الثقافة كممارسة أخلاقية – حسن النيفي

الثقافة كممارسة أخلاقية – حسن النيفي

ينعى الكثيرون على الثورة السورية أنها وُلدت عرجاء، إذ كانت ولادتها غير سوية، بسبب افتقارها للمشروع التنويري الذي من المفترض أن يكون قد مهّد لانطلاقتها، ثم واكبها، ويرى كثيرون أيضاً أن ثورة الكرامة لم تكن تنطوي سوى على شعارات شعبوية عامة قد تصلح لأن تكون مادة مناسبة لاستثارة الجماهير وتأجيج الحراك الشعبي، أمّا من حيث المضمون فلم تحمل الثورة وراء زخمها الشعبي مشروعاً وطنياً واضح الملامح تتبيّن في تضاعيفه مطالب المواطنين، ولم يكُ في موازاة هذه الثورة رؤية واضحة لملامح سورية المستقبل كما يريدها الثائرون. ولعل مجمل هذه العوامل قد شكلت أسباباً موضوعية لسهولة اختراق الثورة السورية سواء من نظام الأسد، أو من الأطراف الإقليمية والدولية، كما كانت العامل الأهم في سيطرة السلاح على مفاصل الثورة، وهذا كله قد دفع بالثورة نحو الانزياح السريع عن واجهتها النقية التي توشحت بها غداة انطلاقتها في آذار 2011.

لعلّه من الصحيح أن الثورة السورية ولدت مجرّدةً من الأطر الحزبية، وكذلك بعيدة عن المظلات الإيديولوجية، فضلاً عن عفويتها وانتشارها السريع من الجنوب السوري إلى أقصى الشمال، والمشاركة الواسعة والمتنوعة لمعظم أطياف السوريين القومية والدينية، ولكن هذا كلّه لا يؤكد صحة الآراء السابقة، بل ينفيه، إلّا أنه ليس من أولويات هذه المقالة البرهنة على هذا النفي،

أزمة المشهد الثقافي في سورية إنما ترتدّ في كثير من أسبابها إلى أزمة المثقفين أنفسهم، أي في فهمهم للفعل الثقافي أولاً، وفي تصوّرهم للمادة الثقافية، من أين يستمدّونها، ولمن يسخرونها ثانياً.
بقدر ما تهدف إلى الإشارة لنوع من الممارسة الثقافية كانت هي المنتِج الوحيد لخطاب يشكك بمصداقية الثورة قبل ولادتها، ثم ما لبث أن تحول أصحاب هذا الخطاب – غداة انطلاقة الثورة – إلى ساسة ومنظِّرين للثورة بآن معاً، والآن ، وبعد مضي ثماني سنوات من عمر الثورة، نراهم يعودون من جديد إلى إلى تكرار خطابهم الأول، ولكن تحت عناوين مختلفة.

ما يمكن الركون إليه هو أن أزمة المشهد الثقافي في سورية إنما ترتدّ في كثير من أسبابها إلى أزمة المثقفين أنفسهم، أي في فهمهم للفعل الثقافي أولاً، وفي تصوّرهم للمادة الثقافية، من أين يستمدّونها، ولمن يسخرونها ثانياً.

ولئن كان نظام الأسد قد سعى على الدوام إلى تدجين الوعي الاجتماعي- شأنه شأن أي نظام استبدادي- وجعله متماهياً في خطاب الولاء الذي يحتاج إليه كشرط للبقاء في السلطة، إلّا أن وعي المثقف لهذا التدجين كان في أغلب الحالات إما غائباً، وإمّا متجاهلاً، أي إن الممارسة الثقافية لدى هؤلاء لم تجسّد وعياً من شأنه أن يؤسس لمشروع اجتماعي رافض للظلم والعبودية، وداعياً إلى التحرر من كوابح الخوف، بل كان في أكثر حالاته نائياً عن السياق الاجتماعي لحياة الناس، مع التأكيد على استثناء ندرة من المثقفين السوريين كانوا، وما يزالون يمارسون دوراً ثقافياً رائداً بالمعنى الأخلاقي للثقافة.

لا أعتقد أن انحسار فاعلية الثقافة في سوريا يمكن اختزاله بممارسات نظام الحكم أو بمؤثرات الاستبداد فحسب، بل الأمر يطال طبيعة فهم الوظيفة الاجتماعية للثقافة من جهة، وكذلك أزمة الوعي المعرفي لدى المثقفين أنفسهم من جهة أخرى. فثمة طيف واسع من المثقفين السوريين، أتاحت لهم مواقعهم الاجتماعية والثقافية – سواء داخل مؤسسات السلطة أو خارجها – أن يكون صوتهم مسموعا، ونتاجهم مقروءاً، ولكنهم مارسوا دورهم الثقافي باستعلاء كبير على المحيط المجتمعي، من خلال ابتعادهم عن الهم المباشر لحياة المواطن وقضاياه الحياتية، وحقوقه المهدورة، وآثروا الاشتغال على قضايا فكرية ونظرية يحتاج الوصول إليها إلى قفزات كبيرة فوق الواقع المعاش، ملتمسين سلوكاً أخلاقياً واجتماعياً هو أكثر تصالحاً مع وظائفهم ومؤسساتهم السلطوية الراعية لهم. قسم كبير من هؤلاء كان هو المصدّر لمجمل ما جاء في مطلع المقالة، وكان كثير الترداد – قبل الثورة – لمقولات يراد منها تسفيه أي حراك شعبي في مواجهة السلطة.

غداة انطلاقة الثورة، وفي أطوارها المتوهجة الأولى، انخرط قسم كبير من هؤلاء ، وبسرعة فائقة، في الرتل الأول لصفوف الثورة، وتحول خطابهم الثقافي من خطاب متصالح مع ذواتهم الشخصية المهادنة، إلى خطاب راديكالي ناري متجاوز لحدوده المعرفية، ومتماهٍ في الوقت ذاته مع نزوع إعلامي يؤكد رغبة شديدة لدى صاحبه بالظهور دائماً في الواجهات البراقة، وبفضل القدرة التي يمتلكها هؤلاء على التبديل السريع للمواقع، انتشر عدد لا بأس به منهم في معظم الكيانات الرسمية للمعارضة، وبحكم مواقعهم الجديدة في السلطة المُتَخيّلة، مارسوا أدوارهم كقادة ثورة أو سياسيين رياديين.

إلّا أن السيرورة المتشعبة للثورة السورية، والمآلات الموجعة التي انتهت إليها قضية السوريين، وكذلك اهتراء وتفسّخ المراكب التي ركب فيها هؤلاء لأسباب هم مسؤولون عنها قبل غيرهم، طيلة سنوات من عمر الثورة، لعل جميع هذه الأسباب أسهمت في تقزيم طموحاتهم السلطوية، كما ساعدت في فضح هجانة سلوكهم السياسي، الأمر الذي جعلهم يفكرون – فرادى وجماعات – في ضرورة القفز من تلك المراكب قبل غرقها النهائي، والعودة السريعة إلى مواقعهم الثقافية، ليمارسوا دوراً تنظيرياً يظنونه جديداً،

الأمر يغدو إشكالياً حين يتحول هذا المُنتَج الثقافي إلى سلوك نمطي متشابه شبه وظيفي، يتجسّد بمئات الوثائق التي إنْ جمعتَها وقرأتَها لوجدت أن مضامينها واحدة ، لا تضيف واحدة على الأخرى شيئاً نوعياً أو جديداً.
إلّا أن جدّته الشكلية لا تخفي مضمونه ونهجه القديم، فكما كان هؤلاء يمارسون فعلاً ثقافياً متعالياً ومفارقاً للهم الإنساني المتراكم في حياة السوريين قبل الثورة، يعود هؤلاء اليوم لإنتاج الخطاب ذاته، ولكن تحت عناوين قد تبدو شديدة الأهمية، ولكن أهميتها ومشروعية الحديث عنها مشروطة بالوقوف عند ما هو أهم كما أعتقد.

لا شك أن إصدار الوثائق المتلاحقة التي تنطوي على تصورات ورؤى حول مستقبل البلاد بعد زوال نظام الاستبداد، لهو أمر مهم وضروري، وكذلك الاجتهاد وكدّ الذهن من أجل إنتاج رؤية وطنية جامعة لدولة سورية جديدة تحفظ وتصون حقوق السوريين، هي مسألة في غاية الأهمية، إلّا أن الأمر يغدو إشكالياً حين يتحول هذا المُنتَج الثقافي إلى سلوك نمطي متشابه شبه وظيفي، يتجسّد بمئات الوثائق التي إنْ جمعتَها وقرأتَها لوجدت أن مضامينها واحدة ، لا تضيف واحدة على الأخرى شيئاً نوعياً أو جديداً، يحاول هذا النشاط – على أهميته – القفز إلى الأمام وتخطّي الأولويات، يتجاهل كلياً القضاياً الأكثر وجعاً للسوريين، إذْ إن قضية مئات الآلاف من المعتقلين السوريين الذين يتواطأ العالم بأجمعه على نسيانهم، وتبرئة نظام الأسد من جرائمه ليست قضية ثانوية، وكذلك محاولات الروس الرامية إلى إجبار اللاجئين السوريين على العودة ورميهم بين براثن سلطات الأسد دون أية ضمانة دولية ليست مسألة تافهة، ثم إن إمعان نظام الأسد المدعوم روسياً وإيرانياً باستمراره في القتل واستئصال السكان من مدنهم وبلداتهم ، المدينة تلو الأخرى، لهو أشدّ خطراً وأولوية من الجدل حول شكل الحكم أيكون رئاسياً أم برلمانياً، بل إن مجاراة حكومة بوتين على كتابة دستور جديد لسورية واختزال القضية السورية بترقيع دستوري وانتخابات سيكون بطلها بشار الأسد، ما هو إلّا تخلٍّ كامل عن القرارات الأممية التي حصل عليها السوريون بتضحياتهم ودمائهم.

لعلّ المريب في الأمر أن مجمل أصحاب وثائق (سورية المستقبل) والذين عادوا لمواقعهم التنظيرية، حين يتعرضون لنقد كيانات المعارضة – وغالباً ما يكون بطريقة خاطفة وعامة – ينسون أو يتناسون أنهم كانوا منتشرين كالجراد في جميع هذه الكيانات من المجلس الوطني وحتى هيئة التفاوض، كما يتجاهلون أنهم لم يغادروها إلّا حين أصبحت أرضاً ليست بذي زرع. لعل من حق أي مثقف سوري أن يحلم بسورية التي يهوى، ولكن من حقها عليه ملامسة أوجاعها قبل نعيمها المُتَخيّل.

  • Social Links:

Leave a Reply