في اليوم العالمي للطفولة – جيهان الخلف

في اليوم العالمي للطفولة – جيهان الخلف

في اليوم العالمي للطفولة

أطفال سوريا يئنون  

جيهان الخلف

حمزة طفل كباقي الأطفال، كان يحلم بأن يصبح مهندساً أو معلماً، لكن غيوم الحرب التي غطت سماء بلدته بصر الحرير في درعا خطفت حلمه، وتحول حمزة إلى لاجئ مع أسرته في الأردن. حلم حمزة رافقه لخمس سنوات، لكن هذا العام لم يذهب حمزة إلى المدرسة لأن المساعدات توقفت, ووالده رجل مسن أرهقته الحياة وأمه مريضة، وإخوته لا يزالون في العصافير لم يشتد عودهم بعد أم حمزة تتكلم بحرقة، وتخفي دمعها بيدها، حمزة وعلي يعملان اليوم في فرن للخبز والحلويات في الرمثا، وهما لم يتجاوزا بعد الخامسة عشر ربيعاً. هذا حال الكثير من اللاجئين في الأردن ودول الجوار.

لم يختلف الأمر مع أم محمد التي تقول كبر أولادي وكبر همهم، فلم يعد محمد ومصطفى صغاراً كما تركهم والدهم الذي قتلته داعش في عام 2015. أم محمد هي الأخرى اضطرت لدفع ولديها إلى سوق العمل في تل أبيض بتركيا بعد أن فقدت زوجها.

من جهتها وثقت منظمة اليونيسيف نزوح ثماني مليون سوري داخل سوريا، بينهم مليونين وثمانمائة ألف طفل، بالإضافة إلى لجوء خمسة مليون آخرين إلى دول الجوار، نصفهم من الأطفال.

الحرب هي التي دفعت بهؤلاء الأطفال إلى دول اللجوء، حيث كانوا المستهدف الأول للطائرات والصواريخ التي دمرت المدارس وأحرقت الصفوف ومزقت أجسادهم الطرية، وكلنا يذكر قصة بائع البسكويت في حلب، والذي كان يعمل لأنه المعيل الوحيد لأسرته بعد فقدان والده، ورغم ذلك لم تشبع براميل الأسد من دماء أهله ولم ترحم طفولته وحاجة أسرته، فمزقت جسده الصغير ونثرت أشلاءه مع قطع البسكويت في شوارع الحي الذي كان يشهد تجواله بين ركام وأحجار منازله المهدمة، فيما وثقت تقارير اليونيسيف مقتل 26 ألف وخمسمائة طفل منذ عام 2011.

أم ضياء حالفها الحظ ونجت مع أطفالها من براميل الأسد وصواريخ الروس لتكون الناجية الوحيدة من عائلتها وتصبح وحيدة مع أطفالها، حتى غاز السارين الذي ضربه الأسد على الغوطة والذي تسبب باستشهاد أكثر من  ألف وثلاثمائة شخص أغلبهم من الأطفال هو الآخر لم يقتل حلم ابنها ضياء ونجى مع أسرته مرة أخرى من غدر الأسد وحلفاءه.

أمينة ومحمد لم يذهبا إلى المدرسة هذا العام لأن والدهما لم يستطع دفع المصاريف بالإضافة للتعاون والنشاط الذي فرضته التربية على كل طالب والذي يقدر بألفي ليرة وحالهم يشابه كثيرا من الأطفال في دول اللجوء، فهاهو خالد يدخل إحدى حاويات القمامة ويبدأ العبث بمحتوياتها، واقتربت منه وسألته لماذا لا تذهب إلى المدرسة فرد بكلمات ودون أن يترك عمله في العبث بمحتويات الحاوية، أسكتني هذا الجواب الذي كان يكبر بعمر خالد.

في شارع فرعي كانت هبة تمد يدها بعلبة صغيرة من محارم الجيب تعرضها على المارة بخجل الطفولة وقسوة الأيام، نفس السؤال كررته على مسامعها، نظرت إلي وخاطبتني معاتبة، أنا وأخي نعمل لأن والدي قال لي بأن الدراسة لا تطعم خبزاً، سألتها ماذا يعمل أخيك فقالت اشترى أبي له ميزان وهو يجلس على الطريق العام بالقرب من إشارة المرور.

قدرت منظمة اليونيسيف عدد الأطفال خارج العملية التعليمية بمليون وسبعمائة ألف، وأوعزت ذلك المعلمة أميمة التي كانت تدرس في إحدى المخيمات في تركيا بأن تزايد عدد الأطفال المتسربين عن المدارس سببه ابتعاد الأطفال عن المدارس لعدة سنوات بسبب القصف المستمر واستهداف المدارس من قبل نظام الأسد مما أوجد صعوبة في متابعة دراستهم لأن أعمارهم تجاوزت الصفوف المقدرة لهم، فتجد المدير مضطراً لوضع طالب عمره تسعة سنوات في الصف الأول أو الثاني،  وهذا ما سبب لهم إحراجاً أمام الأطفال الأصغر سناً، مما يدفعهم لترك الدراسة، بينما قالت أم ضياء التي دخلت تركيا حديثاً لم أستطع إرسال أولادي وأعمارهم اثنا عشر وخمسة عشر إلى المدارس التركية كونهم تركوا المدارس منذ خمس سنوات، ومن الصعب متابعة دراستهم لجهلهم باللغة التركية، حيث أن الحكومة التركية أصدرت قانوناً يقضي بدمج السوريين مع الأتراك وخاصة بالعملية التعليمية، بالإضافة لإغلاق المدارس السورية كمدرسة عطاء التابعة لإحدى المنظمات، بالمقابل أكدت المعلمة أم أحمد المدرسة في روضة المهاجرين والأنصار في مدينة أورفا التركية أن أعداد الأطفال أكبر من استيعاب الروضة من حيث الصفوف والمقاعد، فهي تحوي شعبتين لأعمار خمسة وست سنوات، وكل شعبة بها خمس وثلاثون إلى أربعين طالباً وشعبة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، وقالت المعلمة أن الروضة عبارة عن بناء تابع لأحد المساجد، أما لمن حالفهم الحظ وخرجوا من تركيا يبتغون حياة أفضل، فلم يكن حالهم بالأفضل، فالموت يلاحقهم أينما ذهبوا، فغرق من غرق بالبحر أثناء هجرته إلى أوروبا ومن حالفه الحظ وصل دون أهله الذين ابتلعهم البحر، وقدرت دراسة لليونيسيف عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم بمليون طفل، ومازال الأطفال هم المستهدفون الأول في كل حرب، ومازالت الفصائل من تنظيم داعش إلى جبهة النصرة وحتى روسيا التي قدمت إلى سوريا لمساندة نظام الأسد يعملون على تجنيد الأطفال وبأعداد كبيرة، حيث تشير تقارير اليونيسيف إلى تجنيد أكثر من ثلاثة آلاف طفل تحت سن الثامنة عشر وما تزال  أم سعد تبكي ابنها عبد الرحمن ابن الخامسة عشر عاماً، والذي انضم إلى صفوف تنظيم داعش، ليقبض بعض الدولارات ويحمل السلاح ويتباهى فيه أمام أصدقاءه مخيفهم بسلاحه، حيث استهدفهم طيران التحالف وقتله مع صديق طفولته وابن عمه علاء، تقول أم سعد أن التنظيم أغراهم بحمل السلاح حيث يقومون بغسل أدمغتهم بأفكار متطرفة تكفيرية، ويحرصون على اختيار أطفال بعمر الرابعة عشر إلى السادسة عشر، وحجتهم بذلك أنهم قد بلغو سن الرشد، أم بشير التي فقدت ابنها هي الأخرى مع التنظيم في دير الزور تتهم التنظيم بأنهم يختاروا هذا العمر كي يستطيعوا غسل أدمغتهم والسيطرة عليهم وإقناعهم بأفكارهم المتطرفة غالباً.

نفس التقرير الذي أوردته منظمة اليونيسيف أفاد بأن عشرة آلاف طفل أصبحوا دون عوائل، فرحمة وصفا اللتان ولدتا في تركيا بعد استشهاد والديهما ونزوح الأهل والعائلة بسبب سيطرة النظام على مدينتهم تعيشان دون أن تعرفا والديهما، ولم يكن حظ عدنان بالأفضل هو الآخر، فقد بلغ من العمر خمس سنوات، وهو الآخر لم يرى والده الذي استشهد حين كانت أمه حاملاً به وقد تركته برعاية جدته. 

تقول جدة عدنان أم ياسر كل يوم يسألني هل مات أبي وصحيح أنه ذهب إلى الجنة، تبكي أم ياسر ويختنق صوتها حين يسألها متى سنعود إلى منزلنا البعيد.

  • Social Links:

Leave a Reply