الاختفاء القسري .. قضية المعتقلين السوريين أولاً –  أحمد مظهر سعدو

الاختفاء القسري .. قضية المعتقلين السوريين أولاً –  أحمد مظهر سعدو

 

لا ضير أن تخصيص يوم عالمي للاختفاء القسري، يعتبر عملًا مفيدًا وأخلاقيًا، قبل أن يكون عملًا إنسانيًا أو سياسيًا، وأن تحتفي هيئة الأمم المتحدة، والكثير من دول العالم بهذا اليوم،

 

إنما يعبر (وبشكل واضح) على أن القانون الدولي الإنساني مازال ثاوٍ في مخيال هذا العالم. الذي بات مع العولمة قرية واحدة، ومجالًا اقتصاديًا وديمغرافيًا بل وسياسيًا واحدًا. لكن ما يدعو السوريين دائمًا وفي مثل هذه المناسبة والذكرى للتوقف والتساؤل، هو الاستمرار المفرط على جميع المستويات، وضمن حالة العسف والقتل اليومي، التي تطال الشعب السوري برمته شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، مع الاستمرار كذلك في التعامي عن منتجات القمع اليومي، وهدر إنسانية الانسان أمام مرأى العالم قاطبة.

 

حيث يساق الشعب السوري رغمًا عنه إلى معتقلات وسجون لا توجد فيها أدنى مقومات التعامل البشري أو الإنساني، ويتكشف بين الفينة والأخرى، عن جرائم يومية ترتكب بحق السوريين في المعتقلات، بل في الأقبية الخالية من الإنسانية، كل الموبقات ويمارس بحق الموقوفين شتى أصناف التعذيب حتى الموت، ويتلقى بعض الأهالي يوميًا الكثير من الإخطارات عن حالات موت لأبنائهم، ومن ثم تسليمهم أشياءهم الشخصية، كما حصل في مدينة اللاذقية الشهر الفائت، بينما هناك عشرات الألوف ممن أُخذ على حين غرة، ولا يعرف أهلوه أي مصير لهذا الابن أو تلك الابنة، فيعيش الأهل في حالة فوات اجتماعي عالي المستوى، ثم تمضي السنوات والسنوات دون معرفة أي إشارة أو معلومة ما عن مصير ابنهم، حيث لا تعترف كل  معتقلات النظام السوري بأي سجين، حتى لو أخذته علنًا وعلى مرأى أهالي حيه أو زملائه في العمل.

 

للاختفاء القسري في سورية لونًا مختلفًا، ومعلمًا متميزًا، بغياب عشرات الألوف دون أي معلومة صغيرة أو كبيرة، حتى بات المجتمع السوري أو مجمل أنساقه، مهدورًا برمته، ويعاني في مجموعه من حالات الاختفاء القسري، لدرجة تكاد لا تخلو أسرة سورية من اختفاء أحد أبنائها، ولأن ذلك يشكل همًا مجتمعيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، بالغ الخطورة، فإنه يجدر بالإعلام، بعد السياسيين والمعنيين الحقوقيين، وكل منظمات حقوق الانسان السورية وغير السورية، إيلاء هذا الوضع الأهمية اللازمة، لما يتركه من آثار لها علاقة بتفكك الأسر وبالخراب البنيوي الأسري، كما الخراب المعيشي، الذي تستنزفه شبيحة الأمن والمخابرات، التي لا تألو جهدًا في استثمار هذه القضية بحيث أضحت ( سبوبة عيش ) كما يقال، وراحت المساومات الكبرى على الملايين من الليرات السورية، ترهق كاهل أسر المعتقلين والمختفين قسريًا، حيث تعيش الأسرة هاجسين إما الدفع بالتي هي أحسن، على أمل الوصول إلى الإبقاء على حياة أبنائها، أو عدم الامتثال لذلك، وبالتالي الوصول عبر هذا التخلي إلى حالات الفقدان النهائي والكلي للفرد. في وقت لا يجد الشارع السوري فيه أي ثقة برجالات السلطة والمرتشين والسماسرة، الذين لم يعودوا يقبلون بأقل من الملايين، وليس أي متابع بعيدًا عن الحالة المعاشية للفرد السوري الذي صار في معظمه تحت خط الفقر، بل تحت خط الفقر المدقع، حسب التصنيف العالمي للفقر، وليغرق المجتمع وجل أسره بالمزيد من الدين المرهق، وهم عاجزون عن فعل أي شيء في مواجهته.

 

والمشكلة الأساس في قضية الاختفاء القسري والمعتقلين، أن هناك الكثير من أطراف المجتمع الدولي ومن بعض المنظمات العالمية، مازالت تتعامل معه كملف وليس كقضية تحتاج لمعالجة ضمن أية مسارات تسووية، وكأن مئات الألوف من المختفين أو المعتقلين لا يقرعون أجراس الخطر بالنسبة للمجتمع الدولي، وهو ليس حريصًا على وضعهم، كقضية عاجلة تستحق المعالجة، قبل أن تزداد أعداد القتلى في السجون، وليس بعيدًا عن المنظار الخارجي ما تم الكشف عنه مؤخرًا في سجن صيدنايا من إعدامات يومية ليصل العدد إلى عشرات الألوف، وقبله ما عرف بقضية (قيصر) وبعده ذاك الموت اليومي تحت التعذيب تارة، وبالمرض تارة أخرى، حيث لا صحة ولا طبابة في كل معتقلات النظام السوري، ومن يصيبه المرض مهما كان بسيطًا فإن مصيره الموت بكل تأكيد، وهذا ما شاهدته بأم عيني في معتقل فرع المنطقة، حيث يموت في هذا الفرع لوحده وبشكل يومي ما بين 3_7 معتقلين بالتعذيب، أو بالمرض، أو بالقتل المباشر.

 

الاحتفاء بيوم الاختفاء القسري عالميًا هو لدى السوريين حالة يومية لا تنسى، ولا يمكن تجاوزها، فالأسرة السورية التي فقدت ابنها بالمعتقل أو سواه لا هم لها، ولا حياة دون معرفة مصير ابنها، أو إخراجه من المعتقل، لأنها تحتاجه، كما أن الوطن السوري أحوج ما يكون إليه. بل القانون الدولي الإنساني يدلل على حقه بالحياة ومعاقبة المرتكب عاجلًا أم آجلًا.

  • Social Links:

Leave a Reply