السوريات و بين المفهوم السياسي الحقيقي للنسوية لا زالت بعيدة و تحتاج للكثير من العمل المخلص. 

  • Social Links:

Leave a Reply