سمير سعيفان
بعض من تجربتي في الحزب الشيوعي السوري
8/8 الجزء الأخير
كلمة أخيرة حول السياسة والشباب
ينفر جيل الشباب اليوم من السياسة، وربما يكون هذا اتجاهًا عالميًا، ولكن الشباب السوري الحالي لم يعرف السياسة أصلًا، وبالأحرى لم يعرف سوى وجهها المشوه، فليس للمجتمع السوري سوى تجربة محدودة مع الحياة السياسية والحريات العامة، وقد بدأت هذه التجربة بعد دخول فرنسا إلى سورية، واستمرت إلى ما بعد الاستقلال سنة 1946 بقليل، حيث بدأت الانقلابات العسكرية بين آذار 1949 وشباط 1954، رغم أن الثقافة السياسية والعمل المدني كان ما يزال يافعًا، ويختلط بالكثير من ولاءات المجتمع الأهلي والقبلي، ولكنها كانت مرحلة انتقال من المجتمع التقليدي القديم وقيمه وتنظيماته، إلى المجتمع الحديث العصري وقيمه وتنظيماته. وقد شهدت سورية فترة ديمقراطية وحريات عامة مزدهرة من أربع سنوات، كانت أشبه بشهر عسل ديمقراطي، انتهى بزواج قسري مع عبد الناصر في شباط 1958، وكان عبد الناصر ضابطًا قد وصل إلى السلطة في مصر بانقلاب عسكري في تموز 1952، فأصبحت الديمقراطية والحريات العامة في سورية خلال الوحدة في خبر كان، لتعود مرة أخرى بعد انفصال سورية عن مصر في أيلول 1961، ولكن ما لبث كابوس العسكر أن عاد مع انقلاب آذار 1963، وهو كابوس مستمرّ حتى الآن.
باختصار: الدولة العصرية اليوم تقوم على الديمقراطية والحريات العامة وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، والأحزاب إلى جانب منظمات المجتمع المدني هي الشكل الوحيد لتنظيم الحياة العامة والتنافس والفوز بتولي السلطة لفترة قصيرة 4 أو 5 سنوات، وكما أن الشركات في المجتمعات الحديثة، على اختلاف أشكالها، هي شكل تنظيم الاقتصاد، فإن الأحزاب هي شكل تأطير مجموعات البشر لتنظيم إدارة الدولة والمجتمع، عبر التنافس للوصول إلى السلطة، والبديل عنها هو دكتاتورية مستبدة، سواء أكانت دينيّة أم عسكريّة، ويلعب المجتمع المدني والجمعيات والروابط دورًا كبيرًا في تنظيم النشاط المجتمعي. وتلعب النقابات دورًا كبيرًا مطلبيًا وسياسيًا أيضًا.
أقصد من كل هذا أن لا سبيل إلى تنظيم حياتنا المعاصرة إلا بالاهتمام بالسياسة وببرامج الأحزاب السياسية وتوجهاتها، سواء انتسبنا إلى حزب أم لم ننتسب، ولكن لا بد من أن يكون لنا رأي واتجاه وتأييد لحزب ما، أو نهج ما، وأن نحاسب الأحزاب على مدى التزامها ببرامجها وعلى ممارستها ونتائج نشاطها، وعلى سلوك من يمثلوننا في البرلمان وفي الحكومة، فلا توقيع على بياض لأيّ كان، ولا أحدَ مقدس. ولا بد لبعضنا أن ينتسب إلى الأحزاب وينشط ويكون فاعلًا. فحتى اليوم، لا يوجد بديل عن الأحزاب سوى العودة إلى الأشكال القديمة، العشيرة والقبيلة والمؤسسة الدينية، وهي أشكال قديمة لا تناسب المجتمع العصري القائم على الانفتاح وعلى العلم والمعرفة.
لأنّنا -السّوريين- اليوم مشرذمون، ونحن نواجه الكارثة التي حلت بسورية منذ 2011، ولا ننتظم في أحزاب، فإننا محرومون من التمثيل في المحافل الدولية التي تناقش مصير سورية وشعبها، وسنظل مستبعَدين ما دمنا مشرذمين وغير قادرين على فعل شيء. ولكي نستعيد دورنا، ونمثل أنفسنا في المحافل المحلية والدولية، ونقول كلمتنا، ونفرض احترامنا، ونعمل لإعادة بناء سورية، ماديًا ومجتمعيًا واقتصاديًا وسياسيًا؛ لا بدّ من الانتظام في أحزاب قليلة العدد واسعة التنظيم، وليس في مئة حزب صغير لا يكون لأي منها قيمة وفاعلية.

Social Links: