على هامش الإحباطات المتلاحقة في المشهد الداخلي الأوروبي، في السنوات القليلة الماضية، بدءًا من صعود شرس لأحزاب اليمين المتطرف، ومرورًا بالتنامي المتزايد للتيارات الشعبوية البافلوفية -المستندة إلى عقيدة المؤامرة- يسارًا ويمينًا، ووصولًا إلى الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، تبرز بعض المبادرات والظواهر والأحداث المُطمئنة على وجود تقاليد ديمقراطية، من الصعب على هذه الفترة الحرجة بكافة تشعباتها أن تدفع بالإنسان المهتم إلى أن يتنازل عن الفرح بها ولها. ومن آخر ما حُرّر من دواعي الاغتباط الإنساني والرضا السياسي والإيجابية المجتمعية، ما جرى في دولتين أوروبيتين: إحداهما عريقة التجربة الديمقراطية، وهي فرنسا، وثانيتهما تُعدّ حديثة نسبيًا في هذه التجربة، وهي إسبانيا.
في الجمهورية الفرنسية، وبعد مرور 61 عامًا على اختطاف الجيش الفرنسي للمناضل الشيوعي موريس أودانالذي كان ينشط من أجل حرية واستقلال الجزائر عن فرنسا، في خضم حرب التحرير، وتعذيبه حتى الموت أو إعدامه بعد التعذيب، تقدّم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون برسالة اعتذار إلى زوجته وأبنائه، بعد أن اعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن هذه العملية بكتاب رسمي. وقد ألحق هذه الرسالة، بقرار صريح العبارات يقضي بفتح كل أرشيف تلك المرحلة وإتاحته لعائلات المعنيين، كما للباحثين وسواهم من المهتمين. ويقول بيان القصر الرئاسي في هذا الصدد: إن “رئيس الجمهورية قرر بأن الوقت قد حان لكي تقوم فرنسا بتسليط الحقيقة على هذا الموضوع”. وقد أشار بيان القصر إلى أن مقتل المناضل أودان تحت التعذيب لم يكن عملًا فرديًا أو استثنائيًا، بل كان نتاج منظومة “مُشرّعة” من قبل الدولة الفرنسية، تعتمد على ثنائية التوقيف والتعذيب. وبموافقة البرلمان سنة 1956، أوكل إلى القوات المسلحة القيام بما “يلزم” لدحر المقاومة الجزائرية. وعلى خلاف العادة، فقد قام الرئيس بزيارة عائلة أودان في ضاحية العاصمة، ليقدم بنفسه رسالته الاعتذارية. وقد سبق له أن استشار العائلة منذ أسابيع حول أنسب صيغة تُلائم عظمة الحدث.
هذه الخطوة التي تنم عن وعيٍ تاريخيٍ عميق، وتبتعد عن أي حسابات سياسية، رغم التشاطر في استنتاج ذلك، يُقدم عليها الرئيس ماكرون في خِضمّ مرحلة تتميز بانخفاض ملحوظ في شعبيته، حسب استطلاعات الرأي الأخيرة. وهي، وإن أرضت العائلة كما الضمير، قد جلبت له وستجلب عليه سخط اليمين المتطرف، كما بعض يمين الوسط الذي طالما رفضت قياداته أي اعتراف بما اقترفته الدولة الفرنسية في مستعمراتها، وخصوصًا في الجزائر. وهو الذي كان قد سبق له، إبان حملته الانتخابية في شباط/ فبراير 2007، أن اعتبر “الاستعمار جريمة حرب”.
في إسبانيا، وبعد انتظارٍ دام 40 عامًا، وافق نواب الشعب على سحب رفات الدكتاتور السابق الجنرال فرانكو،من ضريحه في “مقبرة العظماء”، وتسليمه إلى عائلته لتدفنه في مدافنها الخاصة. وقد جعل رئيس الوزراء الجديد بدرو سانشيز هذا الملف كأولوية، إثر تشكيله للحكومة الاشتراكية منذ أشهر قليلة. حتى سنة 2007، كان حزب الشعب اليميني وريث الفرانكية، يُقاوم بشدة أي محاولة لفتح ملفات الحرب الأهلية في اسبانيا (1936 ـ 1939). كما أنه كان يُعرقل كل التحقيقات التي سعت لمعرفة مصير ومكان دفن أكثر من 150 ألفًا، فُقِدوا بين عامي 1939 و1975، ويُعتقد بأن جثثهم موجودة في مقابر جماعية موزعة في أصقاع البلاد. وفي التصويت الذي جرى يوم 13 أيلول/ سبتمبر، ومن خلال مناورة سياسية مدروسة، اكتفى نواب اليمين بالامتناع عن التصويت، بعد شعورهم بالميل الشعبي نحو دعم هذه الخطوة. وبهذه المناسبة، صرّح سانشيز بأن ما حصل هو “عدالة وذاكرة وكرامة. وأن إسبانيا أقدمت على خطوة تاريخية، وأن الديمقراطية اليوم هي في حال أفضل”.
الضريح الذي سيُخرج منه رفات الديكتاتور، كان قد شارك في بنائه، بين عامي 1941 و1959، آلاف السجناء من الجمهوريين الذين انتصر نظامه عليهم في الحرب الأهلية. وادعى مشيدوه حينذاك بأنه رمز للمصالحة الوطنية بين مكونات الشعب الإسباني، وذلك لوجود عشرات الآلاف من ضحايا الطرفين مدفونين إلى جواره. وكانت معظم الحكومات السابقة من الاشتراكيين غير قادرة على فتح الملفات المرتبطة بتلك الحرب الأهلية، بسبب المقاومة المتماسكة لورثة فرانكو السياسيين. وهذا ما جعل السلام الاجتماعي الأسباني غير مستند إلى قاعدة متماسكة، وكما ساهم في بروز الانقسامات المجتمعية على أشدها. وقد شهدت الساحة السياسية الأسبانية، منذ نشوء الديمقراطية الفتية سنة 1977 جدلًا واسعًا، بين وريثي الطرفين، أجج الخوف من الإقدام على خطوة جريئة كهذه سابقًا.
قبل أسبوع من الاحتفال عالميًا (لمن يُسمح له بذلك) بيوم الديمقراطية الموافق في 18 أيلول/ سبتمبر، تقوم دولتان أوروبيتان بخطوتين رمزيتين مهمتين ومدرسيتين لجموع البشر: إحداهما فرنسية تُعيد العدالة إلى أصحابها إذ تعترف بمسؤولية جهاز الدولة عن اعتقال ومقتل مواطن فرنسي/ جزائري، والثانية تُصحّح الذاكرة الوطنية، باقتلاع رفات سفاح من ضريح وطني. وبالتالي، فالذاكرة لا يمكن لها أن تُمحى، مهما طال الزمن، كما أن العدالة ستتحقق، عاجلًا أم آجلًا، ولكن شريطة أن تتحقق الديمقراطية.

Social Links: