مَنِ الذي لم يستفِدْ من الدرس؟
بقلم: محمد بن يوسف كرزون
بسبب التعقيدات التي تلت الأوضاع في كلّ دول الربيع العربي – دون استثناء – والتي أخّرت نتائج الثورات، ومنعت التغيير الشامل، الذي كان حُلُماً عربياً عامّاً، صار كثيرون يندمون على قيام الثورات العربية، ويعدّون ما حصل ردّةً إلى الخلف وتثبيتاً للقوّة الغاشمة للسلطات، وفساد المجتمع الدولي الذي لم يساند الشعوب المقهورة.
ولكن ما حصل في الأيّام الأخيرة من عام 2017 وما زال مستمرّاً إلى هذا اليوم، هو قيام ربيع إيرانيّ بزخم كبير وواسع، رغم معرفة الشعوب الإيرانية بقسوة الحاكم الإيراني، وقوّته التي لا يُستهان بها ليس في إيران وحدها، بل في عدد من الدول الأخرى.
فهل نقول إنّ الشعوب الإيرانية لم تستفدْ من دروس الربيع العربيّ، أم أنّ الأمر له بُعدٌ آخر؟
بدايةً نقول: لا يمكن لأمّة أن تُجمعَ على باطل، ولا يمكن لها أن تخوض معركة خاسرة قبل بدئها، ولا يمكن أن تكون كلّ تلك الجماهير الإيرانية لم تقرأ وقائع السنوات الأخيرة على كافّة الصُّعُد: السلمية والحربيّة، ومساندة المجتمع الدولي والسياسات العالمية المتناقضة، وفشل الأمم المتّحدة في تقديم أيّ مساعدة مادّيّة أو معنوية للشعوب المنتفضة.
ولكن في المقابل نرى أنّ مَنْ يخرج في إيران وهو يعلم علماً مسبقاً أنّه سيدفع دمه، وربّما يدفع حياتَهُ في هذا الحَراك الجماهيري؛ ومع ذلك فقد خرج. فهو لم يخرج لقضيّة خاسرة، فالدماء ليست تُدفعُ في مقامرة أو مغامرة غير محسوبة، بل تُدفَعُ من قِبَلِ الشعوب ثمناً لحرّيّتها، ودفعاً للظلم والجور والإهانات المتراكمة عبر عشرات السنين.
ونقول: رغم كلّ النتائج التي آلت إليها ثورات الربيع العربي، فهي كانت على حقّ، دون أدنى شكّ. وأنّ الحكّام الذين قاوموها هم على باطل، سواء أنتصروا أم هُزِموا. وإذا كان بعض الحكّام الطغاة قد وظّف الاختلافات في السياسات العالمية لمصلحة تمديد بقائه، فهو زائل لا محالة، ولا أدلَّ على هذا من نهاية الراحل المخلوع علي عبد الله صالح، في أسوأ مشهد قَتْلٍ يشهده زعيم طاغية كان يلعب بمقدّرات أمّته.
وسنرى نهايات مماثلة أو ربّما أكثر فظاعة لغيره من الطغاة الذين لعبوا بدماء شعوبهم، ولم يكتفوا بهذا، بل شرّدوهم وشتّتوا الأسر في قارّات متعدّدة، وهم يظنّون أنّهم قد حقّقوا النصر. وفي حقيقة الأمر لا نصر سينالونه، وإنّما سينالون الهزيمة واللعنة على مرّ التاريخ.
والحقيقة المرّة أنّ كثيرون منّا مِنَ الذين وقفوا مع الثورات العربية في بداياتها، ثمّ ندموا وتراجعوا أو غيّروا مواقفهم، هم محدودو الأفق، لا يريدون أن يثبتوا مع الحقّ، الذي هُزِمَ في عدّة معارك، ولكنّه لم يخسر الحرب بالتأكيد.
ويبقى السؤال لملالي طهران: هل ستستفيدون من دروس الربيع العربي وتعدّلون سلوككم تجاه الشعوب الإيرانية التي انتفضت، وتتصالحون معها، أم سيكون لكم شأن آخر وسيكون للجماهير المنتفضة فعل آخر؟ السؤال مرهون بصحّة قراءة التاريخ.

Social Links: