زكريا_نمر
رغم شراسة الصراع على مواقع وكراسي السلطة واحتدام المعارك بين الأحزاب والتحالفات والنخب السياسية، لا نسمع من هؤلاء الساسة ذكر مطلب اجتماعي واحد يتجاوز حدود مصالحهم الشخصية أو مصالح مجموعاتهم الضيقة. كل خطاب وكل وعد يبدو محصور داخل دوائر ضيقة عشيرة، حزب، جماعة مسلحة، أو نخبة سياسية، ولا يتجاوز هذه الحدود ليصبح مطلبا وطنيا جامع يعبر عن احتياجات المواطنين العاديين ويصب في صالح الوطن ككل.
الفرق بين السلطة والمسؤولية واضح وجلي. فالمعارك على المناصب وحماية المكتسبات الشخصية تتصدر المشهد، بينما المصالح العامة والحقوق الأساسية للشعب غائبة تماما عن أفق الخطاب السياسي. المشهد يتكرر في كل انتخابات، وفي كل تفاوض على مواقع النفوذ، وفي كل تحالف سياسي، حيث يتحول المواطن العادي إلى مجرد متفرج على لعبة كبيرة لا يفهم قواعدها ولا يستفيد من نتائجها.
إن غياب المطالب الوطنية العامة يعيد إنتاج دائرة الانقسام. كل جهة تحمي نفسها، وكل نخبة تعمل لمصالحها، فيما الشعب يبقى خارج المعادلة، مستهلكا لتقلبات السياسة، متأثرا بالوعود التي لا تتحقق، محاصرا بين خطابات كبيرة على الورق وغياب الفعل على الأرض. هناك آلاف الأمثلة على هذا الواقع: مشاريع متوقفة، طرق مهملة، مدارس ومستشفيات لا تعمل، شباب بلا فرص عمل، وقرارات سياسية تصنع الفجوات الاقتصادية بدل أن تقلصها.
حتى في الأزمات الكبرى، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، يظهر واضحا أن الأولوية هي لحماية النفوذ والمصالح الشخصية. بينما يعاني المواطن العادي، يبدو أن كل خطاب سياسي يبتعد عن الواقع ويغرق في شعارات عامة لا تنفذ. هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي تراكم تاريخي. فقد شهدت معظم الدول التي تمر بأزمات سياسية متكررة، سواء في المنطقة العربية أو إفريقية حالة مماثلة: صراعات داخلية على السلطة تمنع أي نقاش حقيقي حول احتياجات الناس أو خطط تنموية مستدامة.
المثال الأكثر وضوحا يمكن رؤيته في بعض الدول العربية و الافريقية التي تشهد صراعات داخلية مستمرة. حتى عندما يتم توقيع اتفاقيات أو تشكيل حكومات جديدة، غالبا ما تكون الأولوية للمكاسب السياسية والشخصية، وليس للمشاريع التي تغير حياة الناس. المدارس قد تبقى دون صيانة، المستشفيات دون تجهيز، والشباب بلا فرص عمل، بينما كبار المسؤولين يسعون لتأمين مواقعهم ومكتسباتهم. إن تحول السلطة إلى أداة خدمة حقيقية يتطلب أن يصبح المطلب الاجتماعي الوطني قاعدة عمل يومي. يجب أن تدرك النخب أن التنافس السياسي لا يكتمل إلا بخدمة الناس، وأن الكرسي أو النفوذ ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتغيير حياة المجتمع نحو الأفضل. بدون هذا الوعي، سيبقى الشعب أسير الصراع على السلطة، وسيظل الوطن أسير المصالح الشخصية، وتظل الطموحات الوطنية مجرد شعارات تتناوب عليها القوى المتصارعة كل مرة دون أي أثر ملموس.
الأدهى من ذلك أن استمرار هذه السياسات يخلق ثقافة سياسية منحرفة، حيث يربط الناس بين السلطة والخداع، ويصبح من الطبيعي انتظار الوعود الكاذبة والمناورات السياسية، بدلا من المطالب الحقيقية. هذه الثقافة تقوي الانقسامات الداخلية وتضعف الوحدة الوطنية، بينما تستفيد النخب من الانقسام لتحقيق أهدافها الخاصة. لذلك فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى وعي شعبي ونخبة ملتزمة. الوعي الشعبي يعني مطالبة النخب بالمساءلة عن كل قرار، عن كل مشروع، وعن كل وعد انتخابي. والنخبة الملتزمة هي التي تجعل مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وتضع أهدافا وطنية واضحة قابلة للقياس والتنفيذ، وليس مجرد شعارات جوفاء.
الطريق نحو بناء وطن قوي لا يمر عبر الصراعات الضيقة على السلطة، بل عبر تحويل المطالب الاجتماعية إلى أهداف وطنية حقيقية. عندما تصبح هذه المطالب قاعدة للعمل اليومي، وعندما تتحول النخبة إلى خادم حقيقي للشعب، عندها فقط يمكن أن تتغير الحياة السياسية، ويبدأ المواطن في رؤية نتائج ملموسة على الأرض، وتصبح السلطة أداة للتقدم، لا مجرد سباق على النفوذ والمكاسب الشخصية.

Social Links: