بثينة الخليل – الرافد :
تنفرد محافظة الحسكة عن غيرها من المحافظات السورية بغناها بالتراث الموروث عبر مئات السنين، لعدد من المكونات التي قد لا نجدها في مكان آخر بسورية والتي تتميز بعادات وتقاليد فريدة من نوعها.
ومن هذه العادات والتقاليد القديمة التي تخص أهلنا الماردلية في مدينة رأس العين والتي انحسرت ممارستها في الآونة الأخيرة وبشكل محدد لدرجة انها أصبحت في مهب الرياح هي تحضير “جهاز العروس” .
لم يكن الزواج عائقا بالنسبة للفتاة الماردلية كونها لا تملك رغبة بالدخول للمدرسة فالزواج لديها هو الأهم، فالفتاة كانت مرافقة لأمها في الأعمال المنزلية وما يرافقها من أشغال يدوية كالتريكو و الكروشيه والذي يسمونه “التنتنة”، حيث كانت الأم تحيك القطع اليدوية وتحتفظ بها لابنتها إلى حين موعد قدوم زفافها.
في ذلك الوقت لم تكن التكنولوجيا متواجدة فالسهرات كانت بسيطة وبنفس الوقت ممتعة حيث كن الشابات يجتمعن في منزل إحداهن على شكل حلقات يتخللها النكتة والدعابة حيث يقمن بحياكة ما يسمونه “التتنة”، فتراهن يتناقلن نموذجا يسمونه بـ “المسطرة” تكون إحداهن قد أنتجته ويكون عبارة عن قرص من الكروشيه يسمونه بالـ “القمر”، وهنا يبدأن بالتباري من أجل صنع ما هو أجمل منه فتكون إحداهن قد أبدعت وصنعت من هذه “المسطرة” غطاء للطاولة والأخرىعملت منها طقم لـ “الطربيزات” لتحتفظ بهم بشكل أنيق إلى حين وقت زفافها وتحضير الجهاز.
أما بالنسبة للهدايا التي كانت تأتي أهل الفتاة الماردلية بمناسبة اجتماعية ما كثياب أو تحفة أو أي شيء من هذا القبيل فيحتفظن بها في حقائب كبيرة لحين استخدامها فيما بعد.
وبهذا تكون الفتاة قد قضت فترة حوالي 5 حتى 6 سنوات في جمع حاجاتها أي ما يعادل الـ 6 حقائب والتي تكون قد امتلات بالثياب والأشغال اليدوية وأطقم منزلية، إضافة لأواني المطبخ وما شابه ذلك، وبهذا تكون قد جمعتها دون جهد ولا حتى أن تشعر بذلك.
خطبة الفتاة الماردلية:
عندما تصل الفتاة لمرحلة االخطوبة ووضع الخاتم بإصبعها، يطلب أهل العريس بأن يأخذوا عروسهم بعد شهر أو شهرين، بعض العوائل كانت تأخر العروس، ممكن 6 أشهر ممكن سنة حسب كل شخص ومقدراته المادية.
فالجيران والأصدقاء كانوا يسألون أم العريس “أيمت بدكي تطالعين كنتكي” فالجواب يكون: “حتى يجينا موسم كويس” أو حتى يرتبوا أمورهم المادية كي يتمكنوا من دفع المهر المترتب عليهم، والذي يحدد بسعر بين بعضهم البعض .
تجهيزات العروس
” تاتنزفين بعد شهرين أو أربعة” عبارة يرددها أصدقاء وبنات جيران وأقرباء الفتاة حتى حين موعد زفافها، حيث تبدأ الفتاة في هذه المرحلة بصنع القطع التقليدية مثل ” مْجَر” أي غطاء السرير ويكون ذلك بمساعدة الفتيات بعضهم البعض، حيث يبدأن بمساعدتها بإنتاج القطع الكبيرة، فمثلا يبدأن بعمل ” الْمجَر” وتوابعه يلي هم أخدودتين بحجم كبير إضافة لما يسمونه “تكايتين” إضافة لغطاء تابع لسرير طفل وما يتبع لغرفة النوم والذي يسمونه بـ ” طقم واحد”.
بعد ذلك يحيكون ما ينقصهم من الأشغال اليدوية إضافة للأقمشة المخبأة مسبقاً و التي يخرجونها لخياطة الأثواب الرسمية وغير الرسمية.
مرحلة ماقبل الأخيرة للجهاز
زمان في هذه المرحلة أهل العروس كانوا يسافرون إلى مدينة حلب ليشتروا ما بقي من الأشياء التي يحتاجونها للجهاز كالأغطية والسجاد وأدوات الخياطة والبياضات، حسب المقدرة المالية لكل عائلة، وبعضهم يشتري ماكينة الخياطة وأدوات كهربائية وما إلى ذلك، لكن الأهم من كل ذلك هو الغطاء الأبيض المصنوع من قماش “الفاي” المزخرف والمنقوش والمزين بحبات اللولو .
جاء دور مصوغات العروس والتي أهلها يكملونها لها من مهرها ومن مالهم الخاص كل على حسب قدراته، حتى بات أهل العروس في السنوات الاخيرة يحضرون لها غرفة النوم.
ماذا عن المرحلة الأخيرة
يبدأ أهل الفتاة بإخراج الأعمال اليدوية التي صنعوها مسبقا، مثلا يخرجون “التنتنة” ويقومون بغسلها حتى يصبح لونها أبيض ناصع، أما الأغطية فيقومون بتنشيتها أي بنقعها في مادة النشاء المضاف إليه الماء، ومن ثم ينشروها على حبل الغسيل لحين جفافها ليقومون بكيها ومن ثم يضعونها في أكياس نايلون مخروزة حرصا عليها.
و يخيطون “مْجَر” السرير الكبير المصنوع من قماش من نوع فاي بلون أزرق أو أبيض أو زهري، ومن ثم يخيطون “التنتنة” فوقه ليصبح غطاء كامل للسرير وبهذا يكونوا قد صنعوا حقيقة تحفة فنية رائعة الجمال، فهذا العمل المبدع ينهونه قبل يومين، ويجب أن لا ننسى أن اليوم الذي يليه يكون قد حُجز مسبقا لتنجيد ما يسمى بـ “الفرشة” حيث يكونوا قد جهزوا مسبقا الصوف الذي سوف يضعونه بداخلها، وذلك بإرسال أناس مقربين لهم إلى الينابيع في المدينة والتي يسمونها بـ “الميات” لغسلها ومن ثم نشرها على الأسطح لحين موعد جفافها يتم تجهيزها لـ “شد الفرشة”.
طبعا لـ “الفرشة” وجهان وجه يسمى بـ “التلبيسة الداخلية” ووجه خارجي يكون قماش من النوع الثقيل “الساتان” المطبع بالقصب و يكون قد صنع خصيصا للعروس، وتنجيد الفرشة طقس ممتع جدا حيث يكون وسط احتفال الأهل والجيران والأصدقاء ويتم خلاله وضع الصوف بداخل “الفرشة” أي ما يعادل 30 جزة صوف، كل وحسب مقدراته المادية، وتبدأ الأهازيج حول “الفرشة” وترش الحلوى في الهواء فوقها فتتساقط جزء من الحلوى بداخلها متغلغلا بين الصوف والذي يحتفظون به بينه باعتقادهم أن حياة العروسين ستكون سعيدة وحلوة مثل هذه الحلوى.
ويتم تنجيد توابع “الفرشة” من الأخاديد الطويلة والمربعة والمدورة وتلبيسها بقماش من نوع “الأطلس” المفروش فوقه الشغل اليدوي “التنتنة” بحيث يطفي عليه جمالية ليس لها مثيل. ولا ننسى “التكاية” اليدوية المزخرفة التي صنعت خصيصا لهذا الطقم اليدوي لتوضع في المنتصف .
بعد ذلك تبدأ مرحلة تغطيتهم بورق الجلاتين الذين يجلبوه بالأمتار، ومن ثم يتم ربطهم وعقدهم بشرائط ذات لون أزرق أو زهري أو أحمر كل حسب ما يهوى وبهذا يكونوا جاهزين للعرض يوم ما يسمى بـ “عرض الجهاز” .
يوم العرض
يكون من أجمل أيام العروس والتي تقوم بإخراج كل ما لديها من الثياب والأعمال اليدوية وحاجياتها الخاصة وما جهزته مسبقا عبر سنوات مضت ليتم عرضها بغرفة كبيرة مجهزة بطاولات وأحبال تشبه أحبال نشر الغسيل، ليتم تعليقها على الحبال وترتيبها على الطاولات بشكل فني، فمثلا تعلق الثياب بواسطة حمّالات على الحبال كما ترتب الأحذية على الطاولة فممكن أن نرى على الطاولة ما يعادل 30 حتى 40 زوج من الأحذية بما يخص كافة المناسبات الاجتماعية، أما المصوغات فترتبها العروس ضمن سَبت (سلة) يوضع على طاولة مزينة بغطاء مزركش.
حرصا على هذا الجهاز تصبح الأجيال تتوارثه جيلا بعد جيل، فمثلا تقوم العروس بعد حين زواجها بتخبئة الأشغال اليدوية من جديد لابنتها كونه لا يستخدمونه كله، فمثلا إذا صادفت مناسبة اجتماعية ما لشخص عزيز عليها ممكن أن تقدم قطعة منه كهدية، يعني أن العروس تستخدم ما يتم استخدامه وترتب ما تبقى منه بشكل أنيق في الحقائب والخزن.
يوم الاستقبال
في هذا اليوم الذي يصادف قبل يوم الحنة بيومين، يتم دعوة الأقارب والجيران والأصدقاء لمشاهدة الجهاز في منزل أهل العروس، حيث تظهر العروس بكامل أناقتها فتستقبل هي وأهلها المدعوين ويرافقوهم لغرفة الجهاز لمشاهدته، وبعدها يتم الغناء الماردلي التراثي والرقص من قبل المدعويين، ويتخلله تقدمة الضيافة اللذيذة والمرتبة كالحلويات العربية وغيرها كل على حسب قدراته المادية، أما جهاز العروس يبقى معروض لمدة أسبوع كامل كل يوم يستقبلون ضيوف ومهنئين جدد.
في اليوم الأخير يتم جمع الجهاز بمساعدة الأهل والجيران والأصدقاء، وذلك بوضعه في حقائب بشكل أنيق ومن ثم يخرج من بيت أهل العروس بالزغاريد والأهازيج إلى بيت العريس، حيث يبقى هناك كما هو لحين يوم الزفاف حيث تقوم العروس بفتحه ووضعه بأماكنه المخصصة أو أن ترسل أشخاص من أهلها ليفرده لها ويضعه في أماكنه المناسبة حسب ما تريد العروس.

Social Links: