من بسمارك إلى بوتين: دروس التاريخ التي يتجاهلها “الشرع”

من بسمارك إلى بوتين: دروس التاريخ التي يتجاهلها “الشرع”

زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري

لا أعلم إن كان “الرئيس” كاذباً عامداً أم جاهلاً بالتاريخ؛ فحين زعم للسيدة السورية بأن ألمانيا احتاجت سبعين عاماً بعد الحرب لتصبح ديمقراطية، كان يسوق معلومة خاطئة بنسبة 100%. فهل كان يقصد التزوير لتبرير البقاء في السلطة للأبد؟

كانت ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى تعيش في ظل نظام إمبراطوري، يشبه في جوهره الصلاحيات المطلقة التي يحصل عليها “الشرع” اليوم، حيث الانتماء للقائد هو معيار الدولة. كان البرلمان (الرايخستاغ) شكلياً بلا صلاحيات؛ فالإمبراطور هو من يعين المستشار لا الحزب الفائز بالانتخابات. في ذلك النظام، كان الشعب مجرد “رعايا”، والجيش “دولة داخل الدولة”، والولاء كان “للقائد” لا “للدستور”.

في تلك الحقبة، وحد “بسمارك” الجغرافيا الألمانية بقوة السلاح لا بالحوار، وقدم للألمان “الخبز” مقابل “الصمت السياسي”. وفي عام 1883، قدم أول نظام تأمين صحي في العالم؛ ليس حباً بالعمال، بل لقطع الطريق على الحزب الاشتراكي وسحب بساط المطالب من تحت أقدامهم ومنحها للناس كـ “مكرمة إمبراطورية”. ضمن “بسمارك” ولاء الرعايا ومنع الثورة، لكنه صادر حريتهم الحقيقية. وبسبب هذا الفراغ السياسي، وقع هذا العملاق الاقتصادي والقزم السياسي في فخ الحرب العالمية الأولى، ليُقتل أبناؤه في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ فخسروا الخبز والحرية معاً، وفوقها خسروا حياتهم وحياة آبائهم وأشقائهم.

الأحزاب: “المشط” الذي نظف الدولة

لم تولد الأحزاب الألمانية بمرسوم إمبراطوري، بل نبتت كحركات مقاومة مدنية ضد الاستبداد. الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) مثلاً، تأسس في منتصف القرن التاسع عشر وخاض نضالاً سرياً ضد قوانين “مكافحة الاشتراكية” التي أصدرها بسمارك، ليصبح قبيل الحرب أقوى الأحزاب جماهيرية. كما تأسس “حزب الوسط” للدفاع عن حقوق الأقليات، والأحزاب الليبرالية للدفاع عن سيادة القانون. لقد تأسست هذه الأحزاب حين كانت ألمانيا دولة زراعية فقيرة تعاني الويلات؛ فلم ينتظروا “تمشيط الشعر”، بل كانت الأحزاب هي “المشط” الذي نظف ألمانيا من طغيان العسكر والإمبراطورية.

مع اقتراب الهزيمة في 1918، اندلعت ثورات داخلية أطاحت بالقيصر “فيلهلم الثاني”، وأُعلنت الجمهورية. وضعت الحكومة المؤقتة دستوراً يُعد من أرقى دساتير العالم آنذاك، ودخلت البلاد عصر الازدهار. لكن معاهدة “فرساي” المذلة والكساد الكبير منحا الفرصة للمتطرفين؛ فاستغل هتلر المشاعر القومية لينقضّ على الديمقراطية، معلناً حالة الطوارئ تحت شعار “ألمانيا القوية العزيزة”، ليجرّ البلاد إلى حروب دمرتها تماماً.

فاتورة غرور الفرد

دفعت ألمانيا ثمناً باهظاً لقرار الفرد الواحد؛ فقد قُتل في الحرب العالمية الأولى مليون جندي و700 ألف مدني ماتوا جوعاً ومرضاً. وفي الحرب الثانية، تجاوزت الحصيلة 5 ملايين و300 ألف جندي و300 ألف مدني. كل هذه المآسي كانت ناجمة عن قرار فرد واحد، شخص تملكه الغرور فاتخذ قرارات جلبت الدمار.

بعد الحرب الثانية، تعلم الألمان الدرس: بينما كان الركام يملأ الشوارع، أعلنوا أن الديمقراطية ليست رفاهاً، بل هي “الدواء” الوحيد لإنقاذ الدولة المريضة، وهكذا تأسس البرلمان الألماني عام 1949.

من “طرزان” روسيا إلى ركام أوكرانيا

اليوم، يكرر بوتين المأساة ذاتها؛ يَعِد شعبه بالمجد واستعادة “أمجاد الإمبراطورية الزائلة”، ليغرقهم في مستنقع أوكرانيا. يموت الشباب الروس لأجل أوهام “القائد المُلهم” الذي يُروج له كبطل خارق؛ تارة وسط الثلوج، وتارة على صهوة حصان عاري الصدر مستعرضاً عضلاته وكأنه “رامبو” أو “طرزان” الغابات، في غياب كامل لأي محاسبة مؤسساتية.

تتحدث الأرقام اليوم عن تجاوز الخسائر البشرية الروسية حاجز المليون ومئتي ألف شخص، وفرار ما بين 600 ألف إلى مليون شاب رفضاً للحرب، مما ضرب الاقتصاد الروسي في مقتل نتيجة هجرة الأدمغة؛ حيث غادر قرابة 15% من مبرمجي الحاسوب وخبراء الذكاء الاصطناعي، مما أصاب الابتكار بالشلل، واضطرت روسيا لاستقدام عمالة من آسيا الوسطى لسد الفراغ. كل هذا الخراب المادي والبشري لسبب واحد: “قرار فرد في غياب المؤسسات”.

لقد وحد بسمارك ألمانيا بالبارود ومات تاركاً مؤسسات قزمة، فدمرها. كرر هتلر الفعلة، ويمشي بوتين اليوم على الخطى ذاتها. وأمامنا في سوريا اليوم مساران لا ثالث لهما: إما نتبع مسار بسمارك وهتلر وبوتين الذين دمروا بلادهم وأحالوا شعوبهم إلى (الطفل الجائع) المهدد بالموت، أو نختار المسار الديمقراطي (المشط) الذي يرتّب فوضى المؤسسات ويحارب قمل الفساد، وهو ذاته الذي جعل من ألمانيا القوة الاقتصادية الثالثة عالمياً.

  • Social Links:

Leave a Reply