إيران هي الأخطر والأشد فتكاً بالعرب والمسلمين
محمود الوهب
إيران أخطر، على العرب، من إسرائيل نفسها، نعم هي الحقيقة التي ربما، ولأول وهلة، تصدم الكثيرين ممن أخذتهم الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 بعيداً، وأُخِذوا بشعاراتها، دونما أية محاولة منهم، لعرض تلك الشعارات على أرض الواقع، وخصوصاً تلك الشعارات المتعلقة بالعداء لإسرائيل، والمدعية مناصرتها للعرب الفلسطينيين تحديداً.. ولو أنَّهم فعلوا، لما أصيبوا بأية صدمة، أو دهشة، إذ إنَّ أية قراءة للواقع الموضوعي، تؤكد ما نذهب بجلاء ووضوح.
بداية، لا بد من إيضاح ما يتضمنه اسم التفضيل “أخطر” من معنى الذي أبسطه: أنهَّ لا ينفي مفهوم الخطورة عن دولة إسرائيل، ولا ينقص من عدائها للعرب وفي التفصيل أقول:
إنَّ المفاضلة بين عدوين واضحين، لا تعني، بأيِّ حال من الأحوال، قبول أحدهما، أو تفضيله على الآخر، ولكن ما تتركه الحالة الإيرانية من مخاوف وأخطار، تفرض على كل مَنْ يلمسها، وانطلاقاً من مصالح وطنية وقومية، فضحها وتعريتها، ومن ثَمَّ اتخاذ ما يناسب بشأنها..
ولبيان ذلك لابد من قراءة الواقع الموضوعي في ضوء التشابه والاختلاف بين هاتين الدولتين اللتين تتخذان من الدين أساساً لوجودهما وغطاء لنشاطهما.
أولاً: في الاستيطان..
إذا كانت إسرائيل قد احتلت حيِّزاً من الأراضي العربية، في سياق تقسيم العالم الشرق أوسطي إلى مناطق نفوذ، أو نوع من الاحتلال، بُعَيْدَ الحرب العالمية الأولى، واستقرت فيها، منتزعة في ظروف محددة قراراً من الأمم المتحدة، ثم راحت، مستندة إلى ذلك القرار، تتخذ من اختلافات الحكام العرب وعدم جديتهم، ومن تفوقها في الميادين كافة سبيلاً لتحقيق هدفها الاستعماري الاستيطاني في الهيمنة على المنطقة، والاستفادة من خيراتها، والاستعلاء على إنسانها، فإن إيران أيضاً لا تختلف في شيء عن إسرائيل تجاه العرب، بل إنها سبقتها، إذ احتلت اقليم الأحواز العراقي منذ عام 1925 (الإقليم الأكثر غنى في إيران اليوم)، علماً بأن الأحواز تاريخياً هي: “إمارة عراقية، تمتعت بالحكم الذاتي في عهد الانتداب البريطاني، ثمَّ ضمها الشاه لإيران في 25 نيسان/أبريل 1925، وأعدَمَ حاكمها “خزعل الكعبي” بعد اكتشاف النفط فيها.” (75% من النفط الإيراني المصَّدر يستخرج من الأحواز) وتمارس السلطة الايرانية سياسات تمييزية ضد عرب الأحواز في التوظيف وفي الثقافة، وترفض إعطاء الأحواز، استقلالاً أو حكماً ذاتياً، بل إنها ترفض أن تمكنها من أي حق من حقوق المواطنة الفعلية. ومع ذلك فلم تقف إيران عند حدود إقليم الأحواز، بل أتبعت ذلك باحتلالها الجزر العربية الثلاث “طمب الكبرى وطمب الصغرى” وجزيرة “أبو موسى”. عام 1971. قد يقول قائل إن ذلك حدث في زمن الشاه، أقول هذا صحيح، ولكن الثورة الإسلامية لم تُعِدْ تلك الجزر رغم الوساطات، وقرارات الأمم المتحدة القائلة بملكية الجزر لدولة الإمارات العربية..!
ثانياً: في الاعتماد على الدين أو المذهب.
إذا كانت إسرائيل قد استغلت اليهود العرب المقيمين في البلدان العربية منذ آلاف السنين في الهجرة إلى فلسطين خلال الأجواء التي سادت المنطقة بين الحربين، وما بعدهما بقليل، ورفعها شعار معاداة السامية، واستغلال ذلك لنصرة الأطماع الصهيونية، فإن إيران لم تكتف باعتماد بعض المواطنين المنتمين إلى المذهب الشيعي أو جلَّهم، (إيران تسمح لنفسها أن تنطق باسم الشيعة في العالم أجمع) ولا يغير انتماؤهم إلى الإسلام من الأمر شيئاً، إذ تريدهم إيران كطابور خامس، ومخلب متقدم لا يستخدم ضد إسرائيل كما تقول الشعارات الإيرانية، بل لتلبية مصالحها، وما تخطط له من أطماع، ولعل حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين وبقية المليشيات المشحونة طائفياً كذلك خير مثال.. وبالفعل، فقد استطاعت تحويل هؤلاء الشيعة من قوى تتفاعل مع قضايا أوطانها وتحمل همومها إلى قوى معارضة تأتمر بأمر المرشد الأعلى في إيران وبأمر إيران كدولة في المطلق.
ناهيكم بما تقوم به إيران اليوم في سورية من مساع جدية لتغيير ديمغرافي يمكِّن حزب الله من التمدد في المنطقة خدمة للمصالح الإيرانية التي لا أظنها أقل من الاحتلال. وما تصريحات حسن نصر القديمة/الجديدة والوقحة بانتمائه لولاية الفقيه، في الوقت التي تستباح فيه غوطة دمشق وتغرق بالدم، إلا دليل أكيد على ذلك.
ثالثاً: في الحرب والسلام.
إذا كانت إسرائيل تسعى إلى سلام يعيد الأرض، حتى، وإن كان سلاماً على طريقتها كدولة منتصرة في الحربين الأخيرتين مع العرب.. فإن إيران تصرُّ على بسط نفوذها واستيطانها مستعينة برصيدها الشيعي الشعبوي، وبقوة السلاح على المنطقة العربية الآسيوية منطلقة بذلك من عداوات ثأرية قديمة، ومن كراهية للعنصر العربي بالمطلق، وبزعم ملكيتها، لا للخليج العربي فحسب، بل للعراق وبلاد الشام بأكملها، وهذا ما يصرِّح به قادتُها بين حين وآخر.. فتارة بغداد عاصمتهم، وأخرى أنهم يصلون للمرة الثالثة إلى ساحل المتوسط بمعنى أنهم يستعيدون أمجاد فارس القديمة..
رابعاً: في النظرة إلى العرب.
إذا كانت إسرائيل تنظر إلى العرب على أنهم متخلفون وإرهابيون، وغير قادرين على إدارة بلادهم وثرواته، وقد برز ذلك في كتابات ساستهم وفي مجمل ثقافتهم، فإن الأمر نفسه ينطبق على الإيرانيين، على مدى تاريخهم.. والأدب الفارسي المعاصر يؤكد هذا الأمر، وبخاصة كتاب: “صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث” لـ: “جوبا بلندل سعيد” الذي حُكِيَ عنه الكثير، وكان أن نشر في العقد الأول من هذا القرن.. إذ ينعت الكتّاب الإيرانيون الذين درستهم الكاتبة الإنسان العربي بالتخلف وسواد الجلد وآكل الجراد.. إلخ، وهذه صفات لا ترقى، بحسب هؤلاء الكتاب، إلى مستوى العرق الإيراني الآري المتحضر..
ولكن، قد يسأل بعضهم، لماذا هذه الحملة المكثفة من الشعارات الإيرانية، ضدَّ إسرائيل؟! فالجواب واضح، إنَّه المجال الوحيد الذي يمكِّن إيران من الدخول إلى المنطقة عبر نفوس أناس يعانون الهزيمة أصلاً، ويبحثون عن نصر وإن كان معلقاً في الأفق والحلم.. نعم لقد استغلت إيران الحال اليائس الذي يعيشه العرب، وخصوصاً عرب بلاد الشام إثر هزيمة عام 1967 فقد قامت الثورة الإسلامية الإيرانية بعد اثني عشر عاماً فقط من الحرب التي شنتها إسرائيل على ثلاث دول عربية مجتمعة كانت شعوبها بل العرب كلهم ،حينذاك ، يعانون تأثيرات مرارة تلك الهزيمة، ويسعون إلى تجاوزها، فرأت في الثورة الإسلامية الإيرانية وشعاراتها باعثاً على الأمل، وهذا بالضبط ما التقطه الساسة الإيرانيون، ليكون المدخل المناسب لهم إلى المنطقة! إذ دخلت، مرحّباً بها، في وقت عجز فيه البعث، وعسكره الكثر، من استعادة ما خسره أمام إسرائيل التي لاتزال، حتى اللحظة، “تنام ملء شواردها”، باحتلالها الجولان، وبرفضها حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة بقوانين الأمم المتحدة، وفي مقدمتها قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وفق قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة منذ قرار التقسيم الصادر عام 1947، وإلى الآن.
فأين إيران من شعاراتها؟! صرح أحمدي نجاد (الرئيس السابق لإيران) في آب 2012 بزوال إسرائيل من الوجود، وكذلك فعل علي خامنئي المرشد الأعلى، أما حسن نصر الله فكان أن هدد منذ العام 2012 بأن إسرائيل ستشهد رجماً بآلاف الصواريخ إذا ما اعتدت على لبنان..! وقد ضربت إسرائيل بالفعل أكثر من مرة مخازن أسلحة لحزب الله في سورية ولبنان، ولم يحرك حزب الله ساكناُ، إذ هو مشغول بتدمير سورية وبتغيير ديمغرافية سكانها بأمر من إيران.. بل إنه، في الحقيقة وواقع الحال، يعمل مع المليشيات الأخرى في كلّ من سورية والعراق على تدمير هاتين الدولتين وتفتيتهما اجتماعياً وسياسياً، وتقديمهما على طبق من ذهب، لإسرائيل. وها هي ذي، تصارع، الآن، على اليمن والبحرين، وتهدد المملكة العربية السعودية، ودول الخليج الأخرى.. ولعلَّ سعيها المحموم لامتلاك السلاح النووي يمدُّ في أحلامها إلى أمداء أبعد من ذلك بكثير..
أخيراً أقول:
إذا كانت إيران تزعم العداء لإسرائيل والقضاء عليها، عبر مَدِّ نفوذها إلى المنطقة العربية، فقد آن للعرب أن يسعوا جدياً لحل القضية الفلسطينية، وفق الشرعية الدولية التي تقرُّ بحقوق الشعب الفلسطيني، وأن يذهبوا جدياً إلى النهوض والتنمية والقوَّة، واستغلال الموارد على نحو أفضل، وإلى الثقة بالشعب، عبر تحديث أنظمتهم السياسية، والأخذ بمبدأ الديمقراطية على غير صعيد.. فالبلاء كله يكمن في الاستبداد والتخلف على السواء.
نعم لابد من نقل الملف الفلسطيني من الأيدي الإيرانية كلياً.. فهو ليس أكثر من ستار لاجتياح إيران للبلاد العربية واحداً بعد الآخر وحين تصل إلى إسرائيل تكون دول العرب قد غابت عن الخارطة، أما المسلمون فسوف تكرههم إيران على التحوُّل إلى المذهب الشيعي الذي تتستر به إيران وقوميتها الفارسية..!

Social Links: