مهمة مؤقتة
هند مجلي
اسمي هند مجلي، من درعا، مهد الثورة السورية. كنت مدرسة لغة إنجليزية لمدة 30 سنة.
تعودت في سوريا أن أختار التجربة، لأخوضها وأواجه ما يمكن أن تنطوي عليه من تحديات. كنت شخصية مستقلة بقراراتي وحياتي، أواجه المصاعب والتحديات بقوة وإرادة. لم أكن إلا ما أريد، ولم أربي أولادي إلا كما أردت. لم أخضع لقوانين المجتمع أو الثقافات الموروثة والقوالب الجاهزة.
عام ٢٠١١، اخترت انتمائي للثورة السورية، والوقوف مع أبناء بلدي ممن نادوا بالحرية، والهتاف معهم، مطالبين بالحرية والكرامة، وبدولة ديموقراطية، دولة عدالة وقانون. وكان علي أن أدفع ثمن ذلك، كما دفعه كل سوري انضم إلى صفوف الثورة.
كنت من الأوائل في تنظيم المظاهرات السلمية في درعا، مظاهرات أغصان الزيتون، التي قابلها النظام بالرصاص والاعتقال. كنت مستعدة أن أدفع ثمن خياري وانتمائي الشعبي والثوري، فكنت أول امرأة تعتقل في المدينة التي انطلقت منها الثورة السورية (درعا). كانت ظروف ذلك الاعتقال سيئة جداً؛ فرضت علي الإقامة في زنزانة ضيقة، لا تكاد تتسع لقطة. كانت زنزانتي عبارة عن دورة مياه (تواليت) فيها صنبور ماء مفتوح على الدوام.
خرجت من المعتقل أكثر اندفاعاً وحماساً، وأكثر إيماناً بقضية شعبي وثورة سوريا، فكان المعتقلون أولى اهتماماتي، وكنت أتابع ملفات اعتقالهم ومحاكماتهم مع عدد من الأصدقاء المحامين.
تم اعتقالي مرة ثانيةً، وبظروف أسوأ من الاعتقال الأول. خرجت بعدها لأتلقى الصدمات واحدة تلو الأخرى؛ كان أولها أن ابنتي طالبة الهندسة المعمارية كانت معتقلة معي في نفس الفرع، دون علمي. خرجت أنا وبقيت هي. ثم توالت الأخبار القاسية، من استشهاد ابن أخي، واستشهاد ابنه الوحيد، وهو مهندس يبلغ من العمر ٢٤ عاماً، لم يكن ذنبه سوى المشاركة في الحراك المدني السلمي في مدينة دمشق. ثم اعتقال باقي إخوتي وابنة أخي، واستشهاد الكثير من شبان مدينتي، ممن عرفتهم خلال الفترة الأولى من الثورة.
ورغم كل الحزن والألم، تابعت في طريق الثورة، مؤمنة أنها ستنتصر بعزيمتنا ومثابرتنا،
إلى أن جاءت الضربة التي كسرتني أكثر من أي اعتقال وأكثر من كل عنف تعرضت له، كان استشهاد أخي الأصغر بعد ثلاثة اعتقالات متتالية، ولم تكن جريمته إلا انتماؤه لصفوف الناس ومساعدتهم.
تبدل كل شيء بالنسبة لي، لم أعد أقوى على احتمال ذكرياتي عن بيتنا وشارعنا الذي سكناه لسنوات، عن الأصدقاء والأهل.. وعن أخي الذي شاركته الحياة منذ لحظة ولادته. قررت أن أبتعد عن مناطق النظام وأعود للمناطق الخارجة عن سيطرته، فقصفُ الطائرات والصواريخ والبراميل مجتمعة هو أسهل من الاعتقال. لكنني لم أتمكن من ذلك بسبب القصف المستمر على تلك المناطق، وعدم وجود وسيلة توصلني إلى هناك.
بعد فترة، قررت مساعدة ابن صديقتي، وهو طالب جامعي اعتقل عدة مرات، وعملت على إيصاله إلى أحد المهربين ليتجاوز الحدود السورية اللبنانية بشكل غير نظامي، ويخرج من البلد كي لا يعاود النظام اعتقاله، وعندما وصلنا للقاء المهرب، قررت أن أتابع الطريق معهم إلى لبنان. حاولت في لبنان أن أتابع نشاطي في الثورة، من خلال تواصلي مع منظمات عديدة، ومساعدة منظمات المجتمع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إلى أن جاء خبر وفاة أمي داخل سوريا، وتلاه مباشرة تقديم مفوضية الأمم المتحدة لشؤؤن اللاجئين عرضاً بالسفر إلى ألمانيا. وافقت دون تردد، كنت أريد الهروب من كل شيء.
أنا في ألمانيا الآن، لاجئة، وهي صفة فرضت علي. لم أتخيل يوماً أن أصبح لاجئة في بلد أحبه وأحب نظامه وقوانينه. كنت أريد لبلدي أن يكون مثل ألمانيا، كنت أريد لسوريا أن تكون دولة ديموقراطية، دولة مواطنة وعدل وقانون، كما هي ألمانيا. لم أتمنى يوماً أن أكون لاجئة في ألمانيا، أو في أي دولة أوروبية أخرى.
كل ما أعرفه أنني لست هنا في رحلة ولا في زيارة. لا يعنيني جمال الطبيعة، ولا احتفالات الألمان بأعيادهم ومناسباتهم.
لقد تركت هناك في بلدي أهلاً وشعباً يئن من الألم وينزف أنهاراً من دم، ومعتقلين يموتون في السجون تحت التعذيب. أحاول أن أكون قوية رغم كل الوجع الذي أحمله في روحي، أحاول أن أفلسف وجودي في هذا المكان لأحقق شيئاً من التوازن لروحي، ولا أشعر بالتوازن إلا باستمرار تواصلي مع من بقي في سوريا مرغماً أو مختاراً. بينما عشرات الأسئلة تأكل رأسي كل يوم: كيف أندمج؟ وهل باستطاعتي الاندماج، وأنا أشارف على الستين؟ كم بقي لي؟ كم سأعيش؟ هل سأموت هنا وحيدة؟ لا أهل ولا أصدقاء؟
ما زلت مستمرة في متابعتي لشؤون المعتقلين في سجون النظام أحاول أن أكون صوتهم، أرصد أسماءهم، أترقب أخبار الإفراج عنهم، أفرح ويعتريني الأمل من جديد حين أبشر أهالي المعتقلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنه ما زال هناك أمل، وأن أبناءهم سيخرجون يوماً ويعودون إليهم سالمين.
ما زلت أحاول أن أقدم المساعدة رغم ضعف الإمكانيات، فأنا لاجئة في بلد أجهل لغته إلا أنني أعرف قوانينه ومؤمنة بها. أرغمت نفسي على البدء بتعلم اللغة، بعد أن أقنعت نفسي انني في مهمة، علي إنجازها. أعيش مع شعب عاش الحرب قديماً وشفي من آثارها وانطلق من جديد. سأتعلم منهم كيف وقفوا من جديد، كيف بدؤوا رغم معاناتهم وجراحهم، وكيف أصبحت ألمانيا دولة ديمقراطية. سأحمل كل ما عرفته معي إلى سوريا حين عودتي، التي آمل أن تكون قريبة جداً.
بدأت للتو بالتواصل مع منظمات المجتمع المدني الألمانية حيث أعيش، وكم أفرحني ترحيبهم بي، واستعدادهم للتواصل معي ومنحي فرصة مشاركتهم نشاطاتهم ومهماتهم. لكني أحمل تساؤلات كثيرة؛ ترى هل شفي الألمان من جروحهم وأوجاعهم بعد الحرب التي دمرت بلادهم ونفوسهم، وهل لدينا فرصة بدورنا للشفاء من أوجاعنا؟
أسعى لألتقي بألمان كبار في السن، ممن شهدوا الحرب والدمار وفقدوا أهلهم وأصدقاءهم، فهم من يشعر بألمنا وخيبتنا، ويقدرّون ما أصابنا.
اليوم، حين أمسكت قلمي لأكتب عن اللجوء وعن الاندماج في ألمانيا، صعقني خبر وفاة خالي، الذي مات وحيداً وغريباً في هولندا، وهذا ما كان يخشاه.
غلبتني دموعي بعد أن حاولت كثيراً ألا يرها أحد، ولم تخفف تلك الدموع من شعوري بالاختناق، ولا من رغبة جامحة بالصراخ والبكاء بصوت عال يبلغ السماء.
فكرة الموت بعيداً عن تراب الوطن كفيلة بأن تزعزع كل حماس أو محاولة للعيش بشكل طبيعي في بلاد اللجوء. إنها الفكرة التي نحاول تجنبها، لكنها تأتي رغماً عنا مع كل خبر وفاة للاجئ في بلد لجوئه. فيما ننتظر دورنا ليكتب عنا على صفحات التواصل الاجتماعي: “مات غريباً ووحيداً”! فكرة الموت في بلد غير بلدك وحدها، كفيلة أن تجعل اندماجنا الوحيد الممكن كسوريين، هو الاندماج بالحزن والألم فقط.

Social Links: