رسالة إلى المجتمع الدولي – المحامي أنور البني

رسالة إلى المجتمع الدولي – المحامي أنور البني

المحامي أنور البني
رسالة إلى المجتمع الدولي
( رؤساء – الأمين العام للأمم المتحدة – وزراء خارجية – ممثلين دبلوماسيين )
أوقفوا مكافأة القتلة الجماعيين – أنقذوا العدالة بتنفيذ القرارات الدولية
منذ خمسين سنة حصل انقلاب عسكري في سورية نتج عنه سيطرة الانقلابين على الدولة السورية، وخلال عقود حكمهم الاستبدادي أطبق الانقلابيون سيطرتهم على المجتمعين المدني والأهلي عبر القمع ومصادرة الحريات، وأنتجوا نظامًا استبداديًّا شموليًّا جعل من البلد إقطاعية للمتربعين على رأسه وجحيمًا لسكانه. وبعد ثلاثين عامًا سحق الطاغية حافظ الأسد آخر مظاهر الجمهورية الشكلية التي كان قد أبقى على صورتها لأسباب استخدامية، وذلك عبر توريث ابنه بشار السلطة؛ فتكفل الوريث باستكمال مسيرة والده القهرية، ومن ذلك قوننة ملكية عائلته للبلد، والسطو على الملكيات العامة، ما زاد من إفقار السوريين بشكل متسارع وواسع وأدى لتداعي مؤسسات الدولة. وهو ما أشعل ثورة السوريين التي جابهها النظام الدموي بالحديد والنار وسياسة الأرض المحروقة؛ فأمعن في قتل السوريين وإرهابهم وتدمير حواضرهم وتهجيرهم قسريًّا وصولًا إلى غصب أملاكهم وتعريض مناطقهم إلى هندسة ديموغرافية قسرية وتغيير ديموغرافي في حالات، مستخدمًا لذلك كل أنواع الأسلحة بما فيها السلاح الكيمياوي المحرم دوليًّا، كما استدعى دولًا أجنبية وميليشيات أجنبية متطرفة لدعم حربه ضد الشعب السوري، كما شجع تنظيمات طائفية وإرهابية للعمل في سورية لحرف الصراع من كونه ثورة شعب على نظام نهب استبدادي إلى صراع بين مستبدين؛ وبالنتيجة توزعت سورية لمناطق نفوذ تتبع لدول محتلة تسخر ما تبقى من النظام، والمنظمات والميليشيات والمجموعات المسلحة بكل مسمياتها، للقتال خدمة لمصالحها، في حين يدفع الشعب السوري ثمن هذا الاقتتال الدولي دمًا وتشردًا واعتقالًا ودمارَ بلده ومقدّراته.
هذه الجريمة/ المجزرة المستمرة منذ عشر سنوات نتج عنها حتى الآن أكثر من نصف مليون ضحية ومليوني مصاب، وأكثر من مئة وخمسين ألف معتقل لا يزالون مغيبين ومجهولي المصير، قتل منهم أكثر من خمسين ألفًا تحت التعذيب. إضافة إلى تدمير أكثر من 30 % من البنية المعمارية في سورية تدميرًا كليًّا، وتدمير أكثر من 50% منها تدميرًا جزئيًّا، واستهدفت سلطة الأسد وحلفاؤها البنية التحتية فدمّرت 60% من المرافق الصحية والتعليمية، ليصبح بذلك مليون طفل سوري محرومين من حقهم في التعليم. وكلّ هذا أدى إلى تشريد أكثر من نصف الشعب السوري بين نازح أو لاجئ، وأن يصبح 90% من الشعب السوري تحت خط الفقر، معتمدًا على المساعدات.
كل هذه الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب الفظيعة، ارتكبتها سلطة الأسد وحلفاؤها تحت أنظار العالم الصامت، مستفيدة من استخدام روسيا والصين الجائر لمكانتهما في مجلس الأمن الدولي لمنع محاسبتها، وتعطيلهما القرارات الدولية القليلة التي صدرت. وهكذا قامتا بالالتفاف على بيان جنيف الذي صدر عام 2012، وعلى قرار مجلس الأمن 2118 / 2013 حول استخدام الأسلحة الكيمياوية، والقرار رقم 2254 / 2015 في تاريخ 30 حزيران 2012 الذي يؤكد مصادقته على بيان جنيف الأساس للانتقال السياسي، وعلى هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، وعلى إطلاق سراح المعتقلين، وعلى عودة آمنة للاجئين كأساس للحل السياسي؛ مع العلم أنه قد نصّ على تشكيل حكومة شاملة وغير طائفية وتتمتع بالمصداقية وتضع جدولاً وتعمل على وضع دستور جديد، كما أعرب عن دعمه لقيام انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة بموافقة الحكومة (الجديدة) وبما يتطابق مع أعلى معايير الشفافية والمصداقية الدولية بمشاركة السوريين كلهم، بمن فيهم الموجودون في الشتات، المؤهلون للمشاركة.
والآن تعمل سلطة الأسد المجرمة مع حلفائها على تنظيم انتخابات غير شرعية ضاربة بعرض الحائط بالقرار الدولي وبما نص عليه ، إن هذه المسرحية التي تجري تحت اسم انتخابات في سوريا تخالف القرار الدولي وتهزأ بالقرارات الدولية لإعادة إنتاج المجرمين كسلطة مطلقة في سورية وكحالة أمر واقع غير قابلة للتغيير. ويعود إصرار تحالف الاستبداد (الروسي الصيني الإيراني) على الشروع بتلك الانتخابات إلى رغبته في انتزاع شرعية دولية لعملية إعادة بناء نظام الاستبداد في سورية رغمًا عن القرارات الدولية. وجلي أن من أهدافه بعث رسالة طمأنة للطغاة في العالم أنه قادر على حمايتهم وتعزيز شرعيتهم مهما ارتكبوا من جرائم بحق شعوبهم.
ومع اعتراضنا المؤكد على شرعية هذه الانتخابات فإن الشروط القانونية عدا عن الشروط الشرعية غير متوفرة فنصف الشعب السوري خارج سلطة النظام، ولا توجد أي رقابة حيادية على صحة الانتخابات، والنظام حرم حتى السوريين في الخارج ممن ليس لديهم وثيقة سفر صالحة وخروج نظامي من الحدود من المشاركة مما يعني عمليًّا حرمان نصف الشعب من المشاركة.
أمام هذا الخطر الداهم على النظام الدولي، حيث يقوم تحالف الطغاة بتدمير أسس العدالة، ويبلغ بتكريسه الإفلات من العقاب ذرًى جديدة ليكافئ الطغاة الدمويين على جرائهم الجماعية، يجد العالم نفسه أمام خيارين فإما منع الافلات من العقاب، ومنع مكافأة القتلة العموميين، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الشأن، ومن ثمة التمسك بشرعة حقوق الإنسان، وبالقانون الدولي والقرارات المتناسبة معه الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة، وإما التواطؤ مع الحلف الدموي في تدمير أسس العدالة الإنسانية وتثبيت شرعة “الغاب” التي ستفضي إلى نظام دولي دموي. ولأننا ننحاز للعدالة والحقوق والحريات والديمقراطية فإننا ندعو كل الدول، والمؤسسات، والأفراد، المتمسكين بحقوق الإنسان والقوانين والقرارات الدولية، بل نطالبكم بالدفاع عن صدقيتكم وتمسككم فعلا بالقرارات التي تتخذونها بأن تقوموا على الأقل باتخاذ إجراءات واضحة تجاه ما جرى ويجري في سورية:
– الإعلان أن الانتخابات التي ستجري في سورية غير شرعية بالمطلق، وأن أي سلطة ستكون بعدها هي سلطة أمر واقع موجودة بقوة السلاح لا تحظى بأي اعتراف أو شرعية دولية، وأن سورية أصبحت دولة لا يوجد من يمثلها قانونيًّا على الصعيد الدولي.
– تعليق عضوية سورية لدى كل الهيئات والمنظمات الدولية وحجب الصفة الدبلوماسية عن أي شخص يدعي تمثيلها، وإغلاق سفاراتها وممثلياتها القنصلية في الدول.
– دعوة منظمات الأمم المتحدة الإغاثية والصليب الأحمر للتواجد في كل المناطق السورية مباشرة من دون الحاجة إلى إذن من أي سلطة إلا ما يستوجب الحماية لها، لتقديم ما يحتاجه السوريون مباشرة ومن دون وسيط وفي كل المناطق السورية، باعتبار أنه لا توجد سلطة شرعية في سورية.
– دعم الملفات القضائية المفتوحة بجرائم ضد الإنسانية بحق أكثر من 60 مسؤولًا سوريًّا، بمن فيهم بشار الأسد أمام المدعين العامين في ألمانيا والسويد والنروج والنمسا وفرنسا ومذكرات التوقيف الدولية التي صدرت بحق عدد منهم ، والملفات التي قدمت للمدعين العامين بألمانيا وفرنسا والسويد ضد النظام السوري ورئيسه بشار الأسد بجريمة استخدام السلاح الكيمياوي المحرم دوليًّا، كما يجب تذكر القرار الذي صدر عن محكمة مدينة كوبلنتز الألمانية بحق أحد ضباط الأمن السوري والذي يؤكد أن ما ارتكب ويرتكب في سورية هو جرائم ضد الإنسانية مما يعني مسؤولية مؤكدة لرأس النظام.
– ضمان خلق آليّات مشاركة السوريّين في حكم أنفسهم، وبناء النظام الديمقراطيّ، وإعادة إعمار بلدهم، عبر مشاركتهم في التخطيط، وإنتاج القوانين الملائمة والعادلة لذلك، ومراقبة التنفيذ ومراجعة العمليّة برمّتها بعد انتهائها.

المركزالسوري للدراسات والأبحاث القانونية
المحامي أنور البني

  • Social Links:

Leave a Reply