مقدمة:
تشكل النتيجة التي خلص إليها تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسورية والتي حمّلت “حكومة النظام السوري” مسؤولية استخدام غاز السارين في بلدة خان شيخون السورية 4 نيسان2017، سابقة مهمة في تاريخ الأحداث التي تعصف بالبلاد منذ نحو سبع سنوات، وخاصة بعد توقيع “حكومة النظام” على الاتفاقية الخاصة بحظر استخدام أو تخزين أو انتاج الأسلحة الكيماوية عام 2013[1]، مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية OPCW”” بواسطة روسية وموافقة أميركية.
ويأتي هذا التقرير في وقت مهم وحساس لجميع الأطراف، فبالنسبة للنظام فقد بدأ يستعيد شيئا فشيئا عافيته العسكرية والسياسية بفعل التدخل الروسي، كما يأتي في توقيت تتزاحم فيه حشود القوى التي تطالب بدخول معركة دير الزور الحاسمة ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” الذي سيطر عليها قبل ثلاثة أعوام في تموز 2014م، وحرمان الجيش السوري الحر وأبناء المدينة من المشاركة فيها رغم طلب الائتلاف من الولايات المتحدة ذلك.
وكذلك بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة السورية فقد أتى التقرير في وقت تتحضر فيه للمشاركة في مؤتمر أستانة6 الذي فرضه الروس بعد تراجع الأمريكيين وتخليهم عن وعودهم ومسؤولياتهم تجاه قوى الثورة والمعارضة “كأصدقاء للشعب السوري” وذلك بالرغم من قول الروس المتكرر أن مؤتمر أستانا لا يتجاوز مسار جنيف والقرارات الدولية الخاصة بسورية وفي مقدمتها بيان جنيف1 والقرار 2254 والقرار 2118.
وقبيل صدور نتيجة تقرير لجنة التحقيق الدولية الأخير لقي الهجوم الكيماوي على مدنيين في بلدة خان شيخون ردود فعل تصاعدت في حدتها، وشكل تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» إضافة مهمة لما بات يشبه «ترسانة الأدلة» على أن غاز السارين قد استخدم بالفعل في هجمات خان شيخون، وهو ما كانت أثبتته منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، والحكومة التركية، والاستخبارات الفرنسية والأميركية والبريطانية[2].
وقد أتى هذا التقرير الدولي الذي أعلن فيه محققو جرائم الحرب التابعين للأمم المتحدة أول أيلول 2017م عن مسؤولية الحكومة السورية عن الهجوم الذي تم على البلدة (خان شيخون) كعنوان لواقع جديد أخذ في التشكل بعد هذا الهجوم يمكن لحظه من خلال موجة الاستنكار والإدانة الدولية الذي أثاره.
وهذه الورقة ستناقش الأهمية القانونية والإنسانية لتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية في سورية الأخير الذي وجه عدة اتهامات لـ”حكومة النظام السوري” بارتكاب جرائم حرب مختلفة؛ أبرزها قصف بلدة خان شيخون بغاز السارين الكيماوي المحرم دوليا والذي راح ضحيته قرابة 90 شخصا بينهم 28 طفلاً و23 امرأة.
أولا: مضمون تقرير لجنة التحقيق الدولية:
جاء في التقرير أن كافة الأطراف على الساحة السورية واصلت استخدام العنف على نحو يشكل انتهاكاً سافراً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ويؤثر، في المقام الأول، على المدنيين في جميع أرجاء البلد، وعلى الرغم من إجلاء المدنيين قسرا من أحياء برزة والقابون وتشرين شرقي دمشق، والهدنات المحلية التي تم التوصل إليها في كفريا والفوعة ومضايا والزبداني واصلت القوات الحكومية نمط استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، واستعملت أسلحة كيميائية غير مشروعة في أربع مناسبات على الأقل.
وفي أخطر حادث، استخدمت القوات الجوية السورية “السارين” في خان شيخون وأسفر ذلك عن مقتل عشرات المدنيين، معظمهم نساء وأطفال.
وتسببت الحملة الجوية التي شنتها القوات الموالية للحكومة في المنطقة المحيطة بخان شيخون في تدمير العديد من المرافق الطبية، الأمر الذي فاقم معاناة ضحايا هجوم السارين. واستعملت القوات السورية في إدلب وحماه والغوطة الشرقية أيضاً الكلور المحوّر إلى سلاح، كما واصلت القوات السورية أو الروسية أو الاثنتان معاً استهداف المستشفيات والعاملين في القطاع الطبي.
وذكر التقرير أيضا أنّ المجموعات الإرهابية ممثلةً في “هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية في العراق والشام” والمقاتلين التابعين لمجموعات مسلحة من الأقليات الدينية استهدفت باستخدام السيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية.
ومن بين أشد الفئات تعرضاً لتلك الهجمات الأطفال والنازحون داخلياً، وتجلى ذلك في حي الراشدين بحلب حيث استهدف تفجير سيارة مفخخة مدنيين نزحوا من بلدتي الفوعة وكفريا، كما أن الأطفال لا يزالون يقعون ضحايا لأسباب متعددة ويُحرمون من الحماية التي يستحقونها بمقتضى اتفاقية حقوق الطفل التي دخلت الجمهورية العربية السورية طرفاً فيها.
ويعاني الأطفال السوريون نتيجة الهجمات على المدنيين، وبسبب عدم حصولهم على التعليم، وتجنيدهم. فعلى سبيل المثال، شكل الأطفال ما نسبته ٥٤ في المائة من ١٧٩ شخصاً قتلوا في الهجوم بالأسلحة الكيميائية في خان شيخون والتفجير الانتحاري الذي وقع في الراشدين.
وأشار التقرير إلى أنه يساور اللجنة قلق بالغ إزاء الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي على المدنيين. ففي الجينة، بمحافظة حلب، لم تتخذ قوات الولايات المتحدة الأمريكية جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية عندما شنت هجوماً على أحد المساجد، وهو ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
ولا تزال التحقيقات جارية في العديد من الادعاءات المتصلة بالهجمات الجوية على الرقة، بما في ذلك الغارة الجوية التي شُنت على قرية المنصورة، التي كان “تنظيم الدولة الإسلامية” يسيطر عليها آنذاك، ما أدى إلى إصابة نحو 200 مدني، وعمليات التجنيد القسري لآلاف المدنيين التي تقوم بها قوات سورية الديمقراطية معظمهم من الرجال والفتيان، واقترنت هذه العمليات باعتقال غير الراغبين في التجنيد[3].
ثانيا: الظروف المحيطة بقرار لجنة التحقيق الدولية
جاءت نتيجة التقرير بإدانة النظام السوري لاستخدامه الأسلحة الكيماوية وسط جملة من العوامل المركبة والمتداخلة المرتبطة بالأوضاع والمتغيرات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، التي ترتبط بدورها مع الأوضاع الميدانية تتمثل بــ:
1– محاولة الروس تثبيت المكتسبات الميدانية للنظام عبر مسار أستانة ولا سيما من خلال مناطق خفض التصعيد.
2 – زيادة الاهتمام بمناطق الشمال والجنوب وما أحرزه التفاهم الروسي الأمريكي على وقف إطلاق النار في الجنوب وهي الجبهة التي تسبب قلقا لمسار أستانة وما تحمله من قدرة أمريكية على تعطيل الحل الروسي ظهر بوضوح في تصريحات وزيرة العدل الاسرائيلية التي بينت أن مصلحة الأسد هي في إبقاء إيران في الخارج إن أراد البقاء في السلطة، وأن إسرائيل ستعمل ما يتوجب عمله إن لم تستجب القوى الكبرى[4].
3 – عدم الاهتمام الأمريكي بالمسار السياسي المتعلق بالوضع في سورية الأمر الذي عزز مسار أستانة والشروع بأدوار سياسية تخدم الموقف الروسي.
4 – التفاهمات الأمنية الروسية – الأمريكية المتعلقة بـ”الحرب ضد الإرهاب” وما أدت إليه من تعاظم خسارة التنظيم لمناطقه التي كانت تمنحه المرونة في التحرك في كل من سورية والعراق، وما نجم عنها من مسائل أساسية أهمها:
أ- مرحلة ما بعد تحرير الرقة.
ب- معركة دير الزور وطبيعة التحالفات بشأنها.
ت- انعكاسات التنسيق الأمريكي – الروسي فيما يتعلق بنفوذ كل منهما مع بروز مسألة إدلب ومستقبل هيئة تحرير الشام فيها.
5 – ارتباك الروس بسبب تعدد القوى المسلحة الحليفة للنظام (الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وميليشيات عراقية وأفغانية وإيرانية) وفقدهم ثقة الفصائل التي يتفاوضون معها لوقف القتال او للانخراط في مشاريع التسوية لأنه كلما أعلن الروس أنهم ضامنون للشروط المتفق عليها مع الفصائل سرعان ما يعطله النظام حينا وإيران حينا أخر[5].
6 – رغم التنسيق الدائم بين روسيا و”إسرائيل” بشأن التحركات الإسرائيلية في سورية، استمرت الأخيرة باستهدافها للمواقع العسكرية التابعة للنظام كان آخرها استهدافها مصنعاً في مصياف ينتج أسلحة كيمياوية وبراميل متفجرة بحسب عاموس يادلين رئيس سابق للاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية”.
وأتى التصريح بعد يوم واحد من صدور التقرير دولي (موضوع البحث) الذي انتهى فيه محققون في مجال حقوق الإنسان تابعون للأمم المتحدة إلى أن طائرة سورية ألقت قنبلة تحمل غاز السارين للأعصاب على بلدة تحت سيطرة المعارضة، في نيسان وقتل في الهجوم 83 شخصا[6].
وقد أولت “إسرائيل” في الفترة الأخيرة موضوع منع أيّ وجود عسكري لإيران وحزب الله بالقرب من الجولان المحتل اهتمامًا كبيرًا لسببين أساسيين: أوّلهما أنّه في ضوء ضعف “الجيش السوري “أو عجزه، تحاول هذه القوى الوجود في المناطق المحاذية للجولان المحتل. وقد تعايشت إسرائيل مع القوات السورية الرسمية الملتزمة باتفاقيات وقف إطلاق النار عقودًا طويلة، ولا توجد أيّ اتفاقيات أو ترتيبات تنظّم سلوك هذه القوى غير النظامية على الحدود؛
ويتمثل ثانيهما بأنّ “إسرائيل” باتت تصرّ على أنّ أيّ حل سياسي لتسوية الحرب في سورية يجب أن يضمن عدم وجود قوى عسكرية على الحدود المحاذية للجولان المحتل، وبقاءَه عمليًا منطقة نفوذ “إسرائيلية “منزوعة السلاح [7]
7 – تعاني المعارضة السورية من انقطاع الدعم العسكري وتأثير الأزمة الخليجية على الوضع السوري وتشكل محورين مع حلفائهما على الساحة السورية الأول روسيا – دمشق، والثاني أمريكا -الأكراد، ومطالبة ديمستورا لها بالتحلي بالواقعية السياسية لوجود بديل عنها يتمثل بمنصتي موسكو والقاهرة.
Social Links: