نحن والمعلومات والعصر – د. عارف دليله

نحن والمعلومات والعصر – د. عارف دليله

نحن والمعلومات والعصر ،
د. عارف دليله

وهل من مخرج من الكارثة الطاحنة على ارض سورية منذ اكثر من سبع سنوات ؟

سال احد الأصدقاء : لماذا نحن ( عامة المواطنين ) ليس لدينا اية معلومات ( عن بلدنا ) ، ولماذا تتعمد وسائل الاعلام تجهيلنا بالحقائق الضرورية لنا …الخ ؟

فاجبت :

من المتوقع ان لايكون قد بقي لدينا اية معلومات حقيقية عن اي شيء مهم ، وبالأحرى عن بلدنا ، بعد الاجهاز على كل شيء فيها على مدى اكثر من سبع سنوات ، هذا وكلما فكر احد بنهاية مسيرة الخراب وبدء العد العكسي يحصل ما “يبشر” نا بان ( الخير العميم !!! ) مازال في البدايات الآن ، والعياذ بالله ؟

هذا هو الحال الآن !

لم يعد لدينا اية معلومات عن اي شيء!

لقد تصحرنا بعد ان تخشبنا عقودا .

وجفت خلايا(نا) الدماغية وامتقعت ضمائر(نا)الميتة بفعل سقوطنا الخافت في الثقب الأسود بسرعة لاتقوى على تقديرها العقول البشرية !

لكن كيف كان الحال ، بالامس ، يوم “كنا عايشين” ، وهل له علاقة بتأهيلنا لارتكاب مانحن فيه الآن ؟

” حرية الوصول الى المعلومات ” هي واحد من حقوق المواطن الانسان الرئيسة المثبتة في الدساتير والقوانين العصرية ، وتحترم الحكومات الديمقراطية حق اي مواطن بالسؤال عن اي معلومة وتلتزم بتوفيرها له خلال مهلة قصيرة محددة . يتقدم المواطن بطلب رسمي مسجل الى الجهة المعنية طالبا الحصول على مايريد من المعلومات من عندها ، وعلى المسؤول في هذه الجهة تلبية طلبه ، خلال اسبوعين ، مثلا .

لكن اظهار المواطن ، لدينا ، اهتمامه باي معلومة ، تساؤلا ام توضيحا ، كاف لوضعه تحت المجهر ، كمشكوك به ، تمهيدا لاصطياده بالجرم المشهود ، الا وهو حمل نوايا خبيثة خارقة ل ” سقف الوطن “!

فهكذا عقول حية تثير دائما الشبهة بالخيانة العظمى ، والتي ، مع ذلك ، لم تستطع ان تردع متمردا قلقا مثل الكاتب الكبير الراحل محمد الماغوط ان يجمع بعض اشعاره ومقالاته ويصدرها في كتاب بعنوان استباقي ” سأخون وطني “. وفي مناسبة لقاء حاشد له في المركز الثقافي بالمزة في التسعينات سالته على الملأ : يوم اصدرت ديوانك ” سأخون وطني ” الم تسمعهم يهمسون لك : شكرا على الواجب ؟ وبالطبع لم اكن اتتظر الجواب امام الملأ !

والان ، من منظور النتائج ” الباهرة ” الماثلة على الارض هل بقي هناك من يشك بان هذا ” الواجب ” كان هو الممارسة الاعتيادية المفترضة للمواطن القطيعي التي كانت موضع شكر ، يتناسب مع حجمه , دائما !

واذا كنا ، نحن الفقراء الحقراء لله تعالى ، قد تميزنا عالميا ودائما بالحرمان من جميع الحقوق ، بما فيها “حق الوصول الى المعلومات” ، الحقيقية غير المفبركة ، فكيف كان هذا الحرمان ينعكس على اوضاعنا العامة ، بعد ان عرفنا انعكاساته على حياتنا الخاصة ؟

الحقيقة انه ، اذا لم نكن نحن نعرف حقائق اوضاعنا العامة ، او اذا كنا نعرفها على غير حقيقتها ، فقد كانت المعلومات الحقيقية موجودة عند غيرنا ، لدرجة مذهلة من التفصيل ، عن كل شيء ، وبالاخص عنا !

ذات يوم في التسعينات ، وكان هناك جولة مفاوضات بين سوريا و ” اسرائيل ” ، حكى لي احد اعضاء وفدنا المفاوض بان الوفد الاسرائيلي كان لديه جدول طويل بالغ الدقة والتفصيل حول جميع الامور التي تمس مختلف الاهتمامات ، وما ان يذكر موضوع حتى يخرجوا الدراسات الجاهزة عنه ويضعونها على الطاولة ، بينما كنا نذهب خاليي الوفاض ، الا مما نحمله في رؤوسنا من افكار ، وكان رئيسهم يعتبر واحدا من اكبر المختصين بحزب البعث العربي الاشتراكي ، ولديه اكثر مما لدى اي بعثي معرفة بتاريخ هذا الحزب ووقائعه واشخاصه ، حتى تفاصيلهم الخاصة الذاتية الدقيقة !

وفي الواقع اصبح من ” ميزاتنا البارزة ” انعدام الارشفة والتوثيق للوثائق والمعلومات في جميع مؤسساتنا ، بدءا من ادناها الى اعلاها ، سواء بخصوص المسائل الصغيرة او بخصوص المسائل الكبيرة ، ونكاد ندخل العصر الرقمي بهز ايدينا خالين من اي ماض او من اية احمال (اللهم باستثناء الاوزار الثقيلة جدا التي تعجز عن حملها الجبال الراسيات من الحكايا والماثورات الصفراء ، التي لايقر بها العقل السليم ولا المصالح الوطنية ، القمينة بتمزيق اي امة ولآلاف الاجيال ) ، وعلى الاقل ، نحن في حل من الافراج عن اية وثائق سرية بعد ثلاثين عاما على حفظها في السرية المشددة ، كما يجري في الدول المتحضرة ، من غيرنا ، طبعا ، ناهيك عن التحرر من عبء الاحتفاظ بها ، اذ يكفينا ان الارشيف العثماني ، مثلا ، يحتفظ برعاية كاملة بمعلومات تفصيلية عن حياتنا الماضية ، وحتى بوثائق الزواج في مناطقنا التي كانت تحت السيطرة العثمانية حتى خروجهم من بلادنا ، وكذلك بالنسبة لفرنسا ولجميع الدول الاخرى ، فيما يخصنا ! وقصص المستشرقين والمستشرقات الذين رسموا حدود اقطارنا المعاصرة ورسموا اشجار عوائلنا وقبائلنا وطوائفنا وسلالات حكامنا القادمين ، ولكن دون ان يبلغوا في تمزيقنا الحضيض الذي فعلناه بانفسنا كما لم يكونوا حتى يتخيلون ! . ولقد اثار استغرابي وانا ابحث في المكتبة الكبيرة في( جامعة دورهام ) في شمال بريطانيا ( عندما كنت موفدا في مهمة بحث علمي من قبل جامعة دمشق لستة اشهر عام ١٩٩٥ لدراسة اتفاقيات الشراكة بين الاتحاد الاوربي وبين دول جنوب البحر المتوسط ، وكانت سورية آنذاك تخوض هذه المفاوضات ، وتقدمت بدراستي الى جامعة دمشق , لكن احدا لم يسالني عن شيء بهذا الخصوص ، علما باننا كنا نثير المسائل المتعلقة بذلك حتى في ندواتنا الاقتصادية ) ، ما اثار استغرابي رؤية وثائق ونسخ من كتب ومراسلات صادرة عن جهات ودوائر رسمية لدينا موجهة الى جهات ودوائر اخرى ، هذا في الوقت الذي تعرض فيه الكثير من سجلاتنا الرسمية الى الزوال !

في احدى ندوات الثلاثاء الاقتصادية التي كنا نعقدها في المركز الثقافي ب ابو رمانة في التسعينات قلت :

في اسرائيل ثمانية مراكز ابحاث تدرس سورية ، بينما في سورية لايوجد مركز ابحاث واحد يدرس سورية ، طبعا ناهيك عن غير سورية !

وفي التسعينات ، وكنا بصدد اجراء تطوير لمناهچ المواد التدريسية في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق ، ويذكر زملائي آنذاك كيف حاولت كثيرا ادخال مادة في المنهاج بعنوان ( الاقتصاد السوري والعربي) ، ففي كل الجامعات التي اعرفها هناك مادة ، واحيانا مواد ، رئيسة تختص بدراسة اقتصاد الدولة التي توجد فيها الجامعة ، وكنت اتساءل : كيف نقبل ان يتخرج اقتصادي من كليتنا وهو لم يتعرف دراسيا على اقتصاد وطنه ، ولو سئل عن اي شيء فيه لن يستطيع ان يقدم اي اجابة تختلف عن اجابة طالب او خريج اي كلية اخرى ؟ انه لامر غير معقول !

ولم استطع ادخال مادة الاقتصاد السوري والعربي في المنهاج الجامعي ! وكنا سابقا قد ادخلناها عندانشاء الدراسات العليا عندما كنت في جامعة حلب في السبعينات ولكن فقط في منهاج دبلوم الدراسات العليا في قسم الاقتصاد والذي لايتعدى عدد طلابه اصابع اليدين . هذا بينما قاموا ، ودون ان يختلج لهم جفن ، بالغاء اهم مادتين في اي كلية اقتصاد في العالم ، وهما ( الاقتصاد السياسي ) و ( تاريخ الوقائع والافكار الاقتصادية ) ، اللتين لايمكن ان يسمى الجامعي اقتصاديا دون دراستهما ، وذلك ليتخلصوا من الكتابين الذين الفتهما للمادتين وكنت وغيري ندرسهما لسنوات طويلة ، قبل صرفي من الخدمة عام ١٩٩٨ ، ثم تغييبي في السجن عام ٢٠٠١ لسبع سنوات من اصل حكم بعشر سنوات ! واصبح خريجو الاقتصاد محرومين من معرفة حتى اسماء كبار مفكري الاقتصاد ومدارسهم الفكرية العالمية ، هذا اضافة الى تجهيلهم باقتصاد بلدهم والوطن العربي ، وان كنا حاولنا التعويض عن الاخير في محاضرات وبحوث ندوة الثلاثاء الاقتصادية في المركز الثقافي ، رغم قلة عدد الطلبة المتابعين لهذه الندوات .

وللعلم ، فقد كان المرحوم الدكتور بشير الداعوق ، صاحب دار الطليعة للنشر في بيروت ، كان قد الح على بالموافقة على نشر كتابي المذكورين من اجل تلبية حاجة ملحة في الوطن العربي لهما فاعتذرت بسبب المانع القانوني باعتبارهما اصبحا ملكا للجامعات السورية ، هذا علما بان ماحصلت عليه من تعويض عنهما لايتعدى فرنكا سوريا واحدا( خمسة قروش !) عن كل نسخة من الطبعات الجامعية العديدة لهما ، بينما كان عرض دار الطليعة ، رغم استعدادها لتحمل التبعات القانونية ل”سرقتهما “، يكاد يساوي نصف قيمة بيت ، وقد عشت حياتي الجامعية كلها لا املك بيتا !

(اعتذر عن هذا الاستطراد الذي قد يبدو شخصيا وماديا ، لكنه في الحقيقة يمثل قضية عامة وفكرية بامتياز بمقدار ما يؤشر على تدني قيمة المعرفة والمعلومات وحامليها في دولنا العربية ، وبالاخص” المؤممة “، ليس فقط للمؤسسات ، بل ايضا ، وبالدرجة الاولى ، للانسان وللعقل والضمير !) .

كان الشعار غير المعلن ، ولكن المطبق باصرار، الى هذه الايام ، هو الفاء كل ما يحرض العقل على التساؤل والتفكير وتوسيع الآفاق المعرفية للجيل الشاب ، هذا بينما كانت هناك ممالأة بالغة وتكريس ودعم ظاهرين لانتشار الافكار والممارسات التسطيحية والتجهيلية القهرية المعادية للعلم وللابداع والنبوغ في جميع المجالات .

واذكر في هذا الصدد ان قرارا صدر في السبعينات من قبل “الجهات الوصائية ” بمنع الطلبة الموفدين الى الخارج ان يختاروا لمواضيع البحث التي يقدمونها للحصول على الماجستير والدكتوراة مواضيع من سورية ، فكانوا اذا ارادوا دراسة التركيبات الجيولوجية لمعرفة احتمال وجود النفط في الاعماق ، مثلا ، عليهم ان ياخذوا عينات من غير بلدهم ، علما بان هذه الابحاث تكلف غاليا چدا لو قامت بها شركة اجنبية ، وكان من المفترض ان تكلفهم الحكومة التي اوفدتهم باستغلال فرصة توفر امكانيات البحث العلمي لهم في الخارج لحل مشكلات تواجهها الجهات المعنية في بلدهم ، لتحصل مجانا على ماتحتاجه من معلومات عن طريق عقولها الوطنية ، ولتتعامل على اساسها ، وبالاستعانة بخبراتهم ، مع الشركات والدول الاجنبية ، لكن ماكان يحصل هو العكس تماما ، الا وهو اهدار ابحاثهم وهدر خبراتهم واستبعادهم ، بشكل مخطط ،والحيلولة دون جمع خبراتهم في عمل مشترك مفيد ، مالم يكونوا وهم على راس وظائفهم شركاء أوكلاء للشركات الاجنبية موصى بهم من قبلها ، ومالم يكن اجتماعهم لافادتها . اما الشركات الاجنبية فيجري التعاقد معها باسعار وبشروط تضعها هي ، كما يناسبها ، بالاضافة الى ان المعلومات التي تتوصل اليها تحتكرها ، طبعا، لنفسها ، لتستخدمها كما تتطلب مصلحتها الخاصة ، بخلاف مصلحة سورية ، اما المعلومات التي تقدمها للحكومة السورية فتفصلها تفصيلا حسب مصلحتها ، اما ” جهاتنا الوصائية ” ، فكانت تتعامل مع الجهات الخارجية صما بكما عميا ، اللهم الا ارباب الفساد والقرار الذين يعملون وكلاء لتلك الجهات في تعاملها مع بلدهم ، فكانوا يستثمرون جهل الشعب بما في بلده ، المصمم بشكل مقصود ، ويقتنصون من الدول والشركات الاجنبية عند توقيع الامتيازات والعقود معها حصة مقررة من الثمن الحقيقي لما هو معروف لهم في الواقع ، ولكنه معمى للعامة ، ليذهب الي ملء حساباتهم والى استملاك مايشاؤؤن مما تحتويه البلاد مجانا ، او يغذون به ارصدتهم “المليارديرية المتواضعة ! ” في الخارج من حقوق الدولة المفلسة والشعب المفقر ، في الوقت الذي لم يكن يصل الى الدولة ( وهي غير السلطة ! ) والمواطنين شيئا يذكر مما يفترض قانونا انهم مالكون !

وان كنت انسى ، فلن انسى ، يوم ظهر ، بتكرار متعمد وبوجه يفيض حبورا وبشاشة ، على شاشةالتلفزيون احد ” الزملاء “، وكان قد اصبح وزيرا للنفط ، ليزف لنا ” بشرى ” توقيعه عقدا للمشاركة مع احدى شركات النفط العالمية (بعد تغييب قدراتنا الوطنية ومحقها ، ونحن الذين كنا نتفاخر باننا الدولة الوحيدة في العالم الثالث التي تستثمر نفطها وطنيا ، بدءا من التنقيب والاستخراج والنقل حتى التصنيع والتوزيع والتصدير ، دون ان يدخل في ذلك ، طبعا ، التصرف بالعائدات ! ) ، اثناء الاحتفال بالمناسبة ، قائلا : “اشكر مفاوضي الشركة … على تعاونهم الكامل معنا لدرجة انهم اعطونا ( نعم : اعطونا !) اكثر بكثير مما كنا نطالب به او نتوقعه ” ! ( ولم اسمع ان ممثلا للدولة المتعاقدة في العالم قد صرح بمثل هذا الكلام من قبل ولا من بعد !) ، بل ومن شدة عطوفته على ممثلي الشركة النفطية وشكره لكرمهم الحاتمي ( من جيبهم الخاص!!!) وتفضلهم على دولته السموح ، فقد اشعرني بالخجل على جشعي ، انا الذي لايعجبه العجب ولا الصيام في رجب ، وعلى طمعي بما هو افضل ، حتى افقار الشركة النفطية السمحاء !!!

ويستمر التساؤل : لماذا كنا نغط في الركود والاستنقاع في التخلف والفقر والفاقة ، وتحت الاستبداد والفساد ، حتى الولوج في غابة التناحر الهمجي المدمر والرضوخ للاحتلالات العدوانية الاجنبية ، وصولا الى الخروج من التاريخ والجغرافيا ؟

ويبقى السؤال الذي اصبح الآن متقدما على جميع الاسئلة الاخرى : هل من مخرج من الاندثار ، الجاري على قدم وساق , حتى لايكون التفكير في كل ماعداه ترفا لامحل له ؟

هل يستطيع جميع من يتسمون بالسوريين الالتفاف والتمحور الان حول قضية واحدة جامعة وهي التعالي فوق ذواتهم ومصالحهم والتحرر من الاكراهات المحيقة بهم ، ان كانوا مستضعغين ، للبحث عن مخرج ؟

فهل يندرج هذا المطلب بين المستحيلات الطوباوية ؟

هذا ، بالتاكيد ، دون تناسي ، ان مرتكبي الجرائم لايمكن بحال ان يكونوا من صانعي الحل و المخرج ، اذا كنا لانريد تكرار التجارب المؤسفة الاخرى المجاورة لنا ، رغم اننا في حالنا الراهن اسوأ منها جميعا ! وليعلم مرتكبو الجرائم انهم لم يكونوا ، في اي حال ، يشكلون ، حتى في مناطق سيطرتهم ، الا الاقلية التافهة قيمة وعددا ، بخلاف ماهم عليه عدة وقهرا ، بفضل الدعم الخارجي المعادي ، وان لا يتجاهلوا انهم ما ان تنتهي عدتهم الخارجية ويفطمون عن مرضعيهم الأعلين ، حتى يصبحوا هباء منثورا ، وهناك الكثير من الامثلة الفاقعة على ذلك هذه الايام !

فهل يستطيع الاجماع الوطني السوري ، الذي لامندوحة منه اليوم او غدا ، ان يعمل على تحقيق هذا الفطام من اجل بدء بناء سورية الجديدة ؟

  • Social Links:

Leave a Reply