عن الفقر وأعياد الميلاد ورأس السنة

عن الفقر وأعياد الميلاد ورأس السنة

يوسف بحصاص

ثمة ما يوحي بترف العيش في شوارع دمشق الفاخرة فالاستعدادات على قدم وساق لاستقبال عام جديد

يغطي ازدحام الأضواء أحزان المدينة وإدقاع الفقر المنتشر دونما حدّ لامتداده

على ناصية الطريق في شارع أبو رمانة استلقى ثلاثة يافعين تدثروا بكراتين فارغة كانت تحتوي حاجيات الأثرياء .. توقفت بجانبهم سيارة كاديلاك فورويل وترجل منها شابٌ متأنق حزم ربطة عنقه وتأكد من أن لمعة حذائه لم تشوهها قطرات المطر ومضى إلى غايته.

وفي الأزِقة الخلفية في شوارع دمشق كان العشّاق ينتظرون تقنين الكهرباء في توقٍ معلن لحلم في الزواج صار بعيد المنال بعد أن اغتالته البطالة التي تجاوزت نِسباً مخيفة بغياب الأخلاق والقيم.

لا شيء يوحي باكتراث الناس في زحمة الأسواق بأن هناك فاقة كبيرة هنا .. فالفقراء لا يغادرون بيوتهم لأنهم لا يمتلكون تكاليف الانتقال ولا شيء يغريهم بفعل ذلك فأغلبهم قُتل لديه حسّ الجمال … أما الفتيان اليافعين فمازال لديهم الكثير من حب الفضول لرؤية أشجار الميلاد وواجهات المحلات التي تعرض أبسط الألبسة بأغلى الأثمان.

وعلى الرغم من قلة رواد أسياخ الشاورما في ساحات المطاعم وحاراتها فما زال هناك من يأمل من هؤلاء الفتية أن يحظى بسندويشة شاورما قد يقدمها لهم من يشعر بجوعهم وشهوة الروح لرائحة ما ألفوها في بيوتهم المظلمة .. كيف يألفوها وكيلو اللحم صار بسعر بيت في ستينيات القرن المنصرم ؟

حتى أسواق البالة شملها الفرز الطبقي !! فثمة بسطات تبيع الكنزة بألف ليرة ومحلات تبيع الكنزة بعشرة آلاف .. هناك في مشاهد يحاول فيها أبناء الطبقة الوسطى إخفاء الهاوية التي انحدروا إليها فلم يعودوا قادرين على ارتياد المحلات الفخمة والتي تبيع الثياب الجديدة ..

وفي سوق الهال القديم أمام بسطات المعلبات تسمع شكوى امرأة :

“الجمعة الماضية كان حق علبة السردين ميتين وخمسين ليش بدك هلا تلاتمية ؟ ”

طبعاً هي لا تعرف بأمر الدولار في بلدها ولا بألعاب الكبار !؟ هي تريد فقط أن تأخذ عدداً من العلب يساعدها في متطلبات إطعام أسرتها.

في دمشق يناضل الناس من أجل العيش تارة ضد البرد وتارة ضد الظلام وتارة ضد الجوع وتارة ضد جرات الغاز وخلال هذا النضال تتعب الأرواح وتفنى الأجساد ويعيا الصبر فتزيد النضالات نضالاً إضافياً ضد المرض والاكتئاب وعزلة الحياة الكريمة.

قالها أمين معلوف في تائهيه :

” يا الله كم أكره الزمن الذي يمضي و يحولنا جميعاً إلى أشخاص عاديين مثيرين للشفقة ”

نعم ما أصعب الزمن الذي حولنا جميعاً إلى أناس مثيرين للشفقة

  • Social Links:

Leave a Reply