الاجتماع والسياسة من الخديعة إلى الانخداع – إبراهيم غرايبة

الاجتماع والسياسة من الخديعة إلى الانخداع – إبراهيم غرايبة

الاجتماع والسياسة من الخديعة إلى الانخداع

إبراهيم غرايبة

ماذا تفـــعل الدول والمجتمعات بعدما فقدت العمليات التنظيمية المؤطرة للعلاقات والقوى والحكم والمعارضة والتوجيه والتعليم والتــــوظيف جدواها ومعناها؟ الحال أن ما حدث ويحدث اليوم في الصراعات الداخلية هو عجز القلعة الحاكمة عن مواصلة إدارة المدن والمواطنين على النحـــو الذي استمر لأكثر من خمسة آلاف سنة، والواقع أن القلعة لم تعد قائمة، أو بوصــف أدق، فقدت كل أدوات السيـــطـــرة والتنظيم التي كانت تملكها؛ وسائل الإعلام والمعابد والمدارس والجــامعـــات والأسواق، لم يعد لديها ســـوى الأجهزة الأمنية، لكنها مؤسسات لم تكن على مدى التاريخ والجغرافيا قادرة على البطش والقمع من غير إسناد المؤسسات والموارد الناعمة، وغـــالباً فقـــد كانت للردع والتنظيم أكثر ممــــا هي للاشتباك الشامل والمواجهة مع جميع المواطنين، كان يكفي القلعة أن تلاحق المعارضة، ويجب أن تكون هناك معارضة في كل الدول والأنظمة السياسية، تلك ضرورة للحكم لتسلك المجتمعـــات والمدن وجموع الناس في طــريق واضح محدد كأنها في طابور مدرسي أو عسكري، لقد كانت كذلك بالفـعل فــــي نظام حياتها وعباداتها وما يصـــل إليهـــا من معرفة وأخبار وما تتــعـــلـــمه وتقرأه وفي أسلوب حياتها وبرنامجهـــا اليومي من الاستيقاظ إلى النوم.

لكن الأزمة لا تخص القلعة وحدها، بل امتدت إلى الأرباض التابعة والمحيطة، فهي أيضاً لم تعد تعرف كيف تدير علاقتها بالسلطة والأسواق وكيف تدير حياتها وأولوياتها، بل وكيف تفكر وتنظر إلى الأمور، فالمجتمعات اليوم تشبه قصة فتاة أبصرت بعد فترة طويلة من عجزها عن الإبصار، تقول في مقابلة صحافية إنها لا تستطيع أن تعمل أو تمشي أو تتناول شيئاً إلا إذا أغمضت عينيها وتحسست طريقها بيدها أو بعصاها، بل إنها صارت تشعر بخوف كبير عندما تسير في الشارع، وكانت تشعر بحرية وأمان أكبر قبل أن تبصر!

كانت السلطات تملك على نحو واضح أعداءها وأصدقاءها، وبناء على هذا السؤال الأساسي (من العدو ومن الصديق؟) تشكلت الجيوش والأجهزة الأمنية والاستخبارية والمؤسسات والأفكار والثقافة والإعلام والتعليم والفنون والموسيقى والدراما، بل والعبــادة والدين أيضاً! ماذا تفعل الدول والمجتمعات اليوم وهي لا تدرك على نحو واضــح ومحدد العدو والصديق، أو حين يظهر أن العداء لم يكن في الواقع إلا بين السلطات والمجتمعات!

لم تكن السلطة سوى غطاء لتحالف وتشكلات طبقية واقتصادية ومجموعة من المصالح والامتيازات، وفي المواجهة أو معركة الوعي التي أطلقتها الشبكية وجدت المجتمعات نفسها في مواجهة غير متكافئة مثل فخّ محكـــم مع الشركات والبنوك، وأن موارد حاجاتها وأولوياتها الأساسية في التعليم والصحة والاتصالات والسلع والخدمات تديرها شركات وبنوك يغلب عليها أنها أجنبية، ولم تعد السلطة سوى جهاز للقمع يمكن أن تستأجره البنوك والشركات، تعود السلطة كما بدأت جماعات من الصيادين الأقوياء والمغامرين المنفصلة في مصيرها ومشاعرها عن المدن والمجتمعات، وتعمل وتقتل وتدمر بلا قانون واضح أو مفهوم في الاجتماع والسياسة!

لا نملك في هذه المتاهة سوى أن ننخدع، نتظاهر بوجود الأعداء، نرص الصفوف لمواجهتهم، فذلك على الأقل يؤجل الكارثة أو يخفف منها، فلم تعد السياسة هي المعرفة والتمييز بين الضرر والنفع، والضرر، ثم بناء سياسات ومواقف واتجاهات للحكم والمعارضة، تتجادل فيها التيارات والطبـقــات، لكنها مباراة أبدية لا تتوقف، تمضي الجماعات والنقابات فيها مثل نائحة مستأجرة أو عمالة سائبة.

الخطوة الأولى للخروج من اللعنة هي تحويل الصراع والجدل من كونه بين السلطة والمجتمعات إلى جدل بين تيارات واتجاهات سياسية واقتصادية، تؤيد كل اتجاه قواعد اجتماعية وطبقات وفئات ومصالح، وبغير ذلك فإننا ندمر كل ما تبقى لدينا.

  • Social Links:

Leave a Reply