النزاهة – احمد نسيم برقاوي

النزاهة – احمد نسيم برقاوي

احمد نسيم برقاوي

النزاهة

ما إن تذكر النزاهة حتى يخطر على ذهنك أمر واحد، ألا وهو : نظافة اليد. ونظافة اليد تعني أن شخصاً ما قادرا على الارتشاء والسرقة غير أنه تعفف عن ذلك.

وهكذا يتداول المجتمع _ في عصر الفساد _ قيمة النزاهة بوصفها القيمة الأرفع ، وإذا ما مدح شخص ما مدحاً شديداً قيل عنه: نزيه .

فيكون المواطن النزيه هو ذلك الشريف الذي لا يسرق ولا يرتشي . وأستاذ الجامعة النزيه هو المترفع عن سرقة جيوب الطلاب مقابل إنجاحهم. والمواطن النزيه هو الذي لا يستغل وظيفته طمعاً بالمال والأشياء و..الخ.

غير أنه إفقار ما بعده إفقار للنزاهة، أن نحصر مفهوم النزاهة في هذا الجانب من المسألة فقط .

اعلم أن النزاهة هي الشرف الصدق والأمانة في كل تفكير وسلوك . وعندي أن عكس النزاهة هو مفهوم الدناءة وكل ما يتعلق بالخيانة . وإذا كان الأمر كذلك _ وهو كذلك _ فإن المعلم النزيه هو ذاك الذي يعمل بكل ضمير هادفاً تعليم الطلاب وتربيتهم، أميناً على هذه المهنة _ التعليم _ وصادقاً في سلوكه .

وأستاذ الجامعة النزيه هو الذي يستفيد من المعارف في مجال عمله ويقدم عصارة تجربته المعرفية لتلاميذه ويتعامل بشكل أمين مع المعرفة. والأستاذ غير النزيه هو الذي يحمل هذا للقب السخيف _ الدكتور _ ولا يفقه من العلم المتخصص به شيئاً ويقوم بدور الدجال أمام الطلاب .وقس على ذلك، علاقة الإنسان بالمهنة.

غير أن أخطر أنواع غياب النزاهة هو ذلك النوع من التناقض مع منطق مباحث المعرفة الإنسانية .

فالعالم الطبيعي النزيه هو المتطابق تفكيره العلمي مع منطق علمه، ويكون خائناً إذا ما لوّث منطق علمه بوعي خارج عن ذلك العلم. مثال ذلك، أن يكون الإنسان عالم طب ومؤمناً بالخرافة معاً، أوأن ينبري عالم اجتماع للحديث عن أسباب أخلاقية فقط لانتشار البغاء أوالفساد بكل أنواعه، أوأن يتبنى مؤرخ خبراً من حدوث واقعة غير معقولة في التاريخ .

فالنزاهة العلمية تقتضي أن يكون العالم وفياً وأميناُ وصادقاُ مع علمه .

ومن أبشع الظواهر المنتشره في الوطن العربي، غياب النزاهة الفلسفية عند كثير من المشتغلين في الفلسفة.

فأول شرط لأن يكون الإنسان فيلسوفاً أو يفكر فلسفياً، هو أن يكون نظيفاً غير ملوث باللاهوت أو بأي وعي ما قبل فلسفي يفسد التفكير العقلي_ المنطقي.

وأنا هنا لا أتحدث عن أولئك الذين قادتهم المصادفات لأن يكونوا مدرسي فلسفة في المدارس الثانوية أو في أقسام الفلسفة في الجامعات. فهؤلاء شأنهم شأن العوام من الناس في علاقتهم بالفلسفة.

بل أتحدث عن المشتغلين في الفلسفة حقاً والفلاسفة. إذ نك تشم رائحة اللاهوت تتطاير من كتاباتهم وخطاباتهم الشفاهية، فإذاً أنت لاتدري؛ أفيلسوف هذا الذي يكتب ويتحدث أم لاهوتي .!

أليس من الأفضل لك ولنا أن تكون لاهوتياً نزيهاً من أن تكون فيلسوفاً غير نزيه.

بقي أن نقول قولاً فصلاً ألا وهو :لا ثورة تحرر بلا نزاهة ثورية ،بل إن الثورة بحد ذاتها هي النزاهة ضد الفساد و الخيانة و الإنحطاط.والنزاهة الثورية هي التسامي والتحرر عقلاً ولغة وسلوكاً من أخلاق الأسافل وعقلهم .

  • Social Links:

Leave a Reply