مشاعيَّة كارل ماركس
عبدالرزاق دحنون
كارل ماركس من أولئك الفلاسفة الكبار الذين يتمتعون بقدرة مذهلة على الاستمرار, فقد تكامل مشروعه المشاعي فكرياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً, فهو الذي أطلق هذه الحركة المشاعيَّة التي انتظم فيها ملايين الجياع في شتى القارات, وأدت إلى تحسين جذري في معيشة الكادحين على نطاق كوكب الأرض, وهذا ما سعى إليه من تأليف كتابه المشهور رأس مال.
وأزعم بأن مشاعيَّة الشرق تقف على صعيد واحد مع شيوعيَّة كارل ماركس, ونحن نلحُّ بأنه أنتج معارف فلسفية هي في المجمل أقرب إلى فلسفات أهل الشرق وخاصة في أشواقها الإنسانية. ذلك أن قوامها الاجتماعي المتمثِّل في الشيوعيَّة الحديثة يضفي على الفلسفة الماركسية مسحة من روح المشاعيَّة الشرقية. ويتميز فلاسفة الماركسية الأوائل كارل ماركس, فريدريك أنجلز ,بليخانوف , لينين, بهذه الروح التي تضعهم في تضاد مع فكرة التملك في عالم رأس المال.
يمكن بسهولة أن نتلمَّس في تطلعاتهم وأحلامهم كما في سلوكياتهم خصال أهل الحكمة في الشرق, أي ذلك النمط من المثقفين ذوي العقول السامية والرؤى الكونية الشديدة الحماس لخدمة البشر. والمشاعيَّة بالتعريف الاقتصادي تضاد الملكية فالمشاع لا يملك ويتشكل تاريخ الشرق من الصراع بين المشاعيَّة والتملك. والتسبيل عند أهل الشرق يعني وضع المال, أو ما يَنُوب عنه, في السبيل, الذي هو الطريق, أو جعله في سبيل الله, أي توزيعه على عباد الله. والمصطلح أورده فيلسوف المعرة بقوله في اللزوميات:
ففرقْ مالكَ الجمَّ
وخلّ الأرضَ تسبيلا
و المال والأرض -ظاهرها وباطنها- كلها لله في عرف أهل الشرق, و المتسول الذي يقف على أرصفة المدن المكتظة بالناس المتخمين ويطالب بحقه: من مال الله. يعي أصول الشيوعيَّة -على بساطته وأميته- أكثر منا نحن الذين ندعي فهمها.
وعندما أشرقت على الأرض شمس الاشتراكية البلشفية والتي سماها تروتسكي حكومة الفقراء؛ وفَّرت الأرض لمئة مليون فلاح روسي, وهذا أعظم انجاز وفَّرته ثورة للناس منذ فجر التاريخ. وأنا ما عندي شيء أقترحه لبداية البدايات, فعندما حاول بلاشفة روسيا بقيادة حكيمهم لينين قلب الدنيا لصالح الفقراء نزلت عليهم نازلة من بينهم. وهؤلاء الأبدال, كما يسميهم معلمي هادي العلوي البغدادي, حاولوا عمارة الأرض بالعدل, فما أفلحوا. وكان ما كان مما لست أذكره, فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر.
في العام 1883 انضم حشد إلى جنازة كارل ماركس, حشد مؤلف من أحد عشر شخصاً، بمن فيهم موظف الدفن متجهين إلى رفاته والذي حمل أشهر عباراته التي نقشت على لوحة القبر: الفلاسفة فسروا العالم بطرق مختلفة، ولكن المسألة هي في تغييره. هذا المشاعي الجليل الذي عمل على تغيير العالم أمضى حياته هارباً من الشرطة، ومن الدائنين وحول عمله الأهم، يقول: لم يكتب أحد هذا الكمّ من الكتابة عن المال، وهو لا يملك إلا قليلاً جداً من المال. رأس المال لن يكفي لتسديد ثمن التبغ الذي دخنته وأنا أكتبه.

Social Links: