عبد الرزاق دحنون – عبد الرزاق دحنون 

عبد الرزاق دحنون – عبد الرزاق دحنون 

الحُكّام يأكلون الحصرم                                                                                                                                        عبد الرزاق دحنون

يقول أهل اللغة: الميم في كلمة حصرم-وهذا أوانه- زائدة مأخوذة من الحصر وهو العجز عن النطق. والعامَّة تقول لزغب القطا لا تأكلوا الحصرم كي لا تخرسوا. والحصير الملك سُمي بذلك لامتناعه عن الأعين. وعامة الخلق لا يرون رعاتهم  ملوكاً كانوا أو أُمراء  أو  سلاطين أو  أباطرة أو رؤساء دول أو قادة أحزاب , قال الشاعر:                                                                                                                                                                      وقماقم غلب الرقاب كأنهم     جند لدى باب الحصير قيام                                                                               و في عصرنا الحديث نادراً ما نجد الحاكم يخرج إلى الناس دون حرس وأمن بل نراه محاصراً من كل جانب, وكأن بينه وبين الرعية ثأراُ متروكاً. السؤال: كيف نشأت هذه الجفوة بين الحاكم والمحكوم؟  وهل الحاكم المؤتمن على رقاب العباد يتصرف وفق أهواء السلطة أم وفق مصالح الخلق الذين هو راعيهم والمسؤول أمامهم وأمام الله عن أحوالهم و أموالهم وأعراضهم وحياتهم؟ مع العلم أن الحاكم يستمد  سلطته من الجماهير الغفيرة التي يحكمها وهو ملزم بتحقيق رغباتها لا رغباته وهو المسؤول عن معيشة رعاياه. بل وأكثر من ذلك قد يُسمي حاكم البلاد أجيراً، فقد روى هادي العلوي البغدادي –طيَّب الله ثراه- في دراسة له عن فيلسوف المعرة هذه الواقعة: في رواية ترجع إلى صدر الإسلام عن تابعي يدعى أبو مسلم الخولاني، من أهل اليمن, دخل على خليفة أموي, فخاطبه بعبارة: أيها الأجير. ولما استنكرها الخليفة بيَّن له: نعم أنت أجير استأجرك رب هذا الأغنام لرعايتها. وفيلسوف المعرة  يتحدث عن علاقة الإيجار التي تربط الحاكم بحكمه, فيهاجم الحكام لظلمهم الرعية, وإهمال مصالحها رغم أنهم أجراء لها:

ملَّ المقام فكم أعاشر أمة           أمرت بغير صلاحها أمراؤها                                                     ظلموا الرعية واستجازوا كيدها     فعدوا مصالحها وهم أجراؤها                                                                                                           وإذا كان الحاكم أجيراً عند الناس فمن حقهم خلعه عندما يخل بشروط العقد الذي أبرمه معهم. و هناك قاعدة فكرية خطيرة  ترجع إلى كونفوشيوس وتوسع فيها أهل الفكر في الحضارة  الإسلامية تقول: إن أخلاق الناس تتبع سلوك الحاكم, فإن كان عادلاً مستقيماً عدلوا واستقاموا وإن جار وسرق جاروا وسرقوا. وقد قال  سقراط في معرض رده على أفلاطون: إن إي رجل دولة مسؤول  يستوجب القصاص منه والحكم عليه بالفعل؛ لأنه ترك القطيع البشري الذي يرعاه أكثر شراسة مما كان عليه حين تولى أمره.

يقول أبو سليمان البُستي في كتاب (العزلة) إن سبب فساد الحاكم هو غياب النقد وما يلقاه من المدح والتملق من الحاشية والأدباء. وتحدث الماوردي في (نصيحة الملوك) وهذا الكتاب-حسب هادي العلوي- لا يزال مخطوطاً توجد منه نسخة وحيدة في المكتبة الوطنية في باريس. يقع الكتاب في 98 ورقة مكتوبة بخط جيد يرجع تاريخ نسخه إلى عام 1007 هجرية.وفيه يتحدث عن أسباب سقوط الحكام فأرجعها إلى سببين كبيرين هما الحكم الوراثي وغياب المعارضة.

الأول لأنه يعطي  السلطة  للوريث دون النظر إلى مؤهلاته فينتج عنه ظهور حكام ضعفاء عديمي الكفاءة فيعجزون عن إدامة سير الدولة في طريق الازدهار فيقع الضعف والانحلال في أوصالها. أما المعارضة فغيابها يترك الحاكم يتمادى في فرديته فتتراكم أخطاؤه إذ لا يجد من يكشفها له بل إن المداحين من الحاشية والأدباء يطوقونه بهالات التبجيل والحكمة والعصمة فيصدق هو فيصبح خطؤه مأثرة وخطيئته إحساناً ولصوصيته إيثاراً واستبداده رحمة. وحسب الماوردي فالحاكم يقع فريسة أخطائه وأهوائه التي تتفاقم فتضع دولته على حافة الانهيار.

  • Social Links:

Leave a Reply