م. خالد نعمة
بالأمس وعلى حين غرَّة، وبينما أنا أستكشف الغابة القريبة من منزلي، انفتحت أمامي فجأة بوَّابة نجمية من تلك التي تتنبأ بها إحدى النظريات الفيزيائية، وإذ بي أطير عبرها منخطفاً بلمح البصر، فأرى أكواناً تتقلـَّـب أمامي مثلما يقلـِّـب المرء صفحات كتاب، ولأجد نفسي في لحظة، ويا لعجبي، وقد حطَّ بي المقام في أحد الأكوان الموازية على كوكب يشبه كوكب الأرض بقاراته وبحاره، وفي دولة كان لها من الأسماء اسم سوريا النظيرة.الأكثر غرابة في هذه الرحلة الكونية هو مشاهداتي في تلك الدولة، فقد كانت خضراء من بابها إلى محرابها، وجمال الهندسة يكسو حواضرها، وناسها تبدو في منتهى السعادة، ولا أثر فيها لخراب أو دمار أو حروب ولا لشرطة أو جيش أو فروع أمنية، ولا تمثال فيها لحاكم ينتصب مثل خازوق البحرة في كل ركن، ولا صورة له تشوِّه الحيطان وواجهات الأبنية ومكاتب العمل.والعجب العجاب في رحلتي الأسطورية تلك أنـَّـني وجدت نفسي أمام كائن يشبه رئيس بلدي في عالمي الأصلي، وكان يسكن كوخاً بائساً، يتناقض مظهره المتواضع مع كل ما يحيط به من بيوت فاخرة وقصور تخص مواطني ذلك العالم، ويمشي دون حرس غير هيـَّـاب، فدفعني فضولي إلى فتح حوار معه، وهاكم ما دار بيننا.- مرحباً يا أخا البشر! أنا خالد نعمة من كوكب الأرض التابع لنجم الشمس في مجرَّة درب التبانة، فمن تكون أنت؟ وأين أنا الآن؟- أهلاً يا نظيرنا البشري! أنا بشار الأسد النظير، وأنا رئيس هذه البلاد، التي انتهى مطافك إليها، وأنت الآن في أحد نظائر كوكبك الذي أتيت منه.فغرت فمي مندهشاً، وقلت له:- كفاك مزاحاً، فالرؤساء لا يسكنون الأكواخ، وهم لا يقبلون بأقل من قصر المهاجرين، وطموحهم / يرقى إلى قصر معزول شديد الحراسة فوق جبل مثل قصر الشعب، لأنهم يخافون شعوبهم، كما هو لدينا على سبيل المثال. أنت دعيٌّ، ولا بـُـدَّ أنك تتعاطى الكبتاغون أو حبوب الهلوسة، كي تتخيـَّـل نفسك رئيساً. ومظهرك يوحي إليَّ بأنك عامل نظافة في عالمكم أو عتـَّـال لدى سوق الهال في أحسن الأحوال.أجابني ذلك البشـَّـار النظير، وهو يقهقه:- أ هذا ما هو عليه حال الرؤساء عندكم، كما تصفهم؟ إن كانوا كذلك، فيا لبؤس حالهم؟ فالرؤساء قد وجدوا كي يكونوا خدماً لشعوبهم، لا ليكونوا مخدومين. غريب هذا الشذوذ الساري عندكم!رددت عليه متهكـِّـماً:- الشذوذ هو ما يسري في عالمكم، فهرمكم مقلوب البناء، وهو يستند إلى رأسه، لا على قاعدته. لكن هات أخبرني، كيف حصل أن سلكتم هذا المسار التطوُّري؟نظر البشـَّـار المذكور إليَّ ملياً، وقال:- الجهل بالفيزياء الكونية بادٍ على محيـَّـاك يا هذا النظير الأرضي، وبمختصر الكلام، فالصيرورة التطوُّرية منفتحة على احتمالات لا نهائية. وفي كلِّ كون من الأكوان الموازية، يأخذ التطوُّر منحى يختلف عمـَّـا يأخذه في الأكوان الأخرى، ولا يتكرَّر احتمال واحد في كونين. وعلى ما يبدو أنـَّـه قد جرى أسوأ الخيارات في كونكم وعلى كوكبكم، وقد حظيتم بالنسخة الأسوأ من مجموعة نظرائي.سألته مستغرباً:- حظينا؟ كيف؟ وهل في يدنا حيلة لنختار؟أجابني مقهقهاً:- لستم أنتم من تختارون، بل ذلك الذي نصَّب نفسه رئيساً لديكم هو من فعل. فعندما جرت القرعة بين مجموعة نظرائي، الذين يحملون من الأسماء اسمي، فقد كنت أوَّل من اختار، فاخترت أفضل خيار من مجموعة الخيارات المتاحة لكلِّ نظراء الاسم الذي أحمله. وعلى ما يبدو أنَّ صاحبكم قد نام حتى الضحى يوم السحب، وعندما استفاق من غفوته، لم يكن قد بقي هناك إلا أسوأ خيار متبقٍّ، فاتخذه لنفسه راضياً مرضيـَّـا.كنت في وارد أن أتعمـَّـق أكثر في نقاشي مع ذلك النظير البشـَّـاري، عندما حدثت أيضاً، ودون سابق إنذار عملية معاكسة للعملية التي أوصلتني إلى ذلك العالم الموازي لعالمنا، ورجعت خطفاً عبر البوابة النجمية ذاتها إلى المكان ذاته، الذي سبق أن انفتحت فيه، ووجدت نفسي مرمياً على العشب الأخضر، بينما عادت بوابة السفر عبر الزمكان إلى الانغلاق وهي تصدر أضواءً زرقاء، أضواء ما برحت تضمحلُّ إلى أن اختفت تماماً، دون أن تترك أثراً خلفها.وعدت إلى منزلي أمشي الهوينى، وأنا مخضوض البدن، مهموم البال، مشغولاً بالتفكير بهذه الأقدار الغاشمة، التي ساقت إلينا أسوأ الخيارات الممكنة في بلدنا ضمن كوننا النظير.

Social Links: