المدن
إنه الفصل المتحول في الخيارات. للمرّة الاولى منذ زمن طويل، يكون فيها امين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله مباشراً إلى هذا الحد في مقاربة ملفات سياسية داخلية، في هكذا مرحلة مفصلية، وخصوصاً ما يتعلق بتشكيل الحكومة، والنظام اللبناني.
في مضمون كلامه كان نصر الله واضحاً بالوقوف إلى جانب رئيس الجمهورية ميشال عون أقرب منه إلى الحريري، لا بل وجّه نصائح للأخير تصل إلى حدّ “الانقلاب” على ما يطرحه من ثوابت. دعا نصر الله إلى تشكيل حكومة سياسية، والإقلاع عن حكومة اختصاصيين. واعتبر أنه بحال عدم التوافق على تشكيلة حكومية من الآن إلى الإثنين، فسيكون هناك خياران، تفعيل حكومة تصريف الأعمال، والبحث عن حل دستوري، ما يعني فتح الباب أمام تعديل الدستور.
إسداء النصائح!
قال نصر الله إن هناك تحديات كبيرة أمام تشكيل الحكومة. واستعرض المرحلة السابقة كلها، وصولاً إلى تكليف الحريري، وقال نصر الله: “نحن ارتضينا تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين، ونتشاور في طريقة التسمية. وارتضينا بالمداورة، ونحن لا زلنا على الموقف نفسه. وبحال تم التوافق يوم الإثنين بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف على تشكيل الحكومة من اختصاصيين فنحن موافقون”.
ولكن نصر الله سدد نصائح للحريري قائلاً: “الحكومة مطلوب منها مهام كبرى وتواجه تحديات بحجم كبير، وهناك قرارات تحتاج إلى جرأة، وهناك مسؤولون يتخوفون من الذهاب باتجاه الصين، التي لديها استعداد للاستثمار بـ12 مليار دولار. وكذلك هناك خوف من الذهاب نحو روسيا، بسبب التهديدات الأميركية”. واعتبر نصر الله ان المطلوب في لبنان ليس الحياد بل الإنضواء في المحور الأميركي الإسرائيلي. قال ذلك ليفتح الباب أمام الحكومة السياسية معلناً: “نحتاج لحكومة لديها أكتاف وقادرة على اتخاذ قرارات كبرى”. ولفت إلى أنه حتى في التفاوض مع صندوق النقد الدولي، هناك وجهتا نظر في لبنان. الأولى، هي تسليم بكل الشروط، أما وجهة نظر أخرى فتريد المناقشة بالشروط وترفضها. كما سيتم طرح مسألة رفع الدعم عن الدواء والمحروقات، فهل الشعب اللبناني سيكون قادراً على تحمل هذا الأمر؟ وهل هناك إمكانية لتحرير سعر العملة، الذي سيتحكم به السوق؟ كما سيتم البحث بإخراج الكثير من الموظفين في الدولة، فهل لأحد أن يتحمل إلقاء الموظفين في الشارع؟
وسأل نصر الله إذا ما كانت حكومة الاختصاصيين قادرة على تحمل مثل هذه القرارات؟ ووجه نصيحة للحريري قائلاً له: “أنت تحتاج إلى حكومة تساندك في القرارات السياسية، لأنك السياسي الوحيد فيها، والجميع يجب أن يحمل كرة النار”. وطلب نصر الله إعادة النظر بموضوع الحكومة، بطبيعتها وهويتها، والإتيان بالقوى السياسية لتتحمل المسؤولية معه، ومنع أي طرف من التهرب من المسؤولية. ودعا نصر الله إلى ضم كل القوى السياسية للحكومة، غامزاً من قناة القوات اللبنانية التي “تجلس على تلّة وتراقب، بينما كان لها علاقة وتتحمل مسؤولية في السنوات السابقة”.
وأكمل: “حتى لو أراد الحريري الذهاب يوم الإثنين إلى القصر الجمهوري، فلديه الوقت الكافي للتواصل مع كل القوى السياسية للتفاهم على حكومة تضم الجميع، لأنه لا يمكن لأي جهة أن تتهرب من المسؤولية”. كذلك أشار نصر الله إلى ضرورة إجراء حوار بين الكتل النيابية والجهات السياسية، ودعوتها إلى توظيف إمكانياتها الداخلية لمساعدة لبنان على الخروج من الأزمة. وأعطى مثالاً على ذلك علاقة حزبه بإيران والإتيان بالكثير من الاحتياجات منها وبالليرة اللبنانية. ودعا كل القوى التي لديها علاقات مع أي دولة توظيفها لمساعدة لبنان.
تعديل دستوري
رفض نصر الله تحميل حزبه مسؤولية عدم الضغط على حلفائه لتشكيل الحكومة، وقال إنه لا يملي على حلفائه أن يفعلوا ما لا يريدونه. أما بحال عدم تشكيل الحكومة من الآن إلى الإثنين، وبحال استمر التأزيم فهناك خياران، إما تفعيل حكومة تصريف الأعمال، لعدم القدرة على ترك البلد بسبب الأزمة، وإن على حسان دياب تحمل المسؤولية من دون وضع شروط، وليجمع حكومته ويتحمل المسؤولية. أما الحل الثاني، فلا بد من الذهاب إلى البحث عن حلّ دستوري، لأنه لا يمكن للبلد أن يستمر بهذا الحال. والسبب ليس عون والحريري فقط إنما المشكلة مزمنة، وقال: “يجب البحث عن حل دستوري دقيق، وهناك أفكار تحتاج إلى نقاش، لأجل المستقبل”.
واعتبر نصر الله ان لبنان في قلب أزمة كبرى، سياسية واقتصادية واجتماعية ومالية. وهي أزمة نظام وحكومة وحاضر وماضي ومستقبل. وقسّم ما تناوله إلى مجموعة نقاط. وتعبر عن تفهمه واحترامه لليأس والغضب ومشاعر الانفعال، لكنه دعا إلى التعاطي بعقلانية. وهذه كنقطة أولى. أما النقطة الثانية اعتبر أنه لا بد من وضع سقف، وعدم الذهاب إلى حرب أهلية واقتتال داخلي، لأن هناك من يعمل لأجل حرب أهلية في لبنان، كما جرى في العراق وسوريا واليمن. وأشار إلى أن العجز عن مواجهة المقاومة في لبنان، قد يؤدي إلى خيار الحرب. معتبراً أن مشروع الحرب كان موجوداً ولا زال موجوداً، مؤكداً أنه لا يجوز بنتيجة كل الازمات المالية والمعيشية والسياسية، لا يجوز لأحد أن يدفع البلد إلى حرب أهلية.
الحروب وأثمانها
ونفى نصر الله عن حزبه أنه الوحيد الذي يمتلك الأسلحة، معتبراً أن الحرب لا تحتاج لصواريخ دقيقة، وقوامها أسلحة خفيفة، وهي موجودة عند أغلب اللبنانيين. وفي كل القرى هناك أسلحة موجودة، والدليل التشييع في الجنائز. واتهم نصر الله جهات خارجية وبعض الجهات الداخلية بأنها تبحث عن فرص لإشعال الحرب الأهلية. وأكد أن حزب الله ليس في وارد استخدام السلاح بهدف تشكيل الحكومة أو محاربة الفساد أو أي ملف آخر من ملفات الدولة.
في النقطة الثالثة، اعتبر نصر الله انه لا بد من الحفاظ على الهدوء، لأجل إدراك عناصر المعالجة، مشدداً على ضرورة التشخيص الصحيح للأزمة، وعدم تحميل تبعاتها على طرف واحد، بهدف تصفية الحسابات. وقال إن حزب الله معني بحل الأزمة وهو جزء من أصحاب المسؤولية. وقال إنه لا بد من معالجة كل الأسباب لمعالجة هذه الأزمة. ولفت إلى أن الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي، يعود إلى السياسات المالية المتبعة، وضرب القطاع الزراعي والصناعي، والرهان على التسويات السياسية في المنطقة منذ التسعينيات، والفساد والهدر، وسياسة الاقتراض، والنزاعات والصراعات السياسية والطائفية في البلد، والحروب الإسرائيلية، والاحتلال الإسرائيلي، والمشروع الأميركي في المنطقة، وخصوصاً الحرب الكونية التي أدارتها أميركا على سوريا، وهذا كان له تبعات سيئة جداً.
الحق على 17 تشرين ورياض سلامة
والأهم في الكلمة التي ألقاها بمناسبة “يوم الجريح”، هو اتهام نصر الله لثورة 17 تشرين بالتسبب بالضرر في البلد، وتحميلها مسؤولية ما يجري، والتوتر في البلاد وسحب الودائع ووقف الاستثمارات. معتبراً أن الجمعيات التي شاركت في الثورة كانت تديرها السفارة الأميركية. ولفت إلى أن الضغوط الأميركية على لبنان ومنع تدفق الدولار هو أساسي في الوصول إلى هذه الأزمة اللبنانية. ونفى نصر الله أي علاقة لحزب الله بالأزمة، بخلاف ما يتهمه به الآخرون. وأشار نصر الله إلى أن الحل يجب أن ينطلق من معالجة كل هذه الأسباب. واعتبر أنه لا يمكن تيئيس الناس، ولا بالوقت نفسه طمأنتها بالأوهام. لأن الواقع لا يمكن معالجته في سنوات قليلة.
وحمّل حاكم مصرف لبنان مسؤولية ارتفاع سعر صرف الدولار، قائلاً: “عليك منع الدولار من الارتفاع”. واعتبر أن الحاكم قادر على ذلك. كذلك وجه تحذيراً للمحتجين بضرورة عدم قطع الطرقات، وحملهم مسؤولية تدهور الأوضاع ووضع البلاد على فوهة الحرب الأهلية. معتبراً أن من يقطع الطريق يشارك في عمل مشبوه، ويضع لبنان على حافة اقتتال داخلي. وتحدث نصر الله بلهجة تهديدية بأنه في حال عدم فتح الطرقات وتحرك الجيش والقوى الأمنية، فسيكون لكل حادث حديث. وهو قصد أن حزب الله سيتدخل لفتح الطرقات ومنع إغلاقها.

Social Links: