(الدولة أفهم من بني آدم) – عبدالرزاق دحنون

(الدولة أفهم من بني آدم) – عبدالرزاق دحنون

(الدولة أفهم من بني آدم)

عبدالرزاق دحنون

“يشكو الإنسان من حذائه والعلَّة في قدميه”

صمويل بيكت

 الدولة في المعجمات من دال, ودالت الأيام أي دارت, والله يُداولها بين الناس, وتداولته الأيدي أخذته هذه مرة وهذه مرة. وهذا عكس مفهوم الدولة في العصر الحديث, حيث تجنح الدولة في مفهومها نحو الثبات والاستقرار. الدولة عند هيجل هي طريقة تنظيم الأمة لنفسها, الشعب لنفسه,  أي أن  المجتمع يُنظم نفسه من خلال مؤسسات اجتماعية, تُسمى  في مجموعها دولة, والشهيد مهدي عامل توصل بعد دراسة إلى أن الدولة لا فكر لها, ويُقال أن لكل زمان دولة ورجال. وابن عمي زكريا يقول: الدولة أفهم من بني آدم.  شكل الدولة السائد في  (موريتانيا, الجزائر, تونس, ليبيا, مصر, السودان, الصومال, أريتريا, جيبوتي, اليمن, العراق, سورية) جمهوري  ديمقراطي عسكري. وقد كان المُنتج الرئيسي لهذا الشكل من الدولة: الفساد العام Corruption   (كو-را-بشن) ومن ثم قاد هذا الفساد العام  إلى الفشل العام,  شكل الدولة هذا أوصل المجتمع إلى الحرب الأهلية التي نعيشها اليوم.

1

في ظني أن الشباب الأحرار- وهذا النعت ليس حبَّاً في لحاهم, بل لأنهم لا يخضعون لسلطة دولة-  قد تمردوا على هذا النمط من الدولة, وهم يحاربون هذا الشكل من الدولة الاستبدادية  ويريدون العودة بها إلى مفهومها الأول:  دولة بسيطة, تُقاد من حاكم بسيط من عامة الخلق, يخاف من ربِّ العباد الذي رفع السماء ووضع  الميزان . و الرعب الذي أصاب الحُكّام العرب  والأمريكان ودول التحالف وروسيا وإيران على حدِّ سواء كان مشروعاً. لأن مشروع الشباب الأحرار يتعارض بالمطلق مع شكل الدولة الحديثة التي حكمت الجمهوربات العربية لأكثر من سبعين عاماً ومع ذلك فشلت في حمل  هذه المجتمعات على القبول بها. وهذه نتيجة طبيعية لأن الدولة في شكلها الجمهوري الديمقراطي العسكري -الثوري إن شئت- استبدادية يحكمها طاغية وهي لا تدمر المرء, ولكنها تمنع وجوده, وهي لا تستبده, ولكنها تعتصره وتوهنه وتخمده وتخدره , بل وتفعل ذلك في الأمة كلها, لكي لا تكون شيئاً أكثر من قطعان حيوانات مذعورة .

2

لا أستطيع أن أنكر أن نفسي تميل إلى شكل الدولة البسيط التي تُقاد من  رجل بسيط  من عامة الخلق. يحكم الناس من خلال مؤسسات بسيطة. وسأضرب لك مثلاً بسيطاً في مفهوم (المحاكم الشرعية) التي تبتُّ في قضايا الناس دون تأجيل في الأماكن التي خرجت عن سيطرة الدولة. و قد اعتاد الناس على عمل المحاكم المدنية التي اعتمدت التزييف في عملها من خلال صنعها لكل حبة قبة, فيختلط الحابل بالنابل في أروقة -قصور العدل-  وتغوص أرجل الناس في طين لا مملص منه. وفي النهاية لا يُردُّ الحق إلى أهله, وإن رُدَّ, فيكون قد كلّف مالاً ووقتاً, وطرق أبواب الذل والمهانة. نعم نفسي لا تميل إلى طرق عمل المحاكم المدنية. ويمكن  لأي شخص  أن يتأكد من زيف عمل المحاكم المدنية, بأن يذهب ليوكل محام –إذا وجد هذا المحامي الجسور-في قضية ابنه الذي خرج ولم يعد. ثم قيل إنه  مات في السجن بعد اعتقال دام سنتين … ليش؟ لأن الحاجز الأمني-مثلاً- ضبط على هاتفه المحمول أغنية سميح شقير (يا حيف). وها هو  يعود إلى أمه  (هويه شخصية) بلا جسد ليُدفن في  مقبرة  العائلة قرب أهله وجيرانه.وهذه الحكاية المرعبة تكررت في مدينة إدلب في الشمال السوري عام 2014 عشرات المرات إن لم نقل مئات المرات.

3

من هنا يُحاجج صاحب كتاب (نقد السياسة – الدولة والدين)  بأن انهيار قواعد عمل الدولة هو الذي قاد إلى انهيار تقاليد تسامح دينية حيَّة منذ آلاف السنين. إن الضربة الحقيقية التي تلقاها المجتمع لم تكن في عقائده ذلك أنه كان أكثر من كل المجتمعات الأخرى قدرة على استيعاب القيم والأفكار والمذاهب الجديدة نظراً لوجود تقاليد التعددية الدينية بمختلف تجلياتها. ولكنها تكمن في ما تعرض له نموذج الدولة من تهديم موضوعي وفي  ما ظهر من تخلفه الهائل والمفاجئ بالمقارنة مع نموذج الدولة الحديثة ومن ثم ذوبان كل مقدرة على إعادة إنتاج السلطة المركزية دون التغيير الشامل في طبيعة التوازنات الاجتماعية القائمة. ولا يزال المجتمع لم يخرج من هذه الصدمة التي تمس نموذج بناء السلطة وعمل الدولة حتى الآن. ومن هنا لا يبدو الحديث عن التعصب الديني وكأنه سحب لتجارب تاريخية أخرى على المجتمع العربي فحسب ولكنه يتجلى للرأي العام كنوع من التشويه التاريخي والاتهام المغرض وهو يتفاقم في الواقع بقدر التقدم في تمثل  القيم الجديدة وتطور الفكرة العلمانية أي بقدر تغريب الشعور والوعي الديني والمدني. وهذا يفسر كيف أن نمو النزعة العلمانية التي كانت من العوامل الأساسية في التحول الديمقراطي في المجتمعات الليبرالية يغذي  في مجتمعاتنا النزعات الطائفية بل ويجنح إلى تحويل الدولة في مفهومها عن نفسها إلى دولة استبدادية طائفية وهو الذي يفسر كذلك لماذا لم تتحول الدولة المحررة من الدين -الجمهوريات- إلى دولة علمانية يحكمها القانون. بل تحولت إلى دولة عسكرية تحكمها الأجهزة الأمنية بفظاظة مطلقة. وهذا يُفسر لماذا لم تستطع الدولة الحديثة التي ولدت بعد حقبة الاستعمار الغربي وتحت إرشاد النظرية العلمانية -والتي تبناها حتى المصلحون الدينيون- أن تفرز سلطة سياسية دستورية  قانونية تقود المجتمع إلى بر الأمان.

  • Social Links:

Leave a Reply