الفخ الزمني وسقوط المجتمعات: العقل الديني والزمن السياسي

الفخ الزمني وسقوط المجتمعات: العقل الديني والزمن السياسي

أسماء رزوق


ليس من الحكمة أن نعيش الحاضر بعقلية الموتى، ولا أن نبني المستقبل من بقايا المقابر.
في كل منعطف حضاري، كانت العلاقة مع الزمن هي المعيار الذي يفرز المجتمعات الصاعدة من المنهارة، فبينما تتقدم الأمم التي تدير علاقتها مع الماضي بعقل نقدي، وتعيش الحاضر بوعي، وتبني المستقبل بخيال واقعي، تبقى المجتمعات الراكدة أسيرة لزمن ميت تتغنّى بتاريخها، تتعامى عن حاضرها، وتنتظر معجزة في غدها.
لكن كيف تشكلت هذه العلاقة المعقدة مع الزمن داخل المجتمعات وكيف لعبت القراءات الجامدة للنصوص الدينية دورًا في تفكيك وعي الزمن وتكريس التخلف؟
الماضي ليس شرًا في ذاته، بل هو مخزن للتجربة والذاكرة، لكن الخطر يبدأ حين يتحوّل إلى مرجع مطلق لا يُراجع، وحين تُقرأ النصوص الدينية كـ “كائنات جامدة”، لا كرؤى حية تتفاعل مع الزمن، النصوص االتي تحتاج للبحث ولتطوير الرؤيا تبعا لتطور الزمن ولتنوع آليات البحث.

في اليهودية يركز العهد القديم على مركزية الحدث التاريخي المقدس، خاصة في سفر الخروج، حيث يقول الرب لموسى: “إني قد رأيت مذلّة شعبي… وسمعت صراخهم… فنزلت لأنقذهم وأصعدهم من تلك الأرض.” هذا الارتكاز على الماضي تحوّل لاحقًا إلى هوس مرضي بفكرة “الأرض الموعودة”، و”عودة الهيكل”، و”شعب الله المختار”، مما جعل الوعي الجمعي اليهودي مسكونًا بأمل العودة لا التجاوز، وأدى إلى عسكرة النهج وتحويل الدين إلى مشروع سياسي، والذي خلق عقبة وأزمة جغرافية وسياسية متطرفة وعصبية في العالم، باستخدام أشد أنواع العنف المتوقعة فكان كل شيء مباح من قتل ودمار في سبيل تحقيق النبوة.

في المسيحية ركز العهد الجديد على الخلاص والفداء كفعل ماضٍ له تأثير روحي دائم، كما في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس “إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا.” غير أن الكثير من المسيحيين، خصوصًا في العصور الوسطى، استكانوا إلى فكرة الخلاص النهائي المؤجل، واعتبروا الحاضر مجرّد عبور مؤلم نحو الأبدية، مما أضعف الحافز للتغيير الاجتماعي والسياسي، وأصبحت السكينة لديهم طبعا تسليمياً مطلقاً.

في الإسلام ينطلق النص القرآني من التوازن الزمني بين التاريخ والعبرة، كما في قوله تعالى “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثًا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه.” لكن مع ذلك، فإن بعض الخطابات الإسلامية اليوم، لا تستخدم التاريخ للعبرة، بل للتكرار والتمجيد. يتم تقديم “الخلافة الراشدة” أو “فتوحات الصحابة” كنموذج مقدّس غير قابل للنقد، بل ويجب إحياؤه كما هو، مما يُعيد إنتاج الحاضر من رحم الماضي ويقتل المبادرة.
حتى وأنك تجد عقلية إعادة الخلافة راسخة إلى يومنا هذا في سجية إعادة أمجاد الماضي، متعلقين بنهضة سابقة مع خيبة حاضرة، تغرينا نرجسية الأنا، أصحاب الجنة وأصحاب الآخرة وحدنا الفائزون و وحدنا أصحاب الحضارة التي لا تموت ، وجدنا من نقول الحق ومن يطلق سهام النصر القادم من الله، في مناجاة فتوحات الماضي عالقين في أكثر من احتلال حاضر، فهل علينا تغير آلية التفكير حتى نعيد ماكنا عليه أم علينا تطور أدواتنا لنواكب الأزمنة.

في المجتمعات المأزومة زمنيًا، يُنظر إلى الحاضر كـ «زمن فتنة” لا كمرحلة بناء. وتصبح كل محاولة لفهم الواقع أو تغييره مؤامرة أو تمردًا على الإرث، أنظمة الحكم تشرعن نفسها بتاريخ طويل (سلالة، مقاومة، زعامة دينية…) لكنها تفشل في تقديم إجابات واقعية، المؤسسات التعليمية تزرع في عقول الأجيال خطابًا ماضويًا خاليًا من أدوات التحليل والنقد، الخطاب الديني يمجد “التمسك بما كان”، ويخشى “التجديد”، وكأن التقدم خيانة.
لكل دين وعوده الأخروية، لكن الاستخدام الخاطئ لها قد يؤدي إلى تعطيل العمل الإنساني انتظارًا للخلاص الإلهي. في المسيحية، انتظار “العودة الثانية للمسيح”، في اليهودية، انتظار “المسيا المنتظر وبناء الهيكل الثالث”، في الإسلام، انتظار “المهدي ونزول عيسى”. المشكلة ليست في العقيدة، بل في تحويلها إلى مبرر لشلّ العقل والعمل، وهو ما قاله المفكر محمد أركون ذات مرة: “كل دين يبدأ وعدًا، ثم يتحوّل إلى مشروع هيمنة إذا لم يُفهم في سياقه التاريخي.”

يبقى السؤال هل فعلا تم فهم النصوص في سياقها التاريخي والزمني لا بنزعها من سياقها وتجميدها.
هل استطعنا نقد الماضي وتطويره دون إسقاطه، وتحرير الحاضر من ثقله.، هل لدينا القدرة على إعادة بناء الفكر الديني وفق وعي زمني متجدد، فلو صلح لكل زمان ومكان فهو من البديهي أن يكون قابلا للتطور..
أعتقد أنها عقبة الشعوب العالقة في فوهة الأزمنة هي تحتاج لنهج تنويري خاص وشامل من خلال دعم التعليم والتنوير كأداة لمصالحة المجتمع مع زمنه ، العمل على بناء الفرد لتفكيك عقدة الجماعة وحياء الانفكاك.

المجتمعات لا تموت حين تخسر المعارك، بل حين تفقد القدرة على فهم زمنها، والماضي، مهما كان مجيدًا، لا يبني وطنًا دون عقل، والدين، إن لم يكن قوة تحرر، يصبح أداة خضوع، والمستقبل، إن لم ننتجه نحن، سيفرضه الآخرون علينا.

  • Social Links:

Leave a Reply