ثالوثُ ريمون بطرس

 ثالوثُ ريمون بطرس

نجم الدين سمّان

 

كلما التقيتُ بريمون.. أسألُهُ ضاحكاً: – كيف حال ثالوثِكَ المُقدَّس؟!.

فيضحك كطفلٍ ما يزال يرمق “نواعير حماة” بدهشةٍ طازجة؛ بينما يلهو بحبّات المسبحة الأثيرةِ لديه.

وثالوثُ ريمون بطرس.. لا علاقةَ لهُ بأيِّ كهنوت؛ بل.. هُو مزِيجٌ سوريٌّ مُدهِش قلَّما يتوفرُ عند سِوَاه: فهو سوريٌّ مسيحيّ من حماة؛ واسم ابنه البكر “عُمَر” وهو شيوعيٌّ أيضاً!.

أسألُهُ مع ابتسامة: – كيف ظابطَة.. هالخَلطَة معك؟.

فتتلوَّن عيناه: – أنا جزء من الخَلطَة السورية.. المُتعدّدة الألوان والأطياف؛ المُنفتحة على الحضارات والشعوب؛ سوريا الوسطيّة التي تنفر من التطرّف؛ وُلِدتُ مسيحياً في مدينةٍ يعتبرونها مُتزمِتَه دينياً.. ولا أوافقهُمُ على هذا التصنيف؛ ثقافتي عربيّة مسيحية وإسلاميّة أيضاً؛ ومُؤمِن بأنّ الاشتراكية هي الحلّ.

وذاتَ يومٍ بعد نجاح فيلمه “الطحالب” كنتُ في دمشق والتقيته؛ فقال لي: – في بيتنا سهرة.. فتعال.

قلت له ساخراً: – تكرم ريمون عبد القدّوس.

التقط بنبَاهتِه التمَاهِي اللفظيّ الذي استعملته: – اطمئن لن نقرأ رواية “في بيتنا.. رجل” لم يعُد في هذا الزمان رجال.

وفي السهرة.. انتظرتُه حتى تَجَلَّى؛ لأُفاجِأَه بثالوثٍ جديد:

– يا أبو عمر.. أي عُمرٍ اختَرتَ: عمر بن الخطَّاب؛ عمر بن عبد العزيز؛ عمر الخيّام؟!.

فيردُّ ضاحكاً: – الثلاثة معاً.. وسأصبُّ الآن كاس عرق “مُثلَّت” جكارة بسؤالك ثلاثيِّ الحَركَشَة.

حكينا عن فيلمه “الطحالب” وحكى لنا عن المصاعب التي واجهها مُذ كتَبَ السيناريو والنقاش حوله مع مؤسسة السينما؛ والتعديلات التي طلبوها منه؛ وعن صعوبات التنفيذ والإخراج.

قلت له: – كيف خطرت لك النواعير مكاناً آمناً للقاء عاشقين؟.

قال: – تعرف المدن الصغيرة يا نجم؛ وكيف أن كلّ حركةٍ فيها مكشوفة تماماً؛ بل.. ومَرصودة.

فأردفت: – هذه ضربة مُعلِّم.. يا معلِّم؛ فقد أضفتَ بُعداً رمزياً وفنياً لتاريخ النواعير في مدينتك.

حين بدأت رياح “البروسترويكا” السوفيتية تهبُّ من الثلج الروسي إلى شمس المشرق.. انشقَ ريمون بطرس عن حزب بكداش الشيوعي وانضمّ إلى مجموعة يوسف فيصل الغورباتشوفيّة؛ فصار.ت لدينا أربعة أو خمسة فصائل شيوعيّة؛ قلتُ وقتها لريمون:

– الشيوعية بنُسختها اللينينيّة الستالينيّة.. خلص؛ خرجَت من التاريخ؛ وأنتم خرجتُم من عَبَاءَة بكداش ستالينكوف.. فلماذا تُصِرُّون على تسمية فصِيلكُم حزباً شيوعياً؟!.

قال وهو يبتسم: – ولكننا لم نخرج من عباءة “الجبهة الوطنية التقدمية” والسلطة مسرورةٌ لوجود حزبين شيوعيين مُتناحِرين على طاولتها المستديرة.

قلتُ: – تقصِد المُستطِيلَة.. لأنّ المُستدِيرةَ هي للنقاشِ الحُرّ المفتوح؛ أمَّا المُستطيلة فيترأسها مُستطيلٌ ضخم؛ ويجلس حولهَا مُستطِيلاتٌ أصغر.. ألا تتذكَّر قصةَ حسيب كيالي عن المُستطِيلات في سوريا؟!.

ضحك أبو عمر: – لا تُغادِرُني تفاصيلُ تلك القصة.

حين تأسَّست “جريدة النور” لسانُ حالِ تيّار يوسف فيصل؛ صار ريمون بطرس مديرَ تحريرٍ فيها؛ فاتصل بنا: ممدوح عدوان وحسن م يوسف والعبد الفقير؛ كما اتصل بآخرين بعدنا؛ لنتحاوَرَ عن صفحتين ثقافيتين فيها؛ ولصفحةِ أدبٍ ساخر أيضاً؛ تحفَّظتُ على الصفحة الساخرة:

– ليس لدينا سوى القليل جداً من الكتّاب الساخرين؛ زاوية ساخرة ثابتة في الصفحتين الثقافيتين.. تَفِي بالغرض؛ ليسَ من السهل تأمينُ 52 مقالة ساخرة جيّدة سنوياً.

وذاك لأنَّ “جريدة النور” أسبوعيّة.

علّقَ ممدوح عدوان: – مَن سيَرُاقِبُ مَقالاتنا.. سيموت هَمَّاً وغَمَّاً.

وبينما نضحك.. دخلَ أنفُ “دانييل نعمة” عضو المكتب السياسي الغُرفةً قبلَ كِرشِه الشيوعيّة؛ فتشَتَّت ضحكاتنا؛ جلس الأنفُ ليُزوِّدَنا بتوجُهاتِ فصِيله الثورجِيّ؛ بينما ننظر نحو ريمون وهو يُدارِي ابتسامتَهُ تحت شاربيه؛ وحين خرجَ الرفيقٌ الأنف برفقة الرفيق الكُرش.. التفت نحو أبو عمر:

– دعوتنا للكتابة.. أم للإنتساب لحزب أبو صلعة “أقصِد: يوسف فيصل” ونسمع خطاب أبو أنف؟!.

علّق أبو عُمَر ضاحكاً: – حَكُّه جِلدُه؛ عَرِفَ أننا سنتناوله.. قام إجا.

ضحكنا بعد عامٍ أيضاً.. لأن ريمون لم يستمرّ سوى عامٍ فقط في إدارةِ تحرير الجريدة.

مِن أبرز أعمالِهِ بعد فيلم “الطحالب” فيلمُه “التِرحَال” وفيلم “حسيبة” عن روايةٍ بالعنوان ذاتِه.. للصديق خيري الذهبيّ؛ وحين حضرتُ جلسة حوارٍ عنه ورأيتهما على المنبر معاً؛ أحسسَتُ بمدى الانسجام والتناغم بينهما؛ فتمنّيتُ أن يستمِرَّا معاً في مسلسلٍ أو فيلمٍ جديد.

كان ريمون بطرس مُنفتِحَاً على الجميع؛ وعلى آرائهِم؛ ويتميَّزُ بسُخريةٍ خاصّة؛ وتنتابه ككُلِّ الحمويين هَبَّاتٌ غضبٍ ساخنة؛ ثم يَرِقُّ كمياهِ العاصي؛ ولا يلبَثُ حتى يكتَظُّ بالحنين.. كأنينِ النواعير.

  • Social Links:

Leave a Reply