محمد علي صايغ
بعد مرور عشر سنوات على الكارثة السورية ، وبعد سنوات من التفاوض السياسي في جنيف على أساس القرار 2254 / 2015 عبر تسع جولات راوحت في مكانها دون أي تقدم ، ثم تلتها جولات اللجنة الدستورية الخمسة عبر هندسة مسار استانا الذي ادخل العملية الدستورية التفاوضية في نفق التعطيل ولعبة تمرير الزمن على حساب مأساة السوريين ومعاناتهم ..وكأننا أمام مسلسل مكسيكي لا تنتهي حلقاته ..
وفي ظل التوازنات الدولية و تعقيداتها، ودخول الروس بقوة في الملف السوري وعدم الاهتمام الأمريكي وغض النظر سواء بتوافق مع الروس أو بالرضا عن تدخلهم، وإدارة الظهر للعملية السياسية أو الاحجام عن الدفع بها ، وعدم اهتمام الإدارة الأمريكية أو رغبتها في ابقائها رهينة مستنقع يمنع أي انتقال سياسي قبل الوصول الى تقاسم النفوذ يكون لأمريكا فيها حصة الأسد على حساب الأطراف الأخرى النافذة في الملف السوري .
لم تكن الجولة الخامسة وتعطيلها هي الكاشف الوحيد عن التلكؤ الدولي في الدفع بالعملية السياسية ، ولكنها كانت محطة مهمة في إظهار عدم جدية الأطراف الدولية في الوصول إلى حل سياسي .
وكان يمكن أن يؤشر اجتماع سوتشي في 16 / 2 / 2021 بعد فشل الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية إلى الكشف عن عزم الدول الضامنة في الدفع بالعملية الدستورية كبداية للدخول في العملية السياسية لتأتي النتائج كما توقعها الكثيرون مخيبة لآمال القلة القليلة من المتفائلين ، وكانت نتائجها تؤكد على استمرار العطالة وأن الحل السياسي بعيد المنال …
من هنا لا بد من الوقوف عند عدد من المؤشرات لا زالت تتمحور حول مسار الأزمة السورية :
1- مسار سوتشي واستانا دفعت به روسيا للالتفاف على مسار الأمم المتحدة في جنيف وأيضا الالتفاف على تطبيق القرار الأمم المتحدة 2254 / 2021 وباقي القرارات الدولية ، وحين وجدت معارضة جدية من الدول الأوربية وأمريكا ، ابقته مسارا استخدمته في تقطيع عملياتها العسكرية إلى مناطق ( خفض التصعيد ) وتستخدمه أيضا بذات الآلية في المسار السياسي عبر تخميد الاندفاعات السياسية للحل .
2- مسار اللجنة الدستورية مازال مرتبطا، بمشاريع الدول الكبرى والتوافق على حل ، ولكن هذه الدول – كما يبدو – غير مستعجلة لفرض حلا مادام الوضع السوري مازال مضبوطا ولم يخل بالتوازن أو ينعكس على توازن المنطقة بما يشكل تهديدا لما ماهو مرسوم لها .
3- لازالت تعقيدات الوضع السوري ، وتنازع المصالح في الملف السوري بين القوى الإقليمية والدولية تفعل فعلها ، وعلى خلفية هذه التعقيدات يشتغل كل طرف من الاطراف على استدامة الأزمة من أجل الحصول على شروط أفضل تخدم مصالحه ، وقد تكون الانتخابات الرئاسية على أساس دستور 2012 إحدى المحطات لاستخدامها من أجل فرض الأمر الواقع ، وتدوير مخرجات القرار الدولي 2254 / 2015 أو الالتفاف عليه .
4- بعد فشل الجولة الخامسة من اللجنة الدستورية ، فإن العملية السياسية في سورية أضحت في حالة من الجمود أو التجميد ، فيما عدا محاولات الأطراف المتدخلة عسكريا في ضبط الأوضاع على الأرض للحيلولة دون تصادمها ، وأن لاتتحول المناوشات بين هذا الطرف أو ذاك إلى صراع أو حرب تخلط الأوراق وتخل بالتوازنات وفق تفاهماتها .
ومن هنا تتسارع التحضيرات والخطوات في هذه الأيام لتوقي أي مفاجأة قد تحدث أو تحسبا مما قد تتحرك علية السياسة الأمريكية بعد فوز بايدن وقرب الانتهاء من تشكيل فريق عمله وتحديد سياساته العالمية والشرق أوسطية، وتأتي الاتصالات الروسية المكثفة بدول المنطقة ، وزيارات لافروف المتتابعة لدول الخليج لطمأنتهم تجاه الخطر الإيراني ، عبر دور روسي للحد من هذا الخطر من جهة ، وأهمية رسم التوافق على رؤية مشتركة من خلال عقد الصفقات السياسية والاقتصادية تفرض أمرا واقعا للنفوذ الروسي في سورية وتؤدي الى الضغط لاعادة تأهيل النظام أو القبول بتغيير شكلي في تركيبته ، قد تدفع الإدارة الأمريكية الجديدة للتعامل مع ذلك بإيجابية لحلحلة الازمة السورية بالتوازي مع دور روسي ضاغط باتجاه الملف النووي الإيراني ، والحد من النفوذ الايراني في سورية .
ومع حالة هذا الحراك الدبلوماسي المكثف من جميع الدول النافذة بالملف السوري ، تشتغل الدول وأطرافها على تمرير مشاريع عبر تصريحات مقربين من أصحاب القرار الدوليين ، لتحريك هذا الملف عبر بالونات اختبار ، منها الحديث القديم الجديد حول أنه لا بديل للحل السياسي إلا عبر الفدرلة ، وتحويل الدولة السورية إلى دولة اتحادية تعطي هوامش واضحة للمحليات أو للأقاليم في ظل حكومة اتحادية .
وآخر بالونات المشاريع ، الحديث عن مجلس عسكري يقود المرحلة الانتقالية ، ومن خلاله يتم تأسيس البيئة الأمنية والعسكرية الآمنة للانتقال السياسي وتطبيق القرار 2254 /2015 .
ومع المروجون لهذا المشروع أو الذين يقفون ضده ، من الطبيعي أن تكثر التحليلات المؤيدة أو المعارضة لهذا المسار …
ويبدو أن مؤيدين هذا الاتجاه يغيب عنهم أن سورية لها تجربة مرة مع حكم العسكر، هذا الحكم سواء جاء عن طريق الانقلاب ( والانقلاب جاءت بكارثة على سورية ) ، أو عن طريق مجلس عسكري ، فإن هذا الاتجاه لن يحدث تغييرا في تعميم الحريات أو تغييرا ديمقراطيا عبر تشكيل مؤسسات وهيئات حاكمة ديمقراطية .. ويأتي السؤال عند ذلك : من سيشكل هذا المجلس العسكري ؟؟ وهل سيشكل على أساس تقاسم نفوذ الدول وبالتالي حصة كل منها في هذا المجلس ؟؟ أم سيشكل على أساس طائفي أو إقوامي وحصة كل طائفة أو مكون قومي في هذا المجلس ؟؟ أم على أساس تقاسم السلطة بين النظام وبين لفيف من العسكر التابعين للدول المشغلة لهم والذين خرجوا من رحم النظام وسيعودون تبعا لذلك إلى حضن النظام بطريقة المجلس العسكري بعد أن تمرغ أغلبهم بالفساد والإفساد ؟؟ .
وهذا الشكل من المشاريع : هل هدفه تجاوز القرار الدولي 2254 /2015 ومخرجاته ، والالتفاف عليه ، كما تم تجاوز هذا القرار عبر أولوية الدستور على هيئة الحكم الانتقالي لشراء الوقت والوصول باللجنة الدستورية إلى طريق مسدود ؟؟
وما الداعي اليوم للدفع بالمجلس العسكري بما يتناقض مع رؤية خارطة الطريق للقرار 2254 / 2015 الذي رسم طريق يقوم على تأسيس هيئة حكم انتقالية تدير البلاد لمدة سنة ونصف ، تقوم خلالها بصياغة دستور وقانون انتخابات تمهيدا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية .. وهيئة الحكم يتشكل ضمنها ، هيئة رئاسية ، وحكومة ، ومجلس عسكري يخضع لهيئة الحكم الانتقالية . بينما المجلس العسكري وفق الطرح المتداول اليوم سيحل في الحكم محل هيئة الحكم الانتقالية . وهنا تكمن المشكلة في إخضاع البلد للحكم العسكري ومآلاته .
ويجب الإشارة إلى أن فكرة المجلس العسكري قد طرحت بين عامي 2013 – 2014 ولكنها لم ترى النور بسبب حدية التنافس الدولي والإقليمي الذي صعب إنجاز هذا التصور . وأعتقد اليوم بأن الذهاب إلى مشروع المجلس العسكري بعد عشر سنوات من عذابات وآلام السوريين وتوقهم إلى الحرية والعدالة والمساواة فإننا سنكون أمام واقع يشير إلى المقولة الشعبية : ” وكأنك ياأبو زيد ما غزيت ” وسيعود بنا حكم العسكر رويدا رويدا إلى أسوأ ما كنا عليه ..
ومع حلول ذكرى انطلاقة الثورة السورية في 15 / 3 / 2011 ، وقد صدق من أطلق عليها مقولة ” الثورة اليتيمة ” ، وفي ظل هذه العطالة والتعطيل للحلول السياسية وفق القرارات الدولية ، ومع السعي الحثيث من بعض الدول لتفريغ تلك القرارات من مضمونها وآليات تنفيذها ، ومع بقاء الوضع الميداني العسكري في حالة ينذر في كل لحظة بانفجار الصدام بين مختلف أطرافه ، بالرغم من كل محاولات ضبطه وعدم انفلاته خارج التفاهمات ، ثم في ظل الوضع الاقتصادي الكارثي، وتدهور الحالة المعاشية لعموم المواطنين في الداخل وما تسببه من عوز وفقر وجوع وحرمان ووصول الشرائح الاجتماعية إلى مستوى تحت خط الفقر بكثير ، وما تسببه هذا الحالة من كوارث اجتماعية على مستوى الفرد والأسرة .. كل ذلك وغيره فإن بقاء الحل السياسي دون أفق أو خطوات للحل قد يدفع إلى اندفاعات شعبية أو ما يعرف بثورة الجياع تأتي على الأخضر واليابس، مما قد يؤدي إلى انهيار كل التوقعات والتصورات والمشاريع ، وسقوط أحجار الدومينو دفعة واحدة على رؤوس الجميع .

Social Links: