صفوان موشلي – الرافد :
البابا فرنسيس هو أول من تقلد منصب الحبر الأعظم دون أن يأتي من جسم الكنيسة الأم بل من احدى الرهبنات العديدة (البندكتية ، اليسوعية ، الفرنسيسكان ،..) التي تضمها الكنيسة البطرسية الجامعة ، فقد كان خورخي ماريو بيرجوليو الذي أصبح لاحقا فرنسيس الأول راهبا في الأخوية اليسوعية منذ عام 1958 عندما كان في التشيلي شابا لم يتجاوز ال21 عاما بعد ، وقد تقلد منصب الرئيس الإقليمي للرهبنة اليسوعية في الارجنتين بعد أن أنهى دراسته في المانيا وقفل عائدا الى بونس أيرس ، ولكي نتعرف على اهتمامات الحبر الأعظم وتطلعاته علينا ان نحيط بتاريخ الأخوية اليسوعية ، فقد تأسست هذه الرهبنة على ايدي سبعة من طلبة السوربون في عام 1537 و نالت اعتراف البابا بولس الثالث عام 1540واختير إغناطيوس دي لويولا ،رئيسا عاما لهذه الأخوية وهو جندي جرح في الحروب الصليبية ،كرس نفسه بعد شفائه للدفاع عن البابا ووحدة الكنيسة الباباوية وقد اتخذت من البندقية مقرا لرهبانيته والتي بدأت ب60 راهبا وتوسعت لتشمل ألاف الرهبان في كافة أصقاع العالم ، طفقوا يؤسسون المدارس والكليات. التي درّس فيها اليسوعيون ،وقد هدفت هذه الجمعية الى مجابهة الإصلاح البروتستانتي بإصلاح كاثوليكي مضاد وأصيل ،وقد ركّز اليسوعيون على ضرورة إصلاح كنيسة روما من الناحية الإدارية ،لوقف “الهرطقة “البروتستانتية ،لذلك كانت اليسوعية احدى أدوات الكنيسة الكاثوليكية في حروب أوربا الدينية بين 1618 – 1648 م ،وقد ساهمت بفعالية في صياغة حدود الثقافة الوطنية للدولة العلمانية ( الحديثة) ،فخرجت مدماه بعد أن أدمت خصومها وكبادرة حسن نية قامت الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا كلمنت الرابع عشر بحل الرهبنة اليسوعية عام 1773بضغط من السلطات المدنيّة ، بعد ان حظرتها كل من المملكة المتحدة وجل الدول ذات الغالبية البروتستانتية ، وقد استمر هذا الحظر ساريًا على اليسوعيين حتى عام 1956في النرويج و 1973في سويسرا . أما الدول ذات الثقافة الكاثوليكية كفرنسا وإيطاليا واسبانيا فقد أسقطت الرهبنة اليسوعية من لوائح الادانة لديها بدأ من عام 1844 في عهد البابا بيوس السابع الذي ألغى الحظر المفروض على الرهبنة اليسوعية فأعيدت إلى سابق موقعها في الكنيسة الجامعة. ومع إعادة نشاطها بشكل رسمي، تصاعدت قوة الرهبنة اليسوعية بشكل مطرد وأصبحت رغم علمنة جل الدول الأوربية كاسحة ألغام تسير في مقدمة الجيوش الزاحفة لاجتياح المستعمرات، ولم يقتصر دورها على الرصد الاستخباراتي ، بل
قدمت أيضا مسح أنثروبولوجي أظهر ثقافة المستعمرات كبنى هشة تفتقر ” للإيمان والدولة والقانون “،فشرعنت تغييرها عبر أقسى اشكال العنف ان اضطرت لذلك ،خاصة بعد شيوع الدارونية الاجتماعية ،التي وضعت المنظومات الأوربية على رأس هرم التطور ، ومن جهة أخرى لا نستطيع تجاوز دور الاخويات اليسوعية في تأهيل السلطات الكاثوليكية على كسب رهان المنافسة مع القوى البروتستنتية في المستعمرات ، فعندما احتكرت بريطانيا العظمى تجارة الشاي والقهوة عبر شركة الهند الشرقية ، قامت الاخويات اليسوعية بنقل زراعة شجيرات القهوة الى أمريكا الجنوبية ككولمبيا لكسر احتكارها ، كما أخذت شجيرات المتة المنبهة التي لم تكن شائعة الا لدى قبيلة غوارانيون الهندية الصغيرة ، في الاورغواي ،فكثرتها وهجنتها وعممت استخدامها في جميع دول أمريكا اللاتينية كمشروب بديل للشاي الإنكليزي .
يحل الحبر الأعظم اليوم ضيفا جليلا على العراق الذي كان قد أدمن على الشاي الانغليكاني منذ عام 1918 مما أغرى شركة الهند الشرقية على ان تطالب بضمه اليها ليصبح ملحقا بها ،فكانت ثورة العشرين التي أوقفت تهنيد العراق الذي ألحق بالتاج البريطاني بشكل مباشر وقد بقي كذلك ، حتى عام 1932حيث نال استقلاله الى ان قرر حزب الشاي الأميركي الذي كان ديك تشيني ورمسفيلد من أهم صقوره ، إعادة احتلال العراق بحثا عن أسلحة دمار شامل تعذر ايجادها حتى بعد أن تم حراثة ارضه وثقافته وقلبهما رأسا على عقب ،وعندما سأل بريمر حاكم العراق العسكري المنتدب من حزب الشاي ،عن سوء ما اقترفته ادارته من فظائع ،قال دون مواربة انها تمثل الحد الأدنى من التجاوزات عندما تباشر في اسقاط سلطة ،أسسها العرب السنة في العصر العباسي أي أن عمرها تجاوز ألف عام ،اننا والقول مازال منسوبا للسيد بريمر نصحح خطأ تاريخيا بهذا الحجم ! .
توقع الجميع ان يسمع من الحبر الأعظم الذي اشتهر بإدمانه المتة لا الشاي أن ينظر الى حطام العراق من منظور مختلف لكنه لم يفعل ،فقد تجاوز عما قام به حزب الشاي، ونظر الى العراق عبر نظارة برايمر منذ صعود البغدادي مسجد الموصل ، فوجد ان مأساة العراق يمكن اختزالها بذكر ” اليَزِيدِيّين، الضَّحايا الأَبْرياء لِلْهَمَجِيَّةِ المُتَهَوِّرَة وعَديمَةِ الإنسانيَّة. فَقَدْ تَعَرَّضُوا للاضْطِهادِ والقَتْلِ بِسَبَبِ انْتِمائِهِم الديني، وَتَعَرَّضَتْ هُوِّيَتُهُم وَبَقاؤُهُم نَفْسُهُ لِلْخَطَر.” ان ما جاء بخطاب الحبر الأعظم ليس صحيحا فقط بل وشديد الأهمية ،ولا بد أن نعجب من جرأته على التنديد بأولئك الذين خططوا لإفناء الهوية الأزيدية ،لكنه غير كاف وسيكون غير متوازن ان لم يشمل الهوية الأخرى التي تموت في الخيام وهي تنظر بحسرة الى بيوتها في الفلوجة.
لقد بدا الحبر الأعظم متفهما لتداعيات ما اقترفه حزب الشاي في العراق الشقيق وهو غير المتعلق بالشاي الساخن ، فهل يشي ذلك بتفهم نيافته لحاجة حزب المتة الذي يحكم دمشق منذ 1970 لاستخدام الأسلحة الكيماوية كي لا يصلب المسيح مرتين .

Social Links: