قصقوص !! – رؤى عبد الصمد

قصقوص !! – رؤى عبد الصمد

رؤى عبد الصمد

قصقوص !!
(حكاية شعبية )
قصقوص شاب فقير من قريتنا ، توفي أبوه و هو صغير ، أمه تعمل بالأجرة لدى الفلاحين ، كان متفوقا” في المدرسة ..و لكن في سن المراهقة ، صارت عنده هواية تربية الطيور ، ثم أصبحت ادمانا” (سوسة)، كانت أمه تعطيه النقود ، تقول لنفسها هو شاب و يحتاج أن يصرف بين رفاقه و ما يكون ذليل ، و لكن قصقوص يأخذ النقود من هنا و يشتري الطيور من هناك ..
يضع الطيور في (تنكات على سطح المنزل ) و يأخذ من الحنطة و البرغل (المونة ) التي تدخرها أمه للشتاء و يطعم طيوره ، و في كل مرة أمه يجب أن تشتري من جديد (مونة ) جديدة و هي تقول :
-لك و الله ما عبعرف وين عبتروح هالحنطة و ها البرغل ..بركتنا طايرة ها الأيام !!
أخيرا” قصقوص ترك المدرسة و تفرغ للتصفير للطيور و التلويح لها لتطير ..، و كانت له مشاكل دائما” مع الجيران و زملاء المصلحة ..
-ابنك يا حجة أم صالح عبيطلع على السطوح و عبشوف بناتي بالقرعة ، و الله لو أحكي لجوزي أو ولادي ما بتعرفي اش بصير ..
-قصقوص لا بترجع طيرتي البنية لا بحسب الله ما خلقك ..
-أنا شفت طيري الأورفلي هدا بين طيورك ، طالعو يا حرامي أحسن ما أدبحلك هني كلهم ..
الحاجة عليا أم قصقوص ، كانت تنصح ابنها دائما” أن يترك هذه السوسة اللعينة دون جدوى ..
بعد سنوات ، أعلنت نتائج البكالوريا لزملاء قصقوص القدامى في المدرسة ، هذا سيدخل طب و هذا هندسة و هذا صيدلة ، و قصقوص على سطح المنزل يصفر و يلوح للطيور !!
حزنت الحجة عليا كثيرا” و قالت له :
-لك إيمت بدك تعقل و توعى لحالك ، هالطيور خربو بيتنا ، رفقاتك صاروا بالجامعة ، و انتي لسا متل حج لقلق على ها الحيطان ..حط عقلك براسك بقا و تروك هالسوسة المعتة ..لسا قدامك عسكرية و جازة ، و أنا صرت على حافة قبري مين بعدين بدو يحويني ، اختك اللي يا دوبها تطلع على جوزها و ولادها .
قصقوص من على السطح نادى أمه :
-أمي طلعي لعندي لأفهمك
-شو بدك تفهمني .؟!
-طلعي
الحاجة عليا صعدت بصعوبة إلى السطح ..
-هات لأشوف شو بدك تفهمني ؟!
-أمي شايفة هدول الطيور ؟
-إي شايفتن ماني عميا
-كم طير بيطلعو ؟
-شي خمسين طير اش بعرفني !!
-لأ ستين أمي
-طيب ؟
-أمي أبو الله يرحمو مو كان موظف، شقد كان عبياخد راتب ؟
-٥٠٠ ورقة ، بس لو لهلق كان صار معاشو 1000 ورقة ، مو زادوا المعاشات
-طيب أمي شوفؤ هادا الطير الأسود ، هادا اسمو قوّال بتعرفي شقد بسوى ؟
-إي شو بعرفني ، خمسين ورقة ؟
قصقوص يضحك ضحكة طويلة ..
-هههههههههه …خمسين ورقة ؟! هادا ب 3000 ليرة ما ببيعه أمي ، وين رايحة؟ , شوفي هادا الأزرق على أبيض هادا اسطنبولي ب ٦٠٠٠ ما ببيعه ، هداك الاسرائيلي البني ..ب ٩٠٠٠ ما ببيعه ..
-صحي ؟
-لكن شو عبمزح معك !!
اشو وظيفة و اشو جامعة أمي !!هاي شغلة بتقص دهب ، هلق حسبيها كل شهر عبيفرخ عندي شي عشر طيور ، على ب 3000 شقد بيطلعو ؟
-ما بعرف
-أمي بطلعو كتير ، أحسن من معاش ١٠٠ دكتور و مهندس ، شو مفكرة ؟
-بلله ؟ و الله أنا ما هيك مفكرة ، إذا هيك يا ابني الله يرزقك و يوفقك
-بس أمي لا تقولي لحدا بعدين بيطمعوا فينا و بيصيبونا بالعين
-لأ ما بحكي ..هات ابني تع نصفلهم شوية حجرات هون ، و لأنزل أجبلهم طاسة نحاس بشربو منها أحسن من هاي النايلو
-طيب أمي
صارت الحاجة عليا تعتني بالطيور ، تطعمهم و تنظف حواليهم ، و هي فرحة مسرورة بالثروة التي لديهم ..
بعد أشهر طلب قصقوص للخدمة العسكرية ، التحق بالدورة و لم يكن لديه أية نقود ، فكل المصروف يذهب طعاما” للطيور ..
في الدورة لم يكن الطعام كافيا” ، و الضابط ما بنزل حدا إجازة إلا يدفع .. و قصقوص ليس معه نقود ..
ضاقت الحال بقصقوص ، استدان في البداية بعض المال من رفاقه ، بعد فترة طالبوه بالنقود لم يكن معه ، اعتبروه نصابا” ، شكوه للضابط ، الضابط عاقبه و هدده ، و حرمه من النزلة ..
كان يبقى جائعا” ، و يحتاج شفرات و بويا و لم يكن معه نقود و لم يدينه أحد بعد أن ساءت سمعته ..
لم تكن هناك وسائل اتصالات ، كان يريد أن يطلب من أمه نقودا” ، و لكن لا مجال ..
بعد حوالي شهر أحد زملائه من منطقته أخذ إجازة ، ترجاه أن يذهب إلى قريته و يطلب من أمه نقودا” ..
أمه اعتذرت و قالت لرفيقه أنها لا تملك أية نقود ، بعد أن كانت تصرف كل أجرتها على طعام الطيور ..
شهرين آخرين ، زميل قصقوص أخذ إجازة من جديد ، طلب منه أن يمر ثانية على أمه ، و يطلب منها أن تبيع الطيور و ترسل له مصروفا”
رفيق قصقوص شرح للحاجة عليا كيف أن ابنها بحاجة ماسة للنقود و كيف أنه يطلب منها أن تبيع الطيور و ترسل له مبلغا” لا يقل عن 2000 ليرة ، استدانها قصقوص من رفاقه ..
الحاجة عليا قالت :
-2000 ورقة متدين ؟!،طيب بكرة و لا قلك يوم الجمعة بنزل طير ببيعه ، مر لعندي الجمعة المسا بعطيك المصاري ، و لا أقلك ، بنزل ببيع طيرين هدول الرخاص تبع ال 3000 بعطيك 4000 بيوفي منهم ديونه و بيترك معه 2000 مصروف ، ولي على قلبي يمكن هلق جوعان ، و أنا بترك معي 2000 مصروف ، و الله هالحمامات كسروني ، ما عبلحقلهم أكل ..
-طيب خالة أنا بمر لعندك الجمعة المسا ، لأنو إجازتي بتخلص يوم السبت
-طيب الله يوفقك يا ابني ..بتشرب جاي ؟
-دايمة خالتي ، لسا ما رحت على البيت
……………
أخذت الحجة عليا يوم الجمعة طيرين أسودين إلى سوق الجمعة ..
أتى شابان صغيران :
-خالة هدول الطيور للبيع
-لكن لإيش عين خالتك !!جايبتن أتفرج عليهم !!
-طيب شقد بدك حق هالجوز ؟
-و الله يا ابني ما بعرف ، بسعر ما بيسوو ،
تناول الشابان الطيرين فحصوهما ثم قال أحدهما :
-ما اشبهم شي ، بس ما هني أصليات ، شوفي في هادا هون اله ريشة بيضة ..هدول حجة لو كانوا أصليات بيسووا التنين ١٥٠ ليرة ، بس منشان هالريشة نحنا بناخدهم منك ب ١٠٠
-مية شو ؟!!
-١٠٠ ليرة حجة
-شو مفكروني يعني لأني جاية من الضيعة تضحكوا علي ولاك ، يلعن ابوكم انقلعو من هون ، شقفة فصعين بدكم تضحكوا علي ، ولاك أنا بنت كار …هدول حقهم 6000 ورقة، ورقة تنطح ورقة ولاك ..
-6000 ؟!! مشي خيو مشي ، الحجة خرفانة …أنا يشفيكي يا حجة

  • انا خرفانة ولاك ….
    زبونان آخران ، ثلاثة ، خمسة ،عشرة ، صار المساء و لم يدفع أحد للحجة عليا أكثر من ١٢٠ في الطيرين !!!!
    عادت إلى البيت دون أن تبيعهما بالطبع ، كانت حزينة و غاضبة ، و لم ترسل لابنها أية نقود
    ………
    بعد ستة أشهر انتهت دورة قصقوص ، أخذ إجازة ، طرق الباب فتحت أمه الباب ، ارتمت عليه تريد أن تقبله ، أعرض عنها و دخل غرفته حزينا”
    -ابني روحي اش صايرلك ، شقد صرلي ما شايقتك ، ليش هيك ما عبتحكي معي أنا شو عاملة معك ؟
    -،لسا ما بتعرفي شو عاملة ، بهدلتيني ، بين أمة الله كلهم ، تبهدلت و جعت و تعاقبت ، مرتين بعتلك بدي مصاري ما بعتيلي
    -منين أنا بدي أجبلك ؟!
    -مو بعتلك بيعي الطيور و بعتيلي ؟!
    -إي رحت لأبيعهم ، أخدت طيرين بدهم يضحكوا علي ، قال شو بدهم ياخدوهم ب ١٠٠ ليرة
    -إي ليش ما بعتيهم ؟!
    -ب ١٠٠ ليرة أبيع طيرين ، انتي قلتلي بيسوو 6000 ورقة
    -امي هدول حقهم بالسوق هيك ب ١٠٠ ليرة ، بس بنظري حقهم 6000 !!?!
    ٢٠١٧
    …………….
    هكذا نحن : ما لا قيمة له عند الآخرين ، نتفاخر نحن بامتلاكه ، بل ندافع حتى الموت عنه ، نتمسك به بكل قوة ، و نبذل للمحافظة عليه كل غال و ثمين .. و هو في نظر الآخرين مجرد تفاهة ، فمن هو على حق يا ترى نحن ام الآخرون ؟

  • Social Links:

Leave a Reply