التشجيع الرياضي ومتلازمة الجهل والعنصرية
نبراس دلول
طويت في العاصمة الروسية موسكو يوم أمس صفحة جديدة من صفحات بطولة كأس العالم بكرة القدم، هذه البطولة التي تجمع بين ثناياها ليس الرياضة فقط وإنما أيضاً الفن والسياسة والدبلوماسية والشغف والحماس الذي يصل في أحايين كثيرة حد الشغب والعنف ، وهما اللذان يتغذيان من تلك المشاعر التي تثيرها في النفس هذه البطولة الكروية.
طبعاً، لطالما كانت تلك العناوين الفرعية جزءاً أساسياً ليس فقط من بطولة العالم ، وإنما أيضا من أي بطولة كروية محلية أو قارية ، في محافل الأندية كما في محافل المنتخبات الوطنية. لكن الجديد هذا العام كان في عديد المقاربات التي اتبعها مشجعو الكرة خصوصاً من خارج المنتخبات المشاركة. فقد أبانت النسخة الحالية عن صفتين تمتع بها مشجعو الكرة من الناطقين بالعربية ، وهي ما حفلت بتعليقاتهم ومشاركاتهم وسائل التواصل الإجتماعي على تنوعها.
فقد كان الجهل إضافةً الى العنصرية هما الصفتان الأساسيتان للمشجع العربي الذي انبرى يحمّل الرياضة مالا تحمل ، و محاولاً تقويل التاريخ مالم يقله. فقد ابتعد التشجيع عن الرياضة بحد ذاتها ، واستبدل بدلاً عنها الإسقاطات السياسية والتاريخية والفكرية ( الخاطئة ) على المستطيل الأخضر، ليمتزج إذ ذاك الجهل مع العنصرية مع بساطة الإنسان العربي وضيق أفقه، وهذا ماتجلى بشكل فاقع في تشجيع المنتخب الكرواتي خارج اعتبارات الرياضة. فعلى الصعيد الشخصي، ومنذ المباريات الأولى ، وقفت بجانب الفريق الكرواتي نتيجة اللعب الممتاز الذي قدمه ولما أبداه من حس تنافسي ومن تراكم واضح منذ أكثر من عقدين، وهذه أسباب كافية تجعلنا نشجع ” التمرد” الكرواتي الكروي. لكن أن يكون تشجيع كرواتيا نابعاً من اعتقاد خاطئ ومبالغ فيه من أن الكروات ناس بسطاء يعيشون في دولة مسحوقة ، وأن الكروات مثلهم مثل أبناء الدول الأخرى المهمشة والمسحوقة خلال القرن العشرين، فهذا هو الأمر الذي جعل البعض ينتفض في مواجهة جهل العقل العربي وأميته في السياسة والتاريخ.
فكرواتيا، هذه الدولة المنبثقة من تفكك الإتحاد اليوغسلافي، قد لعبت دوراً قذراً في حروب البوسنة والهرسك إلى جانب الصرب، فمارسوا والصرب الإبادات الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان ضد مسلمي البوسنة، كما وسبق للكروات في أواسط الحرب العالمية الثانية أن مارسوا أيضاً إبادات جماعية بحق جيرانهم الصرب قبل حكم الجنرال تيتو وتوحيد يوغسلافيا. بهذا المعنى، ليست كرواتيا دولة مسالمة وبسيطة كما يعتقد العرب ، كما أنها ليست دولة تحررية ولا صاحبة منجزات انسانية خصوصاً قبل أكثر من عشرين عاماً عندما كانت إحدى ” أبطال” المجازر أثناء حروب البلقان.
وإذ نبقى مع المثال الكرواتي، فإنه لايمكننا إلا أن نذكر بشئ من الحسرة على العقل العربي، كيف كان تشجيع المنتخب الكرواتي ، خصوصاً في لعبتيه ضد إنكلترا وفرنسا، يأخذ طابعاً منافياً للعقل وشئ أقرب إلى الشيزوفرينيا وأشياء أخرى. فعلى الرغم من أن المنتخبين الإنكليزي والفرنسي يضمان الكثير من أبناء المهاجرين الأفارقة السود في صفوفهما، وهذا مايعبر بطبيعة الحال عن جوهر تلك المجتمعات الغربية وتطورها، إلا أن المشجع العربي والشرقي بالعموم كان يشجع كرواتيا ، لا لأحقيتها رياضياً وهذا أمر بيّن، وإنما لأنه يعتقد أن كل من إنكلترا وفرنسا وقبلهما بلجيكا هي دول عنصرية !!! يحدث هذا في الوقت الذي تطورت فيه تلك المجتمعات عما كانت عليه قبل أكثر من خمسين عاماً، وباتت مجتمعات تحفل بالتعددية الثقافية Multiculturalism لدرجة توزير رجال ونساء من خلفيات عرقية ودينية متنوعة ، بغض النظر عن كونهم ليسوا بيضاً أو مسيحيين. ويحدث ذلك أيضاً في الوقت الذي تُمنع فيه مظاهر التعددية الثقافية تلك في بلاد مثل كرواتيا وصربيا وتشيكيا وعموم أوربا الشرقية. لقد إختلطت الامور على العقل الجمعي العربي المهزوم في كل شئ ،وذلك لدرجة المطالبة بتشجيع كرواتيا ،لأنه بتشجيع كرواتيا نحن نشجع الدول المسحوقة !! هل حقيقةً لا يدرك هذا المتحمس، أنه لا يستطيع أن يبقى في كرواتيا للعمل أو الدراسة ، فمابالك بالإقامة الدائمة أو طلب الجنسية، أكثر من وقت قصير لأن المجتمع هناك ، كما القانون، لن يحميه من الإعتداءات المعنوية واللفظية والجسدية طالما أنه ليس أبيضاً ومسيحياً وكرواتياً أباً عن جد !! باختصار: جرب، إن كنت أسمراً أو أسوداً أو أسيوياً، مسلماً أو يهودياً أو بوذياً، أن تعيش في كرواتيا وسترى ماذا سيفعل بك ذلك الشعب الذي تصفه بأنه شعبٌ مسحوق !!.
وإلى جانب ظاهرة تشجيع المنتخب الكرواتي هذه، بدت أيضاً ظاهرة أقل منها وتمثلت بتشجيع المنتخب البلجيكي خصوصاً في مباراتيه، أيضاً ضد إنكلترا وفرنسا. فلقد تم تشجيع المنتخب البلجيكي عربياً لأن بلجيكا بنظرهم ليست دولة استعمارية !! فمصيبة كبيرة أن يتم اختصار الإستعمار بظاهرتيه الإنكليزية والفرنسية لأننا معنيون بهما فقط، في حين نتناسى ، أو لا نحفظ أساساً ولايهمنا ، أن معظم الدول الأوربية الغربية قد مارست الإستعمار وإن بصور وأشكال واتساع أقل من ذاك الإنكليزي والفرنسي. لقد كانت بلجيكا حقيقةً من تلك الدول الأوربية الغربية التي مارست الإستعمار وبأبشع صوره خصوصاً في الكونغو والذي كان لعقود خلت يسمى بالكونغو البلجيكي، وكان لملك بلجيكا ليوبولد صولات وجولات في ممارسة الأفعال العنصرية بشكل مباشر في ذلك البلد الإفريقي المسكين. فمن أين وكيف أتى العرب بمقولة أن بلجيكا ليست دول استعمارية وعلينا تشجيعها ..لا أحد يعرف !!.
أما الشيزوفرينيا الرئيسية في كل ظاهرة التشجيع العربي، فتكمن بأولئك الذين يقطعون ألاف الأميال للوصول إلى بلجيكا وفرنسا وانكلترا والدانمارك وألمانيا، بعد أن يكونوا مروا بصربيا وكرواتيا وإسبانيا واليونان وغيرهم من تلك الدول التي تذيقهم الأمرين، لكن وبمجرد وصولهم إلى دول أوربا الغربية التي تمنحهم الحماية القانونية والتعليم والإقامة الدائمة ولاحقاً الجنسية ، نتفاجئ بأنهم لايشجعون منتخبات تلك الدول التي قدمت لهم كل شئ!! والأنكى أنهم يصفونها بأنها دول عنصرية ولذلك يشجعون كرواتيا مثلاً!! كرواتيا التي يحاولون تحاشي المرور بها أو بشقيقاتها في شرق و وسط أوربا أثناء تغريبتهم الهلالية الشاقة تلك. لا أدري كيف يتباكى هؤلاء اللاجؤون ويحمّلون وزر عدم اندماجهم على تلك الدول والمجتمعات التي استضافتهم، في الوقت أن من بديهيات الإندماج هو حمل اللاجئ لقضايا واهتمامات المجتمع الذي استقبله، بالإضافة إلى محاولة التماهي مع الشجون ومع الشعور الوطني للدولة التي سيحمل أو حمل جنسيتها !! و لاننسى في هذا السياق أن نذكّر أيضاً بكثير من المرارة، أن التعابير العنصرية بحق المنتخب الفرنسي كون معظم لاعبيه سود البشرة قد أتت من لاجئين عرب يقيمون في الدانمارك وألمانيا وفرنسا وغيرهم. فعدا عن كم التناقض في الذي رموا به المنتخب الفرنسي ، حيث أنهم لاجؤون وسمر البشرة، هناك تناقض أكبر نراه تماماً في كونهم يعيبون على فرنسا ” عنصريتها ” على الرغم من أن أكثر من نصف منتخبها هم من السود، من ثم يمارسون عنصرية أبشع بما لايتصوره عقل. والسؤال الأهم كيف تشجعون فريقاً بحجة مناهضتكم لعنصرية الفريق المقابل، في حين أن هذا الفريق الذي تشجعونه لايوجد فيه شخص واحد غير أبيض وغير مسيحي، بينما الفريق الذي تناهضون عنصريته المزعومة ، فيه أكثر من نصفه من سود البشرة وبعضهم من الديانة الإسلامية !!
طبعاً، إن جملة التناقضات تلك التي أبان عنها الوعي الجمعي العربي في تشجيع بطولة كأس العالم ليست بلا أساس ، بل هي تمظهر جديد للعقل الشرقي بشكل عام والمسلم بشكل خاص (ويماثله إلى حد كبير العقل اليساري المتطرف). ذاك العقل الذي يتسم بقلة الوعي السياسي والتاريخي لما يحدث من حوله من جهة، ونموه على خصائص نفسية موروثة ومحددة جلها يعتمد على مزيج من الإنكار وفوبيا الأخر. فالإنكار بمعنى تجنب الحقيقة حتى لوكانت تفقء العين بضيائها، وهذا مانلاحظه من قيام الكثيرين ممن هم في أوربا لاجئين معززين مكرمين بالتواصل مع سفارات إسلامية كالسعودية والإمارات وتركيا اعتقاداً منهم أن سفارت تلك الدول التي لم تستقبلهم أساساً، تبقى سفارات لبلاد إسلامية عليهم العمل معها حتى ولو ضد الإنتماء لتلك البلدان التي استقبلتهم وحمتهم إن كان في أوربا الغربية أو في أميركا على سبيل المثال. وأما فوبيا الأخر، فهي بمعنى أن الأخر دائماً يبقى أخر ، وأن لا مجال لمساحة وسط وتفاعل بين الأنا والاخر. من هنا يبقى اللاجئ أو المهاجر المقيم في أوربا الغربية ينظر إلى الأوربي الذي منحه كل تلك الميزات ودعاه للإندماج، على أنه أخر ومغاير وسيبقى أخراً ومغايراً وبالتالي (شريراً)، في حين أن نظرته للسعودي أو الإماراتي أو الباكستاني الذي لم يقدم له شئ ، هي نظرة على أنه جزء من أناه الخاصة، جزء من النقاء وبالتالي من ( الخير ).
كان بإمكان دول أوربا الغربية أن تأتي بك لتعمل عندها وتبني وتنظف لها مقابل إقامة بلاحقوق تجددها لك كل عامين كما تفعل دول الخليج ، وتطردك متى شاءت أيضاً مثلما تفعل دول الخليج. كما أنه بإمكان دول أوربا الغربية أن لا تأتي بك أساساً لا للعمل ولا لغيره وأن تستبد بك وبدينك ولونك كما تفعل دول أوربا الشرقية…. لكن كل هذا لم تفعله دول أوربا الغربية ، إذ فقد تخلت على امتداد عقود عن كثير من ممارساتها السابقة ، ولتتبنى مبدأ التعددية الثقافية …لا لشئ، فقط لأنها تعبر عن مركزية الثقافة الأوربية وتفوقها… هذه الثقافة التي لايمكن التنظير لاستبدالها إرادوياً، كما فعلت وتفعل مدرسة التبعية منذ السبعينيات والثمانينات، إلا بإحلال ثقافة أرقى وأوسع وأشمل منها، وهذا ماليس موجوداً بين كل تلك الثقافات المعاصرة الأخرى التي أتينا على ذكرها ونقدها.
لايمكن في الختام إلا أن نحيي فرنسا ، لا لفوزها بكأس العالم، بل لكونها البلد الأوربي الأول الذي أدخل على تشكيلته الكروية فرنسيين من أصول إفريقية وذلك منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات، لتتبعها تدريجياً بقية الدول الأوربية والتي كان أخرها المنتخب الألماني في نسخة 2002 … ونتمنى أن يكون الحبل على الجرار، ولتختلط الأعراق والأنساب والأديان والأفكار على قدم من الحرية والمساواة ، ليس في أوربا وحدها وإنما في كل العالم… هذا العالم الذي يستحق منا أن نفعل.

Social Links: