ميكائيل بوراووي
الجزء الثاني
مشروع إعادة بناء الماركسية : الموجات الثلاث للماركسية . التفكير في الرأسمالية بعد كارل بولاني ( Karl Polanyi)لعالم الاجتماع البريطاني الراحل: ميكائيل بوراووي(Michael Burawoy)
تنبؤات بولاني كانت خاطئة
(الجزء الثاني)
من خلال تحليله للماضي، وبناء على وجهة نظره، لا يمكن الحديث عن حركة واحدة متجانسة تجاه سلعة، ولكن هذه الأخيرة حدثت في ثلاث موجات، الأولى من قانون Speenhamland إلى الحرب العالمية الأولى وبشكل رئيسي من خلال تسليع العمل،ثم بحمايته، وتنطلق الثانية منذ الحرب العالمية الأولى حتى منتصف السبعينيات : وتجد أصلها في تسليع المال( وفي تسليع جديد للعمل)، مما أدى إلى حركة مضادة من أجل تنظيم الاقتصادات الوطنية. جاءت الموجة الثالثة، المعروفة باسم الليبرالية الجديدة،التي ابتدأت مع أزمة البترول سنة 1973، تتضمن من جديد تسليع العمل والمال ولكن أيضا تسليع الطبيعة. مازلنا اليوم نعيش على إيقاع الصعود القوي للموجة الثالثة من التسليع.
تم ترجمة هذه الموجة من خلال سياسة التقويم الهيكلي في بلدان الجنوب المثقلة بالديون، ومن خلال العلاج بالصدمة الذي اعتمد في روسيا بعد الاتحاد السوفياتي، وأقمارها الصناعية في وسط وشرق أوروبا. وقد ساهمت الأزمات الاقتصادية المنظمة من طرف الدولة في تعزيز الاعتقاد بأهمية السوق، وبالمثل ساعدت الأزمات المالية المتتالية في أسيا وأمريكا اللاتينية في التسعينيات ، والتي بلغت دروتها مع الأزمة المالية سنة 2008، على تعزيز سلطة رأس المال.
ما يميز هذه الفترة هو تزايد نسبة الأضرار التي لحقت بالبيئة جراء التوسع الرأسمالي، مع ترقب كارثة بيئية في الأفق، نتيجة الاحتباس الحراري والنفايات السامة، وخاصة المياه والهواء والأرض، والأفضع الاتجار بالأعضاء البشرية. إن تسليع الطبيعة يوجد في قلب الأزمة الوشيكة للرأسمالية. سوف تضطر الحركة المضادة للموجة الثالثة إلى الحد من ميل الرأسمالية إلى تقويض الوجود الإنساني، داعية إلى تنظيم الأسواق، و إضفاء الطابع الاجتماعي العام على وسائل الإنتاج، مع التذكير مثل بولاني، بأن نكون حذرين من أن مثل هذه الحركة المضادة قد تؤدي إلى توسيع الحريات الإنسانية كما للحد منها.
إذا كان بولاني قد وصف تحولا واحدا عظيما، هو التسليع وحركته المضادة، فأنا أرى ثلاث موجات ، كل موجة من التسليع تهيمن عليها سلعة وهمية، وهي تمتص سلعة وهمية جديدة. فالعمل مثلا، فقد تم تحويله إلى سلعة، وفيما بعد إلى إلغاء تسليعه، ثم أعيد تسليعه في موجات متتالية. لايجب التفكير في هذه الموجات على أنها محكمة الإغلاق، الواحدة منها متميزة عن الأخرى، بل النظر إليها أو بالأحرى التفكير فيها كحركة في صعود وفي تراجع، بشكل جدلي.
يختلف إيقاع وتأثير هذه الموجات في مختلف أجزاء العالم. بولاني هو نفسه يعترف بأن الموجة الأولى من التسليع في القرن التاسع عشر، كانت لها عواقب وخيمة بشكل خاص في المستعمرات التي قال عنها بأنها لم تستطع مقاومة إبادة مجتمعاتها الأصلية، بالمثل ساهمت في تدمير الطبقة العاملة بأنجلترا في القرن التاسع عشر، كما دمرت المجتمعات الأصلية في جنوب إفريقيا.
نعرف اليوم ، في الواقع، بأن الاستعمار حد من مصادرة الأراضي من أجل إنشاء أساس القاعدة وقوائم العمل غير المباشرة للصناعة.ما يهمنا هنا هو التساؤل الذي طرحه بولاني في دراسته للاستعمار: كيف يمكن لمكانة مجتمع في النظام الرأسمالي العالمي أن يغير تجربته في التسليع؟
السياق التاريخي مهم بنفس القدر. لذا فروسيا والصين الخارجتان من فترة اشتراكية الدولة- التي في حد ذاتها رد فعل على الموجة الثانية من التسليع- تواجه اليوم في نفس الوقت الموجات الثلاث للتسليع: من الأرض والعمل والمال. في الحالة الروسية، على الأقل في سبع سنوات الأولى بعد عصر الاتحاد السوفياتي، كان التسليع مصحوبا بتدهور اقتصادي غير مسبوق، بينما في الصين، كان مصحوبا بالنمو الاقتصادي دون سابق. في روسيا كانت تصفية الدولة الحزبية مبررة من خلال أصولية السوق، والاعتقاد بطريق السوق الرأسمالية، بينما في الصين تم إنشاء السوق من قبل الدولة الحزبية. إن الوتيرة السريعة للتنمية الاقتصادية الصينية هو تأكيد مدوي لأطروحة بولاني التي تقول بالحاجة إلى تنظيم الأسواق سياسيا.
باختصار، كل موجة من التسليع تميزت بتمفصل بين التسليع المتتالي للعمل، للمال والطبيعة، وبين الحركة المضادة المطابقة لها، والتي تتكشف عند مقياس معين وتدافع عن حقوق نوعية. كل موجة تؤثر على بلدان مختلفة بطريقة مختلفة، اعتمادا على تاريخها ومكانتها في الاقتصاد العالمي.علاوة على ذلك كما سأوضح لاحقا، كل موجة تعبر عن بعض تناقضات الرأسمالية، ورؤة معينة للاشتراكية من خلال الدفاع عن مجموعة معينة من الحقوق. أدت هذه الحركة للتاريخ إلى تبلور هذه السلسلة من الماركسيات: الماركسية الكلاسيكية، الماركسية السوفياتية، الماركسية الغربية ثم ماركسية العالم الثالث، كلها تفتح الطريق لما أسميه الماركسية الاجتماعية.

Social Links: