4- من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية:
تقدم الماركسية نفسها بوصفها نظرية شاملة لفهم الطبيعة والمجتمع في ضوء المادية الجدلية والمادية التاريخية. وتقوم الفلسفة الماركسية في المجتمع والتاريخ على نظريتين متكاملتين هما: المادية الجدلية (Dialectical Materialism) والمادية التاريخية. وتشكل المادية الجدلية (Historical Matecialism) [13]الجانب الفلسفي، بينما تشكل المادية التاريخية النظرية الاجتماعية التي تتمحور حول الواقع الاجتماعي التاريخي للمجتمعات الإنسانية في الفكر الماركسي على وجه العموم، وتعد المادية الجدلية تطويراً ماركسياً لفلسفة لودفيغ فيورباخ المادية التي كانت سائدة آنذاك وتخصيبها بالجدل الهيغلي بعد تجريده من مثاليته المفرطة.
وتمثل المادية الجدلية ” المكون الفلسفي للنظرية الماركسية، فهي الرؤية الفلسفية التي تنبثق عنها جميع قضايا النظرية، وتتلخص هذه الرؤية في النظر إلى العالم على أنه “كل مكونٍ من مادة متحركة حركة تصاعدية تؤدي إلى حدوث تغيرات متتالية. وتتسم المادية الجدلية من جهة أنها (مادية) بالاعتقاد بأن العالم مادة متطورة – لا إرادة إلهية فيها وأن العالم المادي موجود، سواء أشعرنا به أم لم نشعر، وأن الوعي والحس، ما هما إلا نتيجتان للمادة، فالوجود المادي سابق على الوعي ” [14]. أما كونها “جدلية” فيعني النظر إلى العالم بوصفه كلاً مترابطًا في حركة دائمة وتطور مستمر، وتنبع الحركة والتطور من التناقضات الكامنة في أجزائه جميعها، وتؤدي هذه التناقضات إلى صراع بين القديم والجديد، صراع ينتهي بالانتصار الحتمي للجديد، ويرى ماركس أن التناقض هو جوهر الأشياء، ومن ثم فهو شامل ومطلق، وتوجد التناقضات كأساس للتغير في كل العمليات والأشياء”[15].
ولا تعدو المادية التاريخية في نهاية الأمر أن تكون تطبيقاً للمادية الجدلية على قضايا المجتمع والتاريخ والظواهر الاجتماعية. والمادية الجدلية تمثل جوهر الفلسفة الماركسية ومنهجها ومنظورها الأيديولوجي في الحياة الكونية والوجود الإنساني. ومن المعروف أن ماركس قد تتلمذ على الفلسفة الجدلية عند هيغل [16] (Georg Wilhelm Friedrich Hegel) بداية، ومن ثم طور فلسفته الجدلية بطريقة مغايرة للمثالية الجدلية الهيغيلية التي تتحرك في عالم الأفكار والتصورات والمثل خارج السياق المادي، مؤكدة أهمية الوعي وأسبقيته في الوجود والحركة على المادة، وعلى خلاف ذلك انقلب ماركس على مثالية هيغل الجدلية، وأكد أسبقية المادة جدلياً على الوعي فأهبط الفلسفة الجدلية الهيغلية من أبراجها المثالية العاجية إلى فضاء الواقع الإنساني بمشكلاته وتحدياته الوجودية، وعلى هذا النحو انقلب على المثالية الجدلية عند هيغل وجعلها مادية جدلية، واستطاع أن يوقف هذا الجدل الهيغلي على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه.
تبحث المادية الجدلية عند ماركس في القوانين العامة التي تحكم تطور العالم المادي عمومية وجميع الجوانب الحية في الوجود والفكر والعالم، وتعتمد المادية الجدلية قوانين الجدل المتمثلة في ثلاثة قوانين أساسية: وحدة وصراع الأضداد، وقانون التحول الكمي إلى كيفي، وقانون نفي النفي، وتشمل أيضا منظومة القوانين التي تحكم الفكر والوعي في حركته وتطوره بوصفه انعكاساً لقوانين العالم الموضوعية. ولا يوجد اختلاف جوهري بين المادية الجدلية والمادية التاريخية فيما يتعلق بالقوانين الجدلية والمبادئ الأساسية، إلّا أن المادية التاريخية تشكل تطبيقاً حياً لقوانين الجدل في مجال التاريخ والمجتمع أي في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية، إذ تسعى إلى استكشاف القوانين العامة التي تحكم تطور مختلف الظواهر الاجتماعية والتاريخية، وتبحث في العمليات التاريخية لتطور الحياة السوسيولوجية في المجتمع، وهي باختصار شديد، كما أشرنا، تطبيق القوانين العامة للمادية الجدلية في مختلف الظواهر الاجتماعية [17].
يحاول ماركس في ماديته الجدلية أن يوضح لنا حركة التاريخ والمجتمع ومختلف ظواهره وفقا للقوانين الجدلية، ويبين لنا كيف يجري الصراع في داخل المجتمع بين الطبقات الاجتماعية، وكيف ينتقل المجتمع من مرحلة إلى مرحلة، وكيف تتقاطع العلاقات بين جوانب الحياة الاجتماعية، ولاسيما بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وفق قوانين المادية الجدلية.
ويرى كثير من الباحثين اليوم أن المادية التاريخية تشكل “علم الاجتماع الماركسي” إذ يتم تطبيق قوانين ومقولات المادية الجدلية في دراسة وفهم مختلف قضايا الحياة الاجتماعية. ومن الواضح أن الماركسيين يرون أن المادية التاريخية تشكل نظرية علمية للتطور الاجتماعي ومنهجاً للتغيير في آن واحد [18]. وتنطلق هذه النظرية في تناول المجتمع بوصفه “وحدة اجتماعية – اقتصادية مترابطة في حركة مستمرة، وتغير دائم، يحتل فيه نشاط الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان المقام الأول، وقد طرحت الماركسية مفهوماً يعبر عن هذه الرؤية وهو: “التكوين الاقتصادي – الاجتماعي” Socio – Economic Formation الذي يعني أنموذجاً تاريخياً للمجتمع يقوم على أساس أسلوب إنتاجي معين، ويظهر بوصفه مرحلة في تطور المجتمع الإنساني“[19].
وتعد ” المادية التاريخية جزءاً جوهرياً لا ينفصل عن الفلسفة الماركسية كما تُعد في الوقت نفسه دراسة علمية للمجتمع مما تعارفنا على تسميتها بعلم الاجتماع. ولا يوجد تناقض في أن تتضمن المادية التاريخية عناصر من كليهما، الفلسفة والعلم الاجتماعي، ولا يوجد تناقض في أن تتضمن المادية التاريخية عناصر من كليهما، الفلسفة والعلم الاجتماعي. ” [20]. وقد ” ذهب بعض الدارسين إلى أن المادية التاريخية جزء من علم الاجتماع ووصلوا من ذلك إلى عدم جواز اعتبارها جزءاً يندرج تحت الفلسفة الماركسية. وعلى النقيض من ذلك يؤكد آخرون أن المادية التاريخية ركن من أركان الفلسفة الماركسية. ويرفضون تناولها بوصفها فرعاً من فروع علم الاجتماع باعتبارها في أحسن الأحوال أساساً منهجياً ونظرياً ذا طابع عام لعلم الاجتماع[21]. ويقرر كل من روزنسال ويادن (M. Rosenthal and P. Yudin, ) أن « المادية التاريخية هي علم اجتماع علمي يشكل الأساس النظري والمنهجي للبحوث الاجتماعية العينية والعلوم الاجتماعية كافة[22]. ومهما يكن الأمر فإن المادية التاريخية تشكل إطاراً عاماً لما يكن أن نسميه بعلم الاجتماع الماركسي أو علم المجتمع الماركسي، وذلك لأن المادية التاريخية تشكل بوضوح نظرية ماركس وإنجلز في المجتمع وفي مساراته التاريخية، ويشمل ذلك مختلف التكوينات الاجتماعية الأساسية. وفيه نجد تحليلاً عميقاً لمختلف التفاعلات الحية في المجتمع، ويقدم رؤية علمية للظواهر الاجتماعية الكبرى، ويحدد لنا الملامح الأساسية لعملية التطور التاريخي في المجتمع بناء على حركة التناقضات الاجتماعية القائمة في داخل المجتمعات الإنسانية.
والمادية التاريخية كما يرى إنجلز: “هي قانون تطور التاريخ البشري، الذي عُدّ اكتشافه اكتشافاً يضاهي اكتشاف داروين لقانون تطور الأنواع، وهي علم يركز على تطور المجتمعات البشرية ويخضع ظواهرها للبحث والتفسير والتحليل، وقد جرى التعبير عن هذا الأمر من قبل كارل ماركس نفسه الذي يرى بأن نظريته هي شكل من أشكال التصور المادي للتاريخ ” [23]. وأخيراً “يجب ألّا يغيب عن البال أن المادية التاريخية، خلافاً للعلوم الاجتماعية الأخرى، هي علم فلسفي، منهجي، أي علم لا يدرس جوانب أو عمليات معينة من الحياة الاجتماعية، بل يدرس المجتمع، والحياة الاجتماعية بوصفها عملية متكاملة، في تفاعل جميع جوانبها وعلاقات بعضها مع بعض، وهو بالتالي نظرية عامة وطريقة لمعرفة المجتمع ” [24].
Social Links: