العلمانيه كمفهوم فلسفي
محمد الاسمر
من المفاهيم المتعددة لمصطلح العلمانية هو العمل على استبعاد السيطرة الدينية السياسية عن السيطرة على السلطة المدنية السياسية أساساً، كما وأنه هناك فرق أحياناً ما بين المفاهيم الغربية للعلمانية عن المفاهيم الشرقية او الاسلامية اساساً نحو العلمانية. ففي الغرب كانت السيطرة لسلطة الكنيسة الدينية على المجتمعات وكانت تعتبر بمثابة الوسيط ما بين الانسان والله. واننتقل هذا المفهوم للوسط الشرقي الاسلامي حيث حاولت المفاهيم الدينية السيطرة على المجتمعات المدنية من نواحي اقتصادية واجتماعية وتربوية، لهذا انتقل مفهوم طرح العلمانية كمفهوم تقدمي متطور عما هو عليه في حينه في المجتمعات الاسلامية بسبب ظهور حركات دينية كان همّها الأساس مهاجمة أي فكر تقدمي يسعى للتغيير وكشف العيوب التي تطغى بها الافكار الدينية على المجتمعات، وظهور هذا الفكر أتى للسعي للتغيير بالمجتمع نحو التخلص من سيطرة الفكر الديني على الحياة المدنية المجتمعية.
لهذا أحياناً هناك شعور بغربة نحو مفهوم الفكر العلماني عن المجتمعات ذات الطابع الاسلامي لولا ظهور الحركات الروحانية الدينية التي اضطرت المجتمع لتقبل مفاهيم العلمانية في ظل غياب دولة دينية والتي هي من الصعب قبولها في اي مجتمع. في الحقيقة أن القوى الدينية اعتبرت ان العلمانية هي بمثابة نقيض للدين في حين ان العلمانية في جوهرها تسعى لمنع سيطرة الكهنوت الديني سواء مسيحي ام اسلامي اي الفكر الديني الروحاني على العقل البشري وتحنيطه باتجاه توجهه نحو الايمان المطلق بالغيبيات بدون استخدام العقل.
وهذا يدعونا للاستنتاج بأن العلمانية أضحت تعمل على تجريد العقل من هذا الطاغوت الديني وتحريره للانطلاق للسعي نحو التغيير والتقدم وتثبيت دور الدين الذي هو بالاساس ما بين الانسان والله وعدم السماح له بالدخول بتفاصيل الحياة البشرية والسيطرة عليها مما يؤدي الى العقم العقلي والفكري. إذن فإن العلمانية هي نظام فلسفي اجتماعي سياسي يرفض ازدواجية السلطة.
نجد أن العلمانية قد نشأت في اوروبا وكان لها التأثير الواضح على مناحي كثيرة سياسية دينية اجتماعية اقتصادية، ولاحقاً بعد ظهورها وتفشيها بالمجتمع الغربي نشأ صراع ما بين الكنيسة والعلم، ومع تطور العلم والاكتشافات تبين أن كثير من افكار وطروحات الكنيسة خاطئة وهذا أدى الى صراع ما بين العلماء والمفكرين والكنيسة من جهة اخرى. الصراع هذا دفع الى توجهات نحو فصل الدين عن الدولة بسبب التأثير الواضح الذي انتشر في اوروبا من قبل الكنيسة.
ولدى العدوى الفكرية لهذا المفهوم الفلسفي وانتقاله لشعوب الشرق بخاصة الاسلامية، وبروز الصراعات الاثنية الدينية بين الطوائف سواء المسيحية بأوروبا أم الاسلامية في ربوع المسلمين وظهور الاحزاب والحركات الدينية، ظهر العديد من المفكرين العرب خاصة القوميين وطرحوا افكارهم في هذا المفهوم اي العلمانية وبدأوا يفسرونها حسب الظروف الآنية في بلادهم. لكن المفكرين العرب ركزوا على جانب أن العلمانية هي تغليب واعتماد اللغة على الدين لأن الدين لا يحافظ على القيم الانسانية بل الدينية فقط.
والعلمانية وحسب كل قطر وبلد اتخذت عدة مراحل، حيث ابتدأت بأن الدين خاص لكل فرد اي شخصي وأن الدولة العلمانية تطبق قوانينها ضمن حدودها بما في ذلك حماية الكنيسة، وهذا تطلب فصل الكنيسة عن الدولة. لهذا ظهرت بأوروبا مثلاً العديد من المدارس التي سعت لاخضاع تعاليم الكنيسة للعقل وبمباديء الطبيعة من ضمن مفكريها بيكون وفولتير وروسو وديكارت.
كما وأن العلمانية مرّت بمرحلة المادية كثورة والتي طالبت بتطبيق الغاء التعامل مع الدين وليس فصل الدين عن الدولة والهدف في هذه المرحلة هو فرض سيطرة سلطة الدولة كلياً مع استبعاد دور الكنيسة وكان من منظري هذه المرحلة ماركس وهيجل.
إذن فإن العلمانية سياسياً واجتماعياً تسعى للتوافق مع العلوم والى الفصل بين شؤون الدين والدولة وقطع العلاقات ما بين المجتمع والدين واعتبار الدين شيء شخصي ذاتي للفرد.
ممكن ان نستنتج من ان العلمانية تسعى الى التقليل من حدة تأثير السيطرة التربوية الدينية لدى الأفراد، كما ونستنتج انها تسعى لنشر وتطبيق المنطق والحكمة والعقل بدل المشاعر، كما ودفعت باتجاه تغليب لغة العقل والمنطق والبحث والتفكير بكل القضايا موضع الخلاف او الغرابة. واخيراً استبعاد الدور للفتاوى الدينية المضللة والتوقعات والخرافات المتوارثة مجتمعياً بفضل تأثيرات الدين.
هناك صراع وتناقض يثير جدلا نحو اختراق المفاهيم العلمانية من حيث الدور الاستعماري وارتباطه بالعلمانية ادى الى نهب خيرات الشعوب نتيجة للحروب والاستعمار، كما وأن الحرب العالمية الاولى والثانية اعتمدتا على بروز حضارة العلمانية نتيجة هذه الصراعات وأدى ذلك لصراع وتناقض ما بين منظري العلمانية انفسهم. الا ان العلمانية ساهمت في نفس الوقت في ظهور العديد من الحركات الفكرية مثل النازية في المانيا والنمسا والشيوعية في روسيا والفاشية في المانيا وايطاليا والنمسا وهذا ادى الى زيادة بروز التناقض ما بين مباديء العلمانية التي تدعو لها.
من خلال الاطلاع على افكار العديد ممن ينظرون للعلمانية فانه لا يد من ايجاد بعض المخاطر من هذا المفهوم مثل عدم وضوح مباديء معينة تعطي الاجابة باتجاه المنتمين لهذا الفكر وكيفية تحديد مساره سواء في الكتبات والمؤلفات، لأن الفكر العلماني استطاع استخدام لغة العلم وتميز بقوة وعصرية طروحاته، كما وأن هذا المفهوم استطاع الانتشار والتأثير على قطاعات واسعة من المجتمعات وتحول تلك القطاعات للاهتمام اكثر في القضايا الفكرية على الساحات، ومن ناحية اخرى فإن الفكر أو المفهوم الاعلامي استخدم وسائل الاعلام كسلاح فتاك في التأثير على الرأي العام وعلى الافراد بخاصة مع تطور التكنولوجيا.
إذن، نستخلص بأن العلمانية هي احد اشكال الفلسفة تسعى لتدعيم الحياة المجتمعية اليومية بعيداً عن الدين وتعاليمه واعتماد العلوم والعقل البشري كأساس لها.
إن العلمانية في حالة تراجع كبير في العالم العربي اليوم، والقوى العلمانية يتقلص ويتهمّش دورها وتأثيرها الفاعل في الأحداث باطّرادٍ متزايد، ولا أدلّ على ذلك من الانتعاش الكبير الذي تشهده الحركات الإسلامية المسيِّسة للدين وفي انتشارها الواسع بين شرائح اجتماعية وطبقية متعددة.
ما ساعد على إحداث هذا التراجع يعود إلى أن الفكر العلماني عندنا لم يظهر في سياق أو أعقاب حركة فكرية فلسفية نقدية شاملة أعملت أدواتها النقدية في شتى المجالات، وحاولت أن تصل إلى فهم أعمق للقضايا المختلفة التي ترتبط بهذه المجالات . إن العلمانية عندنا ظهرت في ظل شروط لم تساعد على ربط فهمنا لها بفهم متطور لطبيعة السياسة والاجتماع وما يتّصل بهما، فكانت علمانيةً ذرائعية تقوم على أسسٍ هشّة، مما جعلها غير قادرة على الصمود أمام الاختبار.
أما آراء نصر حامد ابو زيد فهي تتعدد بخصوص الدين او السلطة الدينية او الثقافة، فهو يرى بأن إن الثقافة تعني تحول الكائن من مجرد الوجود الطبيعي إلى الوعي بهذا الوجود. ويرى بأن العلمانية ليست إلحاداً، إنما العلمانية تعني “فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية” وليس حتى فصل السياسة عن الدين. وفي مجال نقده للخطاب الديني يقول: “لا بد من التمييز والفصل بين “الدين” والفكر الديني، فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضا أن تختلف من بيئة إلى بيئة- واقع اجتماعي تاريخي جغرافي عرقي محدد- إلى بيئة في اطار بعينه، وأن تتعدد الاجتهادات بالقدر نفسه من مفكر إلى مفكر داخل البيئة المعينة.” وهنا يحدد بأن الايمان شيء خاص وذاتي ليس بحاجة لحماية كما يعتقد الكثيرون، لهذا يجب التأكد بأن هناك فرق بالتأكيد ما بين الايمان والدين بحد ذاته، لهذا نجد المظاهر الدينية في مجتمعاتنا هي الطاغية وهذا لا يعبر عن التدين والايمان انما على الشكل والذي يُضعِف ويقلل من القيمة المعنوية للدين نفسه.
إن آراء نصر ابو زيد تؤكد قوّة الحُجة بمفهوم العلمانية، حيث يطرح آرائه أكثر وضوحاً من غيره، وعندما نتحدث عن العلمانية في مجتمع نشهد به هجوماً شرساً من قبل المؤسسات الدينية، ونرى أمام هذا الهجوم تراجعاً لدى المجموعات والاحزاب والمؤسسات التي تؤمن بالعلمانية كنهج مجتمعي، حيث تطرح بإلتواء فكراً التوائياً آخراً تحت مسمى المجتمعات المدنية بدلاً عن العلمانية، فهذا يؤكد بأن رأي نصر ابو زيد صحيح من حيث نقده حتى للذين يحملون الفكر العلماني ويخافون أو يخجلون او يهابون من طرحه في مجتمعات لا تريد ولا تسعى للتغيير بخاصة من قبل مؤسسات دينية او حركات تحاول المحافظة على إرثها المتراكم من الثقافة والتربية المتراخية الهلامية.
حامد ابو زيد لم يكن صاحب مشروع فكري واسع كما يوصفه البعض، فهناك مَن يختلف معه، إذ يعتقد أن مشروعه هو إعادة لقراءة النصوص القرآنية. إلا أن فكره يقع ضمن مشروع تاريخي هو محاولة التوفيق بين الواقع العلماني والنصوص القرآنية، أو الأجواء الفكرية والثقافية والنفسية للقرآن أو إعادة قراءة القرآن في ذلك الواقع، وأعتبر أن فكر حامد ابو زيد او طروحاته هي امتداد لإبن رشد.
خلاصة، أرى بأن الهجوم الذي تعرض له نصر حامد أبو زيد، والذي تركز في جزء كبير منه على ما جاء في كثير من طروحاته بخاصة نقد الفكر الديني، أثبت صحة الأطروحات والنتائج التي قدمها من خلال تحليل الخطاب الديني في مستوياته واتجاهاته المختلفة، الرسمي منها والمعارض، المعتدل والمتطرف، اليميني واليساري، والسلفي والتجديدي.

Social Links: